خطب كتاب التوحيد 3 – [ باب الدعاء إلى شهادة أن لا إله إلا الله ]
خطب كتاب التوحيد 3 – [ باب الدعاء إلى شهادة أن لا إله إلا الله ]
  | , 1155   |   طباعة الصفحة


  • خطب كتاب التوحيد 3 - [ باب الدعاء إلى شهادة أن لا إله إلا الله ]
  • القاها: الشيخ الدكتور خالد بن ضحوي الظفيري حفظه الله تعالى.
  • المكان: خطبة في يوم23 ذو القعدة - عام 1440هـ في مسجد السعيدي.

 
  • الخطبة الأولى:
  إِنَّ الحَمْدَ لِلَّهِ، نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِاللهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَن لَّا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيماً كَثِيراً، )يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ( [آل عمران:102]، )يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا( [النساء:1]، )يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا( [الأحزاب:70-71]. أَمَّا بَعْدُ: فَإِنَّ أَصْدَقَ الحَدِيثِ كَلَامُ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَخَيْرَ الْهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَشَرَّ الأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، وَكُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ، وَكُلَّ ضَلَالَةٍ فِي النَّارِ. عِبَادَ اللهِ: إنه يجب على المسلم الذي عرف التوحيد وأهمية وعرف الشرك وخطورته أن يجتهد غاية الاجتهاد بحسب وسعه وعلمه وقدرته أن يدعو الناس إلى العقيدة الصحيحة وإلى شهادة أن لا إله إلا الله وإلى ما أمر الله به وما يحبه ويرضاه من الأقوال والأعمال، ومن أعظم ذلك إخراج الناس من ظلمات الشرك وفساد المعتقد إلى نور التوحيد وصلاح الظاهر والباطن. والدعوة إلى العقيدة الصحيحة –عباد الله- هي مفتاح دعوة الرسل جميعا من أولهم إلى آخرهم، فلم يكونوا يبدؤون بشيء قبل التوحيد، قال الله تعالى: {قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ} فإنه لا يتم التوحيد حتى يكمّل العبد جميع مراتبه ثم يسعى في تكميل غيره- وهذا هو طريق جميع الأنبياء- فإنهم أول ما يدعون قومهم إلى عبادة الله وحده لا شريك له، وهي طريقة سيدهم وإمامهم صلى الله عليه وسلم: لأنه قام بهذه الدعوة أعظم قيام ودعا إلى سبيل ربه بالحكمة والموعظة الحسنة والمجادلة بالتي هي أحسن- لم يَفْتَر ولم يَضْعف حتى أقام الله به الدين، وهدى به الخلق العظيم، ووصل دينه ببركة دعوته إلى مشارق الأرض ومغاربها- وكان يدعو بنفسه ويأمر رسله وأتباعه أن يدعوا إلى الله وإلى توحيده قبل كل شيء لأن جميع الأعمال متوقفة في صحتها وقبولها على التوحيد. عباد الله: وقد كان النبي r يبعث الدعاة إلى الأقطار ويوصيهم بالبداءة بالدعوة إلى التوحيد وتصحيح العقيدة، فعن ابن عباس رضي الله عنهما: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم: لما بعث معاذا إلى اليمن، قال: «إنك تأتي قوما من أهل الكتاب، فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله» وفي رواية-: «إلى أن يوحدوا الله فإن هم أطاعوك لذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة فإن هم أطاعوك لذلك، فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم، فإن هم أطاعوك لذلك فإياك وكرائم أموالهم، واتق دعوة المظلوم؛ فإنه ليس بينها وبين الله حجاب» . متفق عليه. عباد الله: فكما أن على العبد أن يقوم بتوحيد الله فعليه أن يدعو العباد إلى الله بالتي هي أحسن، وكل من اهتدى على يديه فله مثل أجورهم من غير أن ينقص من أجورهم شيء. روى البخاري ومسلم عن سهل بن سعد - رضي الله عنه-: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم: قال يوم خيبر: «لأعطين الراية غدا رجلا يحب الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله، يفتح الله على يديه» . فبات الناس يدوكون ليلتهم، أيهم يعطاها، فلما أصبحوا غدوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم: كلهم يرجو أن يعطاها، فقال: «أين علي بن أبي طالب» ؟ . فقيل: هو يشتكي عينيه، فأرسلوا إليه فأتي به، فبصق في عينيه ودعا له فبريء كأن لم يكن به وجع، فأعطاه الراية، فقال: «انفذ على رسلك حتى تنزل بساحتهم، ثم ادعهم إلى الإسلام، وأخبرهم بما يجب عليهم من حق الله تعالى فيه، فوالله لأن يهدي الله بك رجلا واحدا خير لك من حمر النعم» يدوكون: أي يخوضون. وإذا كانت الدعوة إلى الله، وإلى شهادة أن لا إله إلا الله فرضا على كل أحد، كان الواجب على كل أحد بحسب مقدوره وعلمه. فعلى العالم من بيان ذلك والدعوة والإرشاد والهداية أعظم مما على غيره ممن ليس بعالم. وعلى القادر ببدنه ويده أو ماله أو جاهه وقولِهِ أعظم مما على من ليست له تلك القدرة. قال تعالى: {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ} ورحم الله من أعان