إياك وترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
إياك وترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
  | 6477   |   طباعة الصفحة


  • خطبة الجمعة بعنوان : إياك وترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
  • القاها: الشيخ الدكتور خالد بن ضحوي الظفيري حفظه الله تعالى.
  • المكان: خطبة جمعة في يوم 9 جمادى الأول- عام 1439هـ في مسجد السعيