الحذر الحذر من الاستهزاء بالدين
الحذر الحذر من الاستهزاء بالدين
  | 2721   |   طباعة الصفحة


  • خطبة بعنوان: الحذر الحذر من الاستهزاء بالدين.
  • ألقاها الشيخ الدكتور: خالد بن ضحوي الظفيري - حفظه الله تعالى.
  • المكان: خطبة في يوم 12 ربيع الثاني 1445هـ في مسجد السعيدي بالجهرا.

 
  • الخطبة الأولى
إِنَّ الحَمْدَ لِلَّهِ، نَحْمَدُهُ ونَسْتَعِينُهُ ونَسْتَغْفِرُهُ، ونَعُوذُ بِاللهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا ومِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، ومَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وأَشْهَدُ أَن لَّا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ) [آل عمران:102].
  • أَمَّا بَعْدُ:
عباد الله: إن مِنَنَ الله على عباده كثيرة، وآلاءه عديدة، ومن أعظم ما أنعم الله عليهم أن هداهم للإسلام وإلى سنّة سيد الأنام، فهي المنّة العظمى والنعمة الكبرى، التي لا يعدلها شيء، فالدين والثبات عليه يضمن الله لصاحبه السعادة في الدنيا وفي الآخرة، (يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ). وعلى العبد المسلم أن يحرص غاية الحرص على هذه النعمة ، وأن يجتنب ما يناقضها من الأقوال والأعمال، حتى لا يكون من الخاسرين، ومن الأمور التي تساهل بها بعض الجهلاء، وما علموا أنه من نواقض الإسلام ألا وهو : الاستهزاء بالله ورسوله ودينه وشريعته ونبيه، لأن الإيمان يحمل صاحبه ولا بد على تعظيم الله عز وجل وعلى تعظيم آياته، وعلى تعظيم رسله وأنبيائه، قَالَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: (وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ ) ، وَقَالَ سُبْحَانَهُ: ) وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ( ، فإذا استهزأ أو سخر أو هزل بشيء من ذلك، ذهب أصل الإيمان، فصار المستهزئ الهازل كافرًا خارجًا عن الإسلام -والعياذ بالله- ولو صدر هذا الاستهزاء بقصد اللعب والمرح والتسلية والضحك والإضحاك، وبهذا يعلم خطورة هذا الأمر، وسوء عاقبة فاعله.
  • عباد الله:
لَقَدْ عَدَّ الشَّرْعُ الْحَنِيفُ عَدَمَ تَوْقِيرِ الدِّينِ، وَالاِسْتِهْزَاءَ بِشَيْءٍ مِنْهُ أَمْراً خَطِيراً، وَذَنْباً كَبِيراً، قَدْ يُخْرِجُ صَاحِبَهُ مِنْ مِلَّةِ الإِسْلاَمِ، إِلَى دَائِرَةِ الْكُفْرِ وَالإِجْرَامِ، وَاعْتَبَرَ ذَلِكَ التَّعَدِّيَ وَالاِسْتِخْفَافَ مِنْ صِفَاتِ الْمُنَافِقِينَ؛ فَقَالَ سُبْحَانَهُ وَهُوَ يَذْكُرُ صِفَاتِهِمْ: ) وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ (14) اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ( [البقرة:14-16]. وَحَذَّرَ مِنِ اتِّخَاذِ الَّذِينَ يَهْزَؤُونَ بِالدِّينِ أَوْلِيَاءَ يُقَرَّبُونَ وَيُسَرُّ إِلَيْهِمْ؛ فَقَالَ عَزَّ مِنْ قَائِلٍ: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاءَ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ  وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ اتَّخَذُوهَا هُزُوًا وَلَعِبًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ ) بَلْ حَذَّرَ مِنْ مُجَالَسَتِهِمْ وَالإِصْغَاءِ إِلَيْهِمْ، وَتَوَعَّدَ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ بِالْوَعِيدِ الشَّدِيدِ؛ فَقَالَ سُبْحَانَهُ: (وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا ) .