على الدين ولو بشطر كلمة، وإنما الهلاك في ترك ما يقدر عليه العبد من الدعوة إلى هذا الدين. يقول ابن القيم رحمه الله: هذا ونصر الدين فرض لازم ... لا للكفاية بل على الأعيان بيد وإما باللسان فإن عجز ... ت فبالتوجه والدعا بجنان عباد الله: كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته، ومن أعظم ما يجب أن ننبه أولادنا عليه ونعلمه لهم هو صحيح العقيدة وبيان التوحيد لهم خصوصا مع انتشار أهل العقائد الباطلة والأفكار الإلحادية والمنحلة، وإنكار ما يجب لله تعالى من الأسماء الحسنى والصفات العلى وأنكار الغيبيات كإنكار عذاب القبر ونعيمه وفتنته، وإنكار مسائل عقدية دلت عليها نصوص الكتاب والسنة وإجماع الأمة كالسمع والطاعة لولاة الأمر أو حرمة الخروج على ولاة الجور، أو إنكار حرمة البناء على القبور والتبرك بالأضرحة والقبور والأولياء، وتعظم الخطورة أيضا مع تيسر وسائل التواصل الاجتماعي وحتى في الألعاب الإلكترونية يحاول أهل الكفر والإلحاد والانحلال نشر أفكارهم وترسيخ مبادئهم بما يحارب الإسلام ومفاهيمه، وتكون الخطورة أعظم إذا كان الداعي لمثل هذه المنكرات أو بعضهم ممن يلبس لباس الدين والدعوة فيغرَّ الناس بمظهره وحسن منطقه وهم كما قال r عن الخوارج: (يَخْرجُ في آخرِ الزّمَانِ قَومٌ أَحدَاثُ الأَسْنَانِ سفَهَاءُ الأَحْلَامِ يقرؤون الْقرْآنَ لا يجَاوِزُ تَرَاقِيَهمْ يَقولُونَ من قَولِ خَيرِ الْبَريَّةِ يَمْرقُونَ من الدّينِ كما يَمْرقُ السَّهمُ من الرَّميَّةِ) قال الترمذي بعد روايته لهذا الحديث: (إنما همْ الْخَوَارجُ والحرورية وغَيْرُهُمْ من الْخَوَارجِ). أَقُولُ مَا تَسْمَعُونَ، وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ العَظِيمَ لِي وَلَكُمْ مِنْ كُلِّ ذَنْبٍ فَاسْتَغْفِرُوهُ؛ إِنَّهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ.
  • الخطبة الثانية
الحَمْدُ لِلَّهِ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى رَسُولِ اللهِ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَمَنِ اتَّبَعَ هُدَاهُ، وَأَشْهَدُ أَن لَّا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ الَّذِي أَرْسَلَهُ رَبُّهُ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ. أَمَّا بَعْدُ: فَأُوصِيكُمْ –عِبَادَ اللهِ- وَنَفْسِي بِتَقْوَى اللهِ تَعَالَى؛ فَمَنِ اتَّقَى اللهَ وَقَاهُ، وَنَصَرَهُ وَكَفَاهُ. عباد الله: من استقرأ دعوة الرسل جميعا ومن تمعّن في سيرة النبي r وفي دعوات المصلحين من أئمة هذه الأمة، يوقن أن منهج الدعوة إلى الله تعالى الصحيح القائم على الكتاب والسنة هو البداءة بتصحيح المعتقد ودعوة الناس إلى توحيد الله ونهي الناس عن الشرك بالله تعالى، فالنبي r جلس في مكة ثلاث عشرة سنة بعد البعثة وهو يدعو إلى التوحيد وإفراد الله بالعبادة قبل أن يأمر الناس بالصلاة والزكاة والحج والجهاد وغير ذلك، لم يسع إلى جمع الناس ولو على شرك وجهل ولم يكن همّه الوصول إلى الدنيا والمناصب والجاه مع أنها عُرضت عليه، فهذا هو منهج الأنبياء في الدعوة إلى الله الذي فيه الحكمة والعقل. وهذه يدلنا عباد الله دلالة واضحة على فساد الدعوات التي تجعل همها الأعظم جمع الناس وخروجهم في الدعوة إلى الله دون علم بل وهم على جهل، لا يهتمون بالتوحيد ولا يلتفتون إلى الشركيات والنهي عنها، بل يمارسون دعوته وهم يرون الشرك الأكبر والطواف بالقبور وعبادتها من دون الله ولا يقيمون لذلك وزنا بل المهم عندهم أن تكون معهم وتدعو بدعوتهم، وأن تترك أهلك وأولادك ولو من غير نفقة ولا قوت. أو دعوات همها الأعظم السياسة والوصول إلى الحكم والكراسي، ليلهم ونهارهم في الدعوة إلى المظاهرات والاعتصامات والمقاطعات، ملئوا قلوب الرعية والشعب على ولاة أمورهم، ندواتهم في أخطاء الولاة ومساوئهم، إذا أعطوا من الدنيا رضوا وإن لم يعطوا منها إذا هم يسخطون، ولاؤهم مبني على مصالحهم ولو كان مع أعداء دينهم ووطنهم، بيعتهم لغير ولاة أمرهم من المسلمين. فعلى العبد أن تكون دعوته لله وإلى الله وعلى نور من الله يرجو ثواب الله، لا تكون دعوته قائمة ومبنية على أساس ولاءات ضيقة ومآرب حزبية، فيكون مخلصا لله تعالى في دعوته وأقواله وأعماله، بل بعضهم إذا دعا فهو داع لنفسه وهو لا يشعر، يقول شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب: (التنبيه على الإخلاص؛ لأن كثيرا ولو دعا إلى الحق فهو يدعو إلى نفسه). قال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله: (فالذي يدعو إلى الله هو الذي لا يريد إلا أن يقوم دين الله، والذي يدعو إلى نفسه هو الذي يريد أن يكون قوله هو المقبول، حقاً كان أم باطلاً). فالحذر أخي المسلم كل الحذر من مخالفة سبيل الرسل في الدعوة إلى الله، فهو السبيل الذي به النجاة لهذه الأمة وهو الأمر الذي يعيد لنا عزة هذه الأمة.