مساكن أهل الجنة وبيوتهم وخيامهم
مساكن أهل الجنة وبيوتهم وخيامهم
  | 1813   |   طباعة الصفحة


  • خطبة بعنوان: مساكن أهل الجنة وبيوتهم وخيامهم.
  • ألقاها الشيخ الدكتور: خالد بن ضحوي الظفيري - حفظه الله تعالى.
  • المكان: خطبة في يوم 3 جمادي الأول 1445هـ في مسجد السعيدي بالجهرا.

 
  • الخطبة الأولى:
إِنَّ الحَمْدَ لِلَّهِ، نَحْمَدُهُ ونَسْتَعِينُهُ ونَسْتَغْفِرُهُ، ونَعُوذُ بِاللهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا ومِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، ومَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وأَشْهَدُ أَن لَّا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾.
  • أَمَّا بَعْدُ:
فَإِنَّ أَصْدَقَ الحَدِيثِ كَلَامُ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ، وخَيْرَ الْهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ، وشَرَّ الأُمُورِ مُحْدَثَاتُها، وكُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ، وكُلَّ ضَلَالَةٍ فِي النَّارِ.
  • عباد الله:
لقد أعدَّ الله لأهل الجنة ما لا عين رأت ولا أذنٌ سمعت ولا خطر على قلب بشر، أعد لهم جنات النعيم وما فيها من المساكن والبيوت والخيام والشراب والطعام تجري من تحتها الأنهار فيها الخيرات والثمار، مَنْ يَدْخُلُهَا يَنْعَمُ وَلَا يَبْأَسُ، وَيَخْلُدُ وَلَا يَمُوتُ، لَا تَبْلَى ثِيَابُهُمْ، وَلَا يَفْنَى شَبَابُهُمْ، فما أعظمه من نعيم وما أجلها من كرامة لأهل الإيمان بما صبروا وعملوا الصالحات في هذه الدار، فأبدلهم الله دارهم خيرًا من ديارهم، وأهلاً خيرًا من أهلهم، جلعنا الله وإياكم ووالدينا من أهلها. لنا يا -عباد الله- وقفة مع مساكن أهل الجنة وبيوتهم وخيامهم في جنة عرضها السموات والأرض، لعل ذلك أن يحثنا على فعل الطاعات والإكثار من القربات، فالسعيد من عمل لآخرته والشقي من نسي ربه وقدم دنياه، (وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ)، فهذا وعد من الرحمن لأهل الإيمان بمساكن طيبة في جنات عدن والله لا يخلف الميعاد،  (أُولَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا)، وهم في تلك الغرف في غاية الراحة والطمأنينة والنعيم المقيم والأمن والسعادة، فهنيئا لمن يسكنها ويا خسارة من حُرم منها، قَالَ تَعَالَى: (وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ آمِنُونَ)، فلا تعب في هذه البيوت ولا هم ولا غم، كما قال جبريل عليه السلام للنبي صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ عن خديجة رضي الله عنها: (وَبَشِّرْهَا بِبَيْتٍ فِي الجَنَّةِ مِنْ قَصَبٍ لاَ صَخَبَ فِيهِ ، وَلاَ نَصَبَ) [متفق عليه]. ، فأهل الإحسان لهم فيها غُرف حسان من صنع وإتقان الرحمن، قال تعالى: (لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ غُرَفٌ مِنْ فَوْقِهَا غُرَفٌ مَبْنِيَّةٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ الْمِيعَادَ)، لهم منازل مرتفعة، وفوقها منازل أرفع منها. وهذه الغرف فيها السرر العظيمة والفرش الرفيعة، (فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ* لاَ تَسْمَعُ فِيهَا لَاغِيَةً* فِيهَا عَيْنٌ جَارِيَةٌ* فِيهَا سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ* وَأَكْوَابٌ مَوْضُوعَةٌ* وَنَمَارِقُ مَصْفُوفَةٌ* وَزَرَابِيُّ مَبْثُوثَةٌ)، ووصف رسول الله صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ بُيُوتَ الْجَنَّةِ وَمَا فِيهَا، فَقَالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ :« جَنَّتَانِ مِنْ فِضَّةٍ، آنِيَتُهُمَا وَمَا فِيهِمَا، وَجَنَّتَانِ مِنْ ذَهَبٍ، آنِيَتُهُمَا وَمَا فِيهِمَا». [متفق عليه]، وفي الحديث أن الصحابة سألوا النبي صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ عن الجنة وبنائها، فقالوا له: الجنة ما بناؤها؟ فقال صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: (لبنة من فضة ولبنة من ذهب وملاطها المسك الأذفر وحصباؤها اللؤلؤ والياقوت وتربتها الزعفران من دخلها ينعم لا يبأس ويخلد لا يموت لا تبلى ثيابهم ولا يفنى شبابهم). [رواه أحمد والترمذي].