  • أيها المسلمون:
حادثة حدثت في عهد النبي ﷺ، فيها بيان خطورة الاستهزاء بالدين وأحكامه، وثوابته وسننه ومقدساته، فَعَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا أَنَّهُ قَالَ: «قَالَ رَجَلٌ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ: مَا رَأَيْنَا مِثْلَ قُرَّائِنَا هَؤُلاَءِ: أَرْغَبَ بُطُوناً، وَلاَ أَكْذَبَ أَلْسُناً، وَلاَ أَجْبَنَ عِنْدَ اللِّقَاءِ، يَعْنِي: رَسُولَ اللهِ وَأَصْحَابَهُ الْقُرَّاءَ، فَقَالَ لَهُ عَوْفُ بْنُ مَالِكٍ: كَذَبْتَ وَلَكِنَّكَ مُنَافِقٌ، لأُخْبِرَنَّ رَسُولَ اللهِ ، فَذَهَبَ عَوْفٌ إِلَى رَسُولِ اللهِ لِيُخْبِرَهُ، فَوَجَدَ الْقُرْآنَ قَدْ سَبَقَهُ، فَجَاءَ ذَلِكَ الرَّجُلُ إِلَى رَسُولِ اللهِ وَقَدِ ارْتَحَلَ وَرَكِبَ نَاقَتَهُ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ، وَنَتَحَدَّثُ حَدِيثَ الرَّكْبِ نَقْطَعُ بِهِ عَنَّا الطَّرِيقَ. قَالَ ابْنُ عُمَرَ: كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَيْهِ مُتَعَلِّقاً بِنِسْعَةِ نَاقَةِ رَسُولِ اللهِ [وَالنِّسْعَةُ: سَيْرٌ مَضْفُورٌ]، وَإِنَّ الْحِجَارَةَ لَتَنْكُبُ رِجْلَيْهِ وَهُوَ يَقُولُ: إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ، فَيَقُولُ لَهُ رَسُولُ اللهِ : (أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ (65) لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ ..) وَمَا يَلْتَفِتُ إِلَيْهِ وَمَا يَزِيدُ عَلَيْهِ» [رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ وَغَيْرُهُمَا]. فالاستهزاء بالدين وشعائره بوابة خطيرة للولوج في الكفر، وتساهل فيها من لا يقدر الله حق قدره، يجرّهم إليها الشيطان فيوقعهم في مهاوي الضلال والكفران، ويحسبون أن لهوهم ولعبهم، وضحكهم وسخريته، تعفيهم من الكفر والردّة، ولكن هيهات حين لم يجدوا ما يسخرون به إلا كتاب الله وشرعه، ودينه ورسوله، فكانت عاقبة المستهزئين وبيلة، وعقوبتهم كبيرة، بكلمة لم يلقوا لها بالاً وظنّوا أن خطبها يسير، ولكنها أوبقت عليهم دنياه وآخرته، عن أبي هُرَيرَةَ رضي الله عنه عن النبي قال: (إنَّ العَبْدَ ليَتَكَلَّمُ بِالكَلِمَةِ من رِضوَانِ اللّهِ، لا يُلقِي لها بالًا، يرفعه الله بها درَجَاتٍ، وإِنَّ العَبْدَ ليَتَكَلَّمُ بِالكَلِمَةِ من سخَطِ اللّهِ، لا يُلقِي لها بالًا، يهوي بها في جهَنَّمَ) [رواه البخاري]. أَقُولُ مَا تَسْمَعُونَ، وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ العَظِيمَ لِي وَلَكُمْ مِنْ كُلِّ ذَنْبٍ، فَاسْتَغْفِرُوهُ إِنَّهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ.
  • الخطبة الثانية
الحَمْدُ لِلَّهِ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى رَسُولِ اللهِ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَمَنِ اتَّبَعَ هُدَاهُ، وَأَشْهَدُ أَن لَّا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ. أَمَّا بَعْدُ:  فَأُوصِيكُمْ وَنَفْسِي بِتَقْوَى اللهِ، فَمَنِ اتَّقَى اللهَ وَقَاهُ، وَنَصَرَهُ وَكَفَاهُ.
  • عِبَادَ اللهِ:
إن للاستهزاء الذي هو ناقض من نواقض الإسلام صورًا عديدة، وأمثلة كثيرة، يجب علينا أن نحذرها ونحذر منها. فمن ذلك: الاستهزاء بكتاب الله الكريم الذي هو كلام الله سبحانه وتعالى، كالاستهزاء بما فيه العقائد والأحكام والآداب وعَدِّها مصادمِة للحرية وتخلفاً ورجعية، أو يسخر بما فيه من العقوبات والحدود ويعدّ ذلك وحشية وانتهاكًا للحقوق. وكذلك من سخر بشيء من السنة أو هزل بها أو سبها فقد ارتد عن دين الإسلام، كمن يستهزئ باللحية وتقصير الثياب والنقاب والحجاب وهو يعلم أنها من سنن المصطفى ،أو يستهزأ بما ورد في وصايا نبيا من السمع والطاعة للولاة وحرمة الخروج عليهم كما يفعله الخوارج والجهال، وأعظم منه من يسخر بسنن الإسلام التي تعتبر من الشعائر الظاهرة العظام الفارقة بين الكفر والإسلام، كمن يستهزئ بالصلاة أو الوضوء أو الأذان أو الحج أو الزكاة وغيرها، ومن الناس اليوم من يتهاون بالسنة ويزهد فيها ويسميها قشورًا، وينتقد من يعتني بدراستها وتعليمها للناس، ويجعلهم محل سخريته وازدرائه، فهذا بلا شك على خطر عظيم.
  • عباد الله:
يجب علينا جميعًا احترام أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وأن نعلم حرمة تنقصهم وسبهم، فإنهم أنصار الله ورسوله ، وحملة الدين ونقلته، فالطعن فيهم وتنقصهم، طعن في الدين وعدم ثقة به، لأنهم شهودنا إلى رسول الله ﷺ، فالواجب على كل مسلم أن يحذر من كل طاعن في أصحاب رسول الله، فردا كان ذلك الطاعن أو طائفة، قَالَ الإمَامُ أبُو زُرَعَةَ رَحِمَهُ اللهُ: «إذا رَأَيْتَ الرَّجُلَ يَنْتَقِصُ أحَدًا مِنْ أصْحَابِ رَسُوْلِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - فاعْلَمْ أنَّهُ زِنْدِيْقٌ، وذَلِكَ أنَّ الرَّسُوْلَ - صلى الله عليه وسلم - عِنْدَنَا حَقٌّ، والقُرْآنَ حَقٌ، وإنَّمَا أدَّى إلَيْنَا هذا القُرْآنَ والسُّنَنَ أصْحَابُ رَسُوْلِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، وإنَّمَا يُرِيْدُونَ أنْ يَجْرَحُوا شُهُوْدَنا لِيُبْطِلُوا الكَتَابَ والسُّنَّةَ، والجَرْحُ بِهِم أوْلى وَهُم زَنَادِقَةٌ» [رَوَاهُ الخَطِيْبُ، وابْنُ عَسَاكِرَ]. وممّا يجب على العباد تعظيم علماء الشريعة، المستقيمين على السنة المتبعين لها، فتعظيمهم هو من تعظيم الشريعة التي يحملونها، ولا يجوز تنقصهم ولا ازدراؤهم ولا إساءة الظن بهم، وقد ظهر في هذه الأزمان سب علماء الشريعة والتهوين من قدرهم ولمزهم بالأوصاف المنفرة حتى وُصِفوا بالجهل بالواقع والغش للأمانة والعمالة للحكام والتلاعب بالدين، إلى غير ذلك من الأوصاف الذميمة التي أثرت في كثير من شباب الأمة فانصرفوا عنهم ثم وقعوا في حبال الأئمة المضلين المبتدعة فحرفوهم عن الصراط المستقيم والمنهج القويم. فعلينا عباد الله أن نكون ممن يعرف لله قدره وحقه، ويعرف لدينه ونبيه مكانته ومنزلته، وأن لا نتكلم عن ذلك إلا بكل لفظ جميل، وقول جليل، ولنحذر من المستهزئين ونبتعد عنهم وعن مجالسهم، فنكون من السالمين الناجين.