الكهان خطرهم وأوصافهم
الكهان خطرهم وأوصافهم
  | 1236   |   طباعة الصفحة


  • خطبة بعنوان: الكهان خطرهم وأوصافهم.
  • ألقاها الشيخ الدكتور: خالد بن ضحوي الظفيري - حفظه الله تعالى.
  • المكان: خطبة في يوم 6 شعبان 1445هـ في مسجد السعيدي بالجهرا.

 
  • الخطبة الأولى
إِنَّ الحَمْدَ لِلَّهِ، نَحْمَدُهُ ونَسْتَعِينُهُ ونَسْتَغْفِرُهُ، ونَعُوذُ بِاللهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا ومِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، ومَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وأَشْهَدُ أَن لَّا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:102].
  • أَمَّا بَعْدُ:
فَإِنَّ أَصْدَقَ الحَدِيثِ كَلَامُ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ، وخَيْرَ الْهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ ، وشَرَّ الأُمُورِ مُحْدَثَاتُها، وكُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ، وكُلَّ ضَلَالَةٍ فِي النَّارِ.
  • عباد الله:
ما قولكم في رجلٍ ينازعُ الله فيما اختَصَّ به من علم الغيب؟!، ما رأيكم فيمن يستعين بالجن والشياطين؟! وهل تخدم الشياطين رجلا صالحًا؟! هل نصدق من هذا حاله أم الواجب تكذيبه؟! هل ننشر خبره أم الواجب إهماله والتحذير منه؟! إنهم يا عباد الله: الكهان، وهم للأسف موجودون في مجتمعاتنا بصور شتى وأشكال مختلفة؟ لقد دلّت النصوص الكثيرة على أن الغيب لا يعلمه إلا الله، قال الله:( قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ) [النمل:65]، وقوله سبحانه لنبيه : (قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ)، فالغيب مما اختص الله بعلمه كما قال: (وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ). فكيف يأتي هؤلاء الكهان ويدعون علم المغيبات أو يخبرون بأمور مستقبلية أو حوادث كونية تكون في سنة كذا وكذا، أو أن الحدث الفلاني المستقبلي لن يحدثَ أبدًا، أو إخباره بأماكن المفقودات وغيرها من الأقوال التي فيه ادعاءُ الغيب، فمن ادّعى مشاركته في شيء من ذلك بكهانة أو غيرها، أو صدَّق من يدَّعي ذلك؛ فقد جعل لله شريكا فيما هو من خصائصه، وهو مكذب لله ولرسوله. وكثير من الكهانة المتعلقة بالشياطين لا تخلو من الشرك والتقرب إلى الوسائط التي يستعين بها على دعوى العلوم الغيبية. فالكهانة شرك من جهة دعوى مشاركة الله في علمه الذي اختص به، ومن جهة التقرب إلى غير الله.
  • عباد الله:
لقد بين النبي حال هؤلاء الكهان وأنهم قد يخدعون الناس ببعض أقوالهم مما قد يقع أو يحصل وأخبر أن مستندهم في ذلك هو الشياطين فعن عَائِشَة رضي الله عنها قَالَتْ: سَأَلَ أُنَاسٌ رَسُولَ اللَّهِ عَنِ الْكُهَّانِ فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ : « لَيْسُوا بشيء » . قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ فَإِنَّهُمْ يُحَدِّثُونَ أَحْيَانًا بالشيء يَكُونُ حَقًّا. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ : « تِلْكَ الْكَلِمَةُ مِنَ الْحَقِّ يَخْطَفُهَا الْجِنِّىُّ، فَيَقُرُّهَا في أُذُنِ وَلِيِّهِ قَرَّ الدَّجَاجَةِ، فَيَخْلِطُونَ فِيهَا أَكْثَرَ مِنْ مِائَةِ كَذْبَةٍ» [متفق عليه]. فهم إذن أهل كذبٍ وتدليس ودجلٍ وتلبيس، ومن كان مصدره الشياطين فلا يستحق التصديق، ويحرم التوجه له بالسؤال. ويؤكد ذلك نبينا كما في حديث عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ قَالَ أَخْبَرَنِي رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِي مِنَ الأَنْصَارِ أَنَّهُمْ بَيْنَمَا هُمْ جُلُوسٌ لَيْلَةً مَعَ رَسُولِ اللَّهِ رُمِيَ بِنَجْمٍ فَاسْتَنَارَ فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ : « مَاذَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ إِذَا رُمِىَ بِمِثْلِ هَذَا؟ ». قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ،كُنَّا نَقُولُ: وُلِدَ اللَّيْلَةَ رَجُلٌ عَظِيمٌ وَمَاتَ رَجُلٌ عَظِيمٌ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ :« فَإِنَّهَا لاَ يُرْمَى بِهَا لِمَوْتِ أَحَدٍ وَلاَ لِحَيَاتِهِ، وَلَكِنْ رَبُّنَا -تَبَارَكَ وَتَعَالَى اسْمُهُ- إِذَا قَضَى أَمْرًا سَبَّحَ حَمَلَةُ الْعَرْشِ ثُمَّ سَبَّحَ أَهْلُ السَّمَاءِ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ حَتَّى يَبْلُغَ التَّسْبِيحُ أَهْلَ هَذِهِ السَّمَاءِ الدُّنْيَا ثُمَّ قَالَ الَّذِينَ يَلُونَ حَمَلَةَ الْعَرْشِ لِحَمَلَةِ الْعَرْشِ: مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ؟ فَيُخْبِرُونَهُمْ مَاذَا قَالَ. -قَالَ:- فَيَسْتَخْبِرُ بَعْضُ أَهْلِ السَّمَوَاتِ بَعْضًا حَتَّى يَبْلُغَ الْخَبَرُ هَذِهِ السَّمَاءَ الدُّنْيَا فَتَخْطَفُ الْجِنُّ السَّمْعَ فَيَقْذِفُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ وَيُرْمَوْنَ بِهِ، فَمَا جَاءُوا بِهِ عَلَى وَجْهِهِ فَهُوَ حَقٌّ وَلَكِنَّهُمْ يَقْرِفُونَ فِيهِ وَيَزِيدُونَ». [رواه مسلم].
  • عباد الله:
الكهانة كفر بالله، ومصدقه على خطر عظيم، وسائله ولو لم يصدقه إثمه جسيم، عن عمران بن حصين رضي الله عنه قال: قال رسول الله : (ليس منا من تطير أو تطير له، أو تكهن أو تكهن له، أو سحر أو سحر له، ومن أتى كاهنا فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد ) [رواه البزار بإسناد جيد]. وبعض الناس يسألهم ليجربَهم أو للتسلية أو يحضر ويشاهد أماكن ما يسمى بالسيرك، فاسمع يا عبدالله وعيدَه، عَنْ صَفِيَّةَ عَنْ بَعْضِ أَزْوَاجِ النَّبِىِّ عَنِ النَّبِىي قَالَ: «مَنْ أَتَى عَرَّافًا فَسَأَلَهُ عَنْ شَيْءٍ لَمْ تُقْبَلْ لَهُ صَلاَةٌ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً» [رواه مسلم]. ومن أنواع الكهانة المنتشرة قراءة الكف والفنجان والخط في الأرض واستعمال الأصداف، ومن ذلك قراءة الأبراج وربطها بأقدار الإنسان وصفاته، أو تحليل شخصية الإنسان من خطه أو اختياره لأرقام معينة، وغيرها من الأنواع الكثيرة، فعلى المسلم الحذر منها والبعد عنها. فاحذروهم عباد الله أشد الحذر. أَقُولُ مَا تَسْمَعُونَ وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ العَظِيمَ لِي وَلَكُمْ مِنْ كُلِّ ذَنْبٍ فَاسْتَغْفِرُوهُ، إِنَّهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ.
  • الخطبة الثانية
الحَمْدُ لِلَّهِ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى رَسُولِ اللهِ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَمَنِ اتَّبَعَ هُدَاهُ، وَأَشْهَدُ أَن لَّا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ الَّذِي أَرْسَلَهُ رَبُّهُ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ.
  • أَمَّا بَعْدُ:
فَأُوصِيكُمْ –عِبَادَ اللهِ- وَنَفْسِي بِتَقْوَى اللهِ تَعَالَى، فَمَنِ اتَّقَى اللهَ وَقَاهُ، وَنَصَرَهُ وَكَفَاهُ.
  • عباد الله:
يجب على المسلم أن يجتهد في حماية عقيدته وتوحيده من جميع ما يُنقِصُهُ أو يَنقُضُهُ وهو راع ومسؤول عن رعيته، فعليه أن يحذر من هؤلاء الكهان والعرافين، ويمنع أهله ونساءَه من الذهاب إليهم، وللأسف يخدعون الناس بلباس الراقي القارئ للقرآن، أو المعالج بالأعشاب أو بالعلوم الزائفة كعلوم الطاقة وغيرها، ونحن نسمع بين الحين والآخر عنهم ويظهرون في القنوات ووسائل التواصل، فكم من راقٍ وهو في حقيقة أمره يتعامل مع الجن أو يقول لي قرين مسلم يساعدني وهو في حقيقة أمره كاهن ساحر دجال، وكم من معالج أو معالجة ممن يجعلون العلاج بالأعشاب ستارا للكهانة أو الإخبار بالمستقبلات أو المغيبات وهو كذلك كاهن كذاب. فالحذر كل الحذر من هؤلاء فالسلامة لا يعدلها شيء، وعلى العبد أن يعلم أن ما حرمه الله لا يكون أبدا فيه الشفاء، بل فيه الشقاء في الدنيا والآخرة، وعلى المسلم أن يتوكل على الله ويلتجأ إليه في جميع أمره، فالأمر بيده والخلق إليه، (الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ (78) وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ (79) وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ (80) وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ)، فمن توكل على الله حق التوكل -وبذل الأسباب المشروعة أو المجربة مما لا يكون فيها ما يخالف الشرع- من كان هذا حاله أعانه الله ووفقه، (وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ) واعلموا أن على من ابتلي بشيء من الأمراض أو بشيء من السّحر أو نحو ذلك أن يكون إقباله على الله جلّ وعلا دعاءً وتضرعاً وسؤالاً وإلحاحاً، والله جل وعلا يقول: ﴿وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان فليستجيبوا لي وليؤمنوا بي لعلهم يرشدون﴾ وعليه عباد الله أن يكون ذا عناية بتلاوة كتاب الله عزّ وجلّ، ولا سيما سورة البقرة، فعن أبي أمامة رضي الله عنه قال سمعت رسول الله يقول: (اقرأوا سُورةَ الْبقَرَةِ فإن أَخذَهَا برَكَةٌ وَتَركَهَا حَسرَةٌ ولا تَسْتَطِيعهَا البَطَلَةُ) أي السّحرة [رواه مسلم]. وعن أبي هُريْرَةَ رضي الله عنه أنَّ رسُولَ اللّهِ قال: (لا تجْعَلُوا بُيُوتكُمْ مَقَابرَ إنَّ الشّيْطَانَ يَنْفرُ من الْبيْتِ الذي تُقْرأُ فيه سُورةُ الْبقَرَةِ). [رواه مسلم]. ومن الآيات العظيمة النافعة للعبد قراءة آية الكرسي، فقد جاء في صحيح البخاري أنّ من قرأها إذا أوى إلى فراشه لم يزل عليه من الله حافظ، ولا يقربه شيطان حتى يصبح، وكذلك عبادَ الله قراءة الآيتين الأخيرتين من سورة البقرة (آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه ..)، ففي الصحيحين عن أبي مسْعُودٍ الْبَدْريِّ رضي الله عنه قال: قال رسول اللّهِ : (الْآيتَانِ من آخرِ سُورةِ الْبقَرَةِ من قرَأَهُمَا في ليْلَةٍ كفَتَاهُ) أي: كفتاه من كلّ شر وسوء وبلاء. ومن الآيات التي ينبغي أن يعتني بها العبد قراءة المعوّذتين، فعن أبي سعيد رضي الله عنه قال: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتعوذ من الجان وعين الإنسان حتى نزلت المعوذتان فلما نزلتا أخذ بهما وترك ما سواهما"، وعلى العبد العناية بالأذكار النبوية كأذكار الصباح والمساء ودخول البيت والخروج منه وغير ذلك، فإنها سبب لحفظ الله تعالى للعبد، وحصن له من تسلط الشياطين وأهل الشر عليه. ومن الأمور المهمة عباد الله المحافظة على الفرائض ولا سيما الصلوات الخمس مع الجماعة، روى مسلم في صحيحه عن جُنْدبَ بن عبد اللّهِ رضي الله عنه قال: قال رسول اللّهِ : (من صلى الصّبْحَ فهُوَ في ذِمّةِ اللّهِ). أي: في ضمانه وأمانه. وعليه اجتناب المنكرات والبعد عن المحرمّات، فكل ذلك عباد الله من أسباب السّلامة والحفظ والوقاية بإذن الله.