  • عباد الله:
هل تعلمون أن أهل الجنة لهم كذلك خيام بالغات في الحسن والجمال، لؤلؤة مجوفة، فما أعظمه من نعيم، فاسمع معي أوصافها لعلنا نجتهد في العمل لنيلها، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ قَيْسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: أَنَّ رَسُوْلَ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ قَالَ: «فِي الْجَنَّة خَيْمَة مِن لُؤْلؤَةٍ مُجَوَّفَةٍ عَرْضُهَا سِتُّونَ مِيلاً فِي كُلِّ زَاوِيَة مِنْهَا أَهْلٌ مَا يَرَونَ الآخَرِينَ يَطُوفُ عَلَيْهِم الْمُؤمِن» [متفق عليه]. وعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا قَالَ: «الْخَيْمَة دُرَّةٌ مُجَوَّفَةٌ فَرسَخٌ فِي فَرْسَخِ لَهَا أَرْبَعَةُ آلاَفِ مِصْرَاعٍ مِنْ ذَهبٍ». وتوجد بعض هذه الخيام على نهر الكوثر الذي أعطاه الله تعالى لنبينا صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ، عفَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: عَنِ النَّبِيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ قَالَ :«دَخَلْتُ الْجَنَّةَ فَإِذَا أَنَا بِنَهْرٍ حَافَتَاهُ خِيَامُ اللُّؤْلُؤِ ، فَضَرَبْتُ بِيَدِي فِي مَجْرَى الْمَاءِ فَإِذَا مِسْكٌ أَذْفَرُ ، قُلْتُ : يَا جِبْرِيلُ مَا هَذَا ؟ قَالَ: هَذَا الْكَوْثَرُ الَّذِي أَعْطَاكَ اللَّهُ أَوْ أَعْطَاكَ رَبُّكَ عَزَّ وَجَلَّ» [رواه أحمد]. وفي هذه الخيام حور مقصورات لا يخرجن من خيامهن ولم يقربهن أحد من خلقه أعدهن الله لأهل التوحيد والإيمان، (حُورٌ مَقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ)، متكئين فيها على الفرش وينظرون إلى النعيم، (أُولَئِكَ لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَيَلْبَسُونَ ثِيَابًا خُضْرًا مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الْأَرَائِكِ نِعْمَ الثَّوَابُ وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقًا). فأكثروا عباد الله من سؤال الله تعالى أن يدخلكم الجنة وأن يبني لكم بيتا في الجنة، كما سألت ربَّها امرأةُ فرعونَ فقالت: (رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ). فاغتنموا حياتكم فالدنيا دار العمل، والآخرة دار الجزاء، أَقُولُ مَا تَسْمَعُونَ وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ العَظِيمَ لِي وَلَكُمْ مِنْ كُلِّ ذَنْبٍ فَاسْتَغْفِرُوهُ، إِنَّهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ.
  • الخطبة الثانية
الحَمْدُ لِلَّهِ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى رَسُولِ اللهِ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَمَنِ اتَّبَعَ هُدَاهُ، وَأَشْهَدُ أَن لَّا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ الَّذِي أَرْسَلَهُ رَبُّهُ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ.
  • أَمَّا بَعْدُ:
فيا عباد الله: لقد بين لنا نبينا صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ جملة من الأعمال التي تكون سببا لأن يبني الله لك بيتا في الجنة، فمن ذلك: بناء المساجد أو المشاركة في بنائها، فعن عثمان رضي الله عنه: عن النبي صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ قال: (مَنْ بَنَى مَسْجِدًا يَبْتَغِي بِهِ وَجْهَ اللَّهِ ، بَنَى اللَّهُ لَهُ مِثْلَهُ في الْجَنَّةِ) [متفق عليه]. ومن يحافظ على الصلاة في المساجد كان جزاؤه بيتا في الجنة، فعَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ رضي الله عنه عَنِ النَّبِي صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ :« مَنْ غَدَا إِلَى الْمَسْجِدِ، أَوْ رَاحَ، أَعَدَّ اللَّهُ لَهُ فِي الْجَنَّةِ نُزُلًا، كُلَّمَا غَدَا، أَوْ رَاحَ». [متفق عليه]. وَمَنْ دَاوَمَ عَلَى صَلَاةِ النَّوَافِلِ، قَالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: « مَا مِنْ عَبْدٍ مُسْلِمٍ يُصَلِّي لِلَّهِ كُلَّ يَوْمٍ ثِنْتَيْ عَشْرَةَ رَكْعَةً تَطَوُّعًا غَيْرَ فَرِيضَةٍ إِلَّا بَنَى اللَّهُ لَهُ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ». [رواه مسلم]. وحسن الخلق وما أدراك ما حسن الخلق. قَالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ :« أَنَا زَعِيمٌ بِبَيْتٍ فِي رَبَضِ الْجَنَّةِ لِمَنْ تَرَكَ الْمِرَاءَ وَإِنْ كَانَ مُحِقًّا، وَبِبَيْتٍ فِي وَسَطِ الْجَنَّةِ لِمَنْ تَرَكَ الْكَذِبَ وَإِنْ كَانَ مَازِحًا، وَبِبَيْتٍ فِي أَعْلَى الْجَنَّةِ لِمَنْ حَسَّنَ خُلُقَهُ». [رواه أبو داود]. وعليك بقيام الليل والصيام مع حسن الكلام والأدب، قَالَ النَّبِيُّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ :« إِنَّ فِي الْجَنَّةِ غُرَفًا يُرَى بَاطِنُهَا مِنْ ظَاهِرِهَا، وَظَاهِرُهَا مِنْ بَاطِنِهَا أَعَدَّهَا اللَّهُ لِمَنْ أَطْعَمَ الطَّعَامَ، وَأَلَانَ الْكَلَامَ، وَتَابَعَ الصِّيَامَ، وَصَلَّى وَالنَّاسُ نِيَامٌ». [رواه أحمد]. وعيادة المريض وزيارة الإخوان، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ :« مَنْ عَادَ مَرِيضًا، أَوْ زَارَ أَخًا لَهُ فِي اللَّهِ نَادَاهُ مُنَادٍ: أَنْ طِبْتَ، وَطَابَ مَمْشَاكَ، وَتَبَوَّأْتَ مِنَ الجَنَّةِ مَنْزِلًا». [رواه الترمذي وابن ماجه]. ومن الأعمال كذلك عباد الله: الإكثار من قراءة سورة الإخلاص (قل هو الله أحد)، فعن مُعَاذِ بْنِ أَنَسٍ الْجُهَنِيِّ : عَنِ النَّبِيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ قَالَ :«مَنْ قَرَأَ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ حَتَّى يَخْتِمَهَا عَشْرَ مَرَّاتٍ بَنَى اللَّهُ لَهُ قَصْرًا فِي الْجَنَّةِ». فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ : إِذَنْ أَسْتَكْثِرَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: «اللَّهُ أَكْثَرُ وَأَطْيَبُ». وسد الفرجات في الصفوف، فعَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا قَالَتْ : قَالَ رَسُوْلُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: «مَنْ سَدَّ فُرْجَه بَنَى اللهُ لَهُ بَيتاً فِي الْجَنَّة وَرَفَعَهُ بِهَا دَرَجَة».