القبر أول منازل آخرتكم فاستعدوا ليوم رحيلكم
القبر أول منازل آخرتكم فاستعدوا ليوم رحيلكم
  | 1907   |   طباعة الصفحة


  • خطبة بعنوان: القبر أول منازل آخرتكم فاستعدوا ليوم رحيلكم.
  • ألقاها الشيخ الدكتور: خالد بن ضحوي الظفيري - حفظه الله تعالى.
  • المكان: خطبة في يوم 16 صفر 1445هـ في مسجد السعيدي بالجهرا.

 
  • الخطبة الأولى
إِنَّ الحَمْدَ لِلَّهِ، نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِاللهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَن لَّا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، ]يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [.
  • عِبَادَ اللهِ:
استعدوا ليوم موتكم ولقاء ربكم، فإنكم عن قريب راحلون، وعلى الدار الآخرة مقبلون، وإن مما يجب الإيمان به الإيمان بأول منازل الآخرة، فإن كان قبره روضة من رياض الجنة كان ما بعده أحسن منه، وإن كان حفرة من حفر النيران كان ما بعده أشد منه، وقد ورد عن النبي حديث طويل فيه بيان فتنة القبر ونعيمه وعذابه فقد روى أحمد وأبو داود وابن ماجة والنسائي وغيرهم وصححه الألباني من حديث البراء بن عازب t قال: " خرجنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في جنازة رجل من الأنصار، فانتهينا إلى القبر ولما يُلْحَد، فجلس رسول الله (مستقبل القبلة)، وجلسنا حوله، وكأن على رؤوسنا الطير، وفي يده عوده ينكت في الأرض، (فجعل ينظر إلى السماء، وينظر إلى الأرض، وجعل يرفع بصره ويخفضه، ثلاثا)، فقال: استعيذوا بالله من عذاب القبر، مرتين، أو ثلاثا، (ثم قال: اللهم إني أعوذ بك من عذاب القبر) (ثلاثا)، ثم قال: إن العبد المؤمن إذا كان في انقطاع من الدنيا، وإقبال من الآخرة، نزل إليه ملائكة من السماء، بيض الوجوه، كأن وجوههم الشمس، معهم كفن من أكفان الجنة، وحنوط من حنوط الجنة، حتى يجلسوا منه مد البصر، ثم يجيئ ملك الموت عليه السلام حتى يجلس عند رأسه فيقول: أيتها النفس الطيبة (وفي رواية: المطمئنة)، أخرجي إلى مغفرة من الله ورضوان، قال: فتخرج تسيل كما تسيل القطرة من في السقاء، فيأخذها، (وفي رواية: حتى إذا خرجت روحه صلى عليه كل ملك بين السماء والأرض، وكل ملك في السماء، وفتحت له أبواب السماء، ليس من أهل باب إلا وهم يدعون الله أن يَعْرُجَ بروحه من قبلهم)، فإذا أخذها لم يدعوها في يده طرفة عين حتى يأخذوها فيجعلوها في ذلك الكفن، وفي ذلك الحنوط، (فذلك قوله تعالى: (توفته رسلنا وهم لا يفرطون)، ويخرج منها كأطيب نفحة مسك وجدت على وجه الأرض، قال: فيصعدون بها فلا يمرون - يعني - بها على ملأ من الملائكة إلا قالوا: ما هذا الروح الطيب؟ فيقولون: فلان ابن فلان - بأحسن أسمائه التي كانوا يسمونه بها في الدنيا، حتى ينتهوا بها إلى السماء الدنيا، فيستفتحون له، فيفتح لهم، فيشيعه من كل سماء مقربوها، إلى السماء التي تليها، حتى ينتهى به إلى السماء السابعة، فيقول الله عز وجل: اكتبوا كتاب عبدي في عليين، (وما أدراك ما عليون: كتاب مرقوم يشهده المقربون)، فيُكتب كتابه في عليين، ثم يقال: أعيدوه إلى الأرض، فإني (وعدتهم أني) منها خلقتُهم، وفيها أعيدهم ومنها أخرجهم تارة أخرى، قال: ف (يرد إلى الارض، و) تعاد روحه في جسده، (قال: فإنه يسمع خفق نعال أصحابه إذا ولوا عنه) (مدبرين). فيأتيه ملكان (شديدا الانتهار) ف (ينتهرانه، و) يجلسانه فيقولان له: من ربك؟ فيقول: ربي الله، فيقولان له: ما دينك؟ فيقول: ديني الإسلام فيقولان له: ما هذا الرجل الذي بعث فيكم؟ فيقول: هو رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيقولان له: وما عملك؟ فيقول: قرأت كتاب الله فآمنت به، وصدقت، (فينتهره فيقول: من ربك؟ ما دينك؟ من نبيك؟ وهي آخر فتنة تعرض على المؤمن، فذلك حين يقول الله عز وجل (يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا)، فيقول: ربي الله، وديني الاسلام، ونبيي محمد صلى الله عليه وسلم، فينادي مناد في السماء: أن صدق عبدي، فافرشوه من الجنة، وألبسوه من الجنة، وافتحوا له باباً إلى الجنة، قال: فيأتيه من رَوحها وطيبها، ويُفْسَح له في قبره مد بصره، قال: ويأتيه (وفي رواية: يمثل له) رجل حسن الوجه، حسن الثياب، طيب الريح، فيقول: أبشر بالذي يسرُّك، (ابشر برضوان من الله، وجنات فيها نعيم مقيم)، هذا يومك الذي كنت توعد، فيقول له: (وأنت فبشرك الله بخير) من أنت فوجهك الوجه يجيئ بالخير، فيقول: أنا عملك الصالح (فوالله ما علمتك إلا كنت سريعا في طاعة الله، بطيئا في معصية الله، فجزاك الله خيرا)، ثم يفتح له باب من الجنة، وباب من النار، فيقال: هذا منزلك لو عصيت الله، أبدلك الله به هذا فإذا رأى ما في الجنة قال: رب عجل قيام الساعة، كيما أرجع إلى أهلي ومالي، (فيقال له: اسكن). قال: وإن العبد الكافر (وفي رواية: الفاجر) إذا كان في انقطاع من الدنيا، وإقبال من الآخرة، نزل إليه من السماء ملائكة (غلاظ شداد)، سود الوجوه، معهم المسوح (من النار)، فيجلسون منه مد البصر، ثم يجيئ ملك الموت حتى يجلس عند رأسه، فيقول: أيتها النفس الخبيثة اخرجي إلى سخط من الله وغضب، قال: فتُفَرَّقُ في جسده فينتزعُها كما يُنتزع السفود (الكثير الشعب) من الصوف المبلول، (فتقطع معها العروق والعصب)، (فيلعنه كل ملك بين السماء والأرض، وكل ملك في السماء وتغلق أبواب السماء، ليس من أهل باب إلا وهم يدعون الله ألا تَعرُج روحه من قبلهم)، فيأخذها، فإذا أخذها، لم يدعوها في يده طرفة عين حتى يجعلوها في تلك المسوح، ويخرج منها كأنتن ريح جيفة وجدت على وجه الأرض، فيصعدون بها، فلا يمرون بها على ملأ من الملائكة إلا قالوا: ما هذا الروح الخبيث؟ فيقولون: فلان ابن فلان - بأقبح أسمائه التي كان يسمى بها في الدنيا، حتى يُنتهى به إلى السماء الدنيا فيستفتح له، فلا يفتح له، ثم قرأ رسول الله : (لا تفتح لهم أبواب السماء ولا يدخلون الجنة، حتى يلج الجمل في سم الخياط) فيقول الله عز وجل: اكتبوا كتابه في سجين، في الأرض السفلى، (ثم يقال: أعيدوا عبدي إلى الأرض فإني وعدتهُّم أني منها خلقتُهم، وفيها أعيدُهم، ومنها أخرجهم تارة أخرى)، فتطرح روحه (من السماء) طرحاً (حتى تقع في جسده) ثم قرأ (ومن يشرك بالله، فكأنما خر من السماء فتخطفه الطير أو تهوي به الريح في مكان سحيق)، فتعاد روحه في جسده، (قال: فإنه ليسمع خفق نعال أصحابه إذا ولو عنه). ويأتيه ملكان (شديدا الانتهار، فينتهرانه، و) يجلسانه، فيقولان له: من ربك؟ (فيقول: هاه هاه لا أدري، فيقولان له: ما دينك؟ فيقول: هاه هاه لا آدري)، فيقولان: فما تقول في هذا الرجل الذي بعث فيكم) فلا يهتدي لاسمه، فيقال: محمد! فيقول:) هاه هاه لا أدري (سمعت الناس يقولون ذاك! قال: فيقال: لا دَريت)، (ولا تَلوت)، فينادي مناد من السماء أن كذب، فافرشوا له من النار، وافتحوا له بابا إلى النار، فيأتيه من حرها وسمومها، ويضيق عليه قبره حتى تختلف فيه أضلاعه، ويأتيه (وفي رواية: ويمثل له) رجل قبيح الوجه، قبيح الثياب، منتن الريح، فيقول: أبشر بالذي يسوؤك، هذا يومك الذي كنت توعد، فيقول (وأنت فبشرك الله بالشر) من أنت؟ فوجهك الوجه يجيء بالشر؟ فيقول: أنا عملك الخبيث؟ (فو الله ما علمت إلا كنتَ بطيئاً عن طاعة الله، سريعاً إلى معصية الله)، (فجزاك الله شراً، ثم يُقيض له أعمى أصمُّ أبكمُ في يده مِرْزَبَّة! لو ضُرب بها جبل كان تراباً، فيَضربه ضربة حتى يصير بها ترابا، ثم يعيده الله كما كان، فيضربه ضربة أخرى، فيصيح صيحة يسمعه كل شيء إلا الثقلين، ثم يُفتح له باب من النار، ويُمهد من فُرُش النار) فيقول: رب لا تقم الساعة ". هذا هو حال القبر وفتنته ونعيمه وعذابه فاستعدوا لهذا اليوم، فكلنا سائرون إليه، اللهم اجعل قبورنا روضة من رياض الجنة ولا تجعلها حفرة من حفر النيران. أَقُولُ مَا تَسْمَعُونَ وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ الْعَظِيمَ لِي وَلَكُمْ مَنْ كُلِّ ذَنْبٍ فَاسْتَغْفِرُوهُ؛ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ.
  • الخطبة الثانية
الْحَمْدُ لِلَّهِ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى رَسُولِ اللهِ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَمَنِ اتَّبَعَ هُدَاهُ، وَأَشْهَدُ أَن لَّا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ.
  • أَمَّا بَعْدُ: فيا عباد الله:
لقد ورد في النصوص الشرعية كثير من الأسباب التي تكون سبباً من أسباب عذاب القبر فيجب اجتنابها والابتعاد عنها، ومن ذلك: الشرك بالله تعالى، وهو أعظم الذنوب، قال الله تعالى عن آل فرعون : ( النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوّاً وَعَشِيّاً وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ ) ، وكذلك عدم الاستبراء من البول ، والمشي بين الناس بالنميمة فعن ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ : مَرَّ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِقَبْرَيْنِ فَقَالَ : إِنَّهُمَا لَيُعَذَّبَانِ وَمَا يُعَذَّبَانِ فِي كَبِيرٍ ، أَمَّا أَحَدُهُمَا فَكَانَ لا يَسْتَتِرُ مِنْ الْبَوْلِ وَأَمَّا الآخَرُ فَكَانَ يَمْشِي بِالنَّمِيمَةِ) رواه البخاري (218) ومسلم (292)، وعن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال : ( إن عامة عذاب القبر من البول فتنزهوا منه ) أخرجه الدارقطني ، وصححه الألباني. وفي حديث سمرة بن جندب الطويل في صحيح البخاري ورد عذاب القبر بسبب الكذب والربا وهجر القرآن بعد تعلُّمه، والنوم عن الصلاة المكتوبة، وأكل الربا، والزنا، وكذلك الإفطار في رمضان من غير عذر والغلول من الغنائم، وإسبال الثياب وتطويلها خيلاء، والسرقة من الحجاج، وحبس الحيوان وتعذيبه وعدم رحمته. عباد الله كان رسول الله يكثر من الاستعاذة من عذاب القبر ومن السنن أن تقول بعد التشهد الأخير، فعن أبي هُرَيْرَةَ يقول قال رسول اللَّهِ  (إذا فَرَغَ أحدكم من التَّشَهُّدِ الْآخِرِ فَلْيَتَعَوَّذْ بِاللَّهِ من أَرْبَعٍ من عَذَابِ جَهَنَّمَ وَمِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ وَمِنْ فِتْنَةِ الْمَحْيَا وَالْمَمَاتِ وَمِنْ شَرِّ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ) عباد الله أكثروا من قراءة سورة الملك (تبارك الذي بيده الملك) فإنها كما في الحديث المانعة من عذاب القبر....