نهاية العام الهجري موعظة وتنبيهات
نهاية العام الهجري موعظة وتنبيهات
  | , 1746   |   طباعة الصفحة


  • خطبة  بعنوان: نهاية العام الهجري موعظة وتنبيهات.
  • ألقاها: الشيخ الدكتور خالد بن ضحوي الظفيري حفظه الله تعالى.
  • المكان: خطبة في يوم 24 ذي الحجة 1441هـ في مسجد السعدي بالجهرا.

   
  • الخطبة الأولى
إِنَّ الحَمْدَ لِلَّهِ، نَحْمَدُهُ ونَسْتَعِينُهُ ونَسْتَغْفِرُهُ، ونَعُوذُ بِاللهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا ومِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، ومَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وأَشْهَدُ أَن لَّا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:102]. أَمَّا بَعْدُ: فَإِنَّ أَصْدَقَ الحَدِيثِ كَلَامُ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ، وخَيْرَ الْهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ r، وشَرَّ الأُمُورِ مُحْدَثَاتُها، وكُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ، وكُلَّ ضَلَالَةٍ فِي النَّارِ. عباد الله: إن في مرور الأيام وتعاقب الشهور والأعوام عبرةً للعبد وأيَّ عبرة، تُذكِّره بقرب أجله وانقطاع عمله وإقباله على ربه، بما قدَّم في هذه الحياة من الصالحات فيلقى عند ربّه خيرا ويسعد السعادة الأبدية التي لا شقاء بعدها، (فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ)، أو يقبل بالسيئات وظلمه لنفسه وللعباد فهنا يكون الندم ويتمنى العبد العودة والرجوع، ويقول يا ليت ويا ليت ولا تنفع هنا ليت، لأن الفرصة قد فاتت ومضى شبابك وعمرك فما اغتنمته بالخير فهذا أوان لقاء ما عملت وجزاء ما قدمت، (وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَاوَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا). (ما مضى من العمر و إن طالت أوقاته فقد ذهب لذاته وبقيت تبعاته، وكأنه لم يكن إذا جاء الموت وميقاته، قال الله عز و جل: { أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ * ثُمَّ جَاءَهُمْ مَا كَانُوا يُوعَدُونَ * مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ)، تلا بعض السلف هذه الآية وبكى وقال: إذا جاء الموت لم يغن عن المرء ما كان فيه من اللذة و النعيم). قال الفضيل بن عياض لرجل: كم أتى عليك؟ قال: ستون سنة، قال له: أنت منذ ستين سنة تسير إلى ربك يوشك أن تصل. فيا من يفرح بكثرة مرور السنين عليه إنما تفرح بنقص عمرك، قَالَ الْحسن رحمه الله: إِنَّمَا أَنْتَ أَيَّامُ مَجْمُوعَةٌ، كُلَّمَا مَضَي يِوْمٌ مَضَى بَعْضُكَ. إنا لنفرح بالأيام نقطعها ... و كل يوم مضى يدني من الأجل فاعمل لنفسك قبل الموت مجتهدا ... فإنما الربح والخسران في العمل فعلى العبد الحرص على مراجعة نفسه ومحاسبتها في كل ساعة من ليل أو نهار، واغتنام الأيام في طاعة العزيز الغفار، عنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا قَالَ: قَالَ رَسُوْلُ اللهِ r لِرَجُلٍ وَهُوَ يَعِظُهُ :«اغْتَنِمْ خَمْساً قَبْلَ خَمْسٍ، شَبَابَكَ قَبلَ هَرَمِكَ، وَصِحَّتَكَ قَبلَ سَقَمِكَ، وَغِنَاكَ قَبلَ فَقْرِكَ، وَفَرَاغَكَ قَبْلَ شُغْلِكَ، وَحَيَاتَكَ قَبْلَ مَوتِكَ» قِيلَ لِمُحَمَّدِ بْنِ وَاسِعٍ رَحِمَهُ اللهُ : كَيْفَ أَصْبَحْتَ؟ قَالَ: مَا ظُنُّكَ بِرَجُلٍ يَرْتَحِلُ كُلَّ يَوْمٍ مَرْحَلَةً إِلَى الآخِرَة. عباد الله: ها نحن على مقربة من انتهاء العام الهجري وبداية عام جديد ومما ينبغي التنبيه عليه ما يفعله أو يعتقده بعض المسلمين في هذه الأيام مما لم يرد في ذلك دليل لا من القرآن ولا من السنة، ولا فعله الصحابة الكرام ولا التابعون العظام ولا من بعدهم من الأعلام، مثل الاحتفال برأس السنة الهجرية، وهذا ما نشاهده للأسف في كثير من بلدان المسلمين، من الاحتفال بذكرى هجرة النبي -صلى الله عليه وسلم-، من مكة إلى المدينة، ثم إن هجرة النبي -صلى الله عليه وسلم- إلى المدينة، لمن له عقلٌ وإدراكٌ، لم تكن في شهر الله المحرم، ولا في أول يوم منه، وإنما كانت في شهر ربيع الأول،كما ذكر أهل السِيَّر، والذي وقع من الصحابة، إنما هو تحديد السنين الإسلامية، بسنة الهجرة بجعلها أول السنين، وليس التحديد بيوم الهجرة، وأنه هو أول أيام السنة، وكذلك كون شهر محرم هو أول الشهور إنما وقع باجتهاد الصحابة في خلافة عمر رضي الله عنهم أجمعين. ولو كانت هذه الاحتفالات خيرا لفعلها رسول الله r وصحابة الكرام، ولكنها جاءتنا من فرق الضلال والانحراف. أَقُولُ مَا تَسْمَعُونَ وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ العَظِيمَ لِي وَلَكُمْ مِنْ كُلِّ ذَنْبٍ فَاسْتَغْفِرُوهُ، إِنَّهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ.
  • الخطبة الثانية
الحَمْدُ للهِ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى رَسُولِ اللهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَمَنِ اتَّبَعَ هُدَاهُ، وَأَشْهَدُ أَن لَّا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ. أَمَّا بَعْدُ: فَأُوصِيكُمْ وَنَفْسِي بِتَقْوَى اللهِ، فَمَنِ اتَّقَى اللهَ وَقَاهُ، وَنَصَرَهُ وَكَفَاهُ. عِبادَ اللهِ: ومن المخالفات الشرعية: تخصيص آخر جمعةٍ من العام بمزيدٍ من العبادات، والطاعات، وتخصيصه بدعاءٍ يسمى: (دعاء آخر العام) أو (دعاء أول السنة)، يُدعى به في آخر سجدةٍ، أو بعد الركوع في آخر صلاة في العام المنصرم، أو أول صلاةٍ في العام الجديد، وهذا كله بدعة وضلالة. ومما ينتشر في هذه الأيام عباراتٌ مثل: (احرص على أن تطوي صحيفة أعمالك آخر السنة باستغفارٍ، وتوبةٍ، وعملٍ صالح، ومسامحةٍ)، ونحو هذه الكلمات، وهذه الرسالة وأمثالها –أيضًا- مما يحرم على المسلم أو المسلمة إرسالها، أو تناقلها، ونشرها بين الناس؛ لما فيها من الابتداع في الدين، ثم إن القول: بأن (صحائف الأعمال تطوى في آخر كل عامٍ) قولٌ يحتاج صاحبه إلى دليلٍ من القرآن والسنة؛ لأن طي الكتاب من الأمور الغيبية، ثم إن التاريخ الهجري لم يوضع إلا في عهد عمر بن الخطاب –رضي الله تعالى عنه-، فيا ترى متى كانت تطوى صحائف أعمال من كان قبل وضعه؟، فصحائف أعمال العبد إنما تطوى بالموت، ولا تزال صحيفته يكتب فيها ما عمل، من خيرٍ، أو شر، حتى ينتهي أجله. فاحذروا -عباد الله- من مثل هذه الرسائل، وتأكدوا قبل أن ترسلوا أي رسالة، فقد تكون ممن ينشر البدع من حيث لا تشعر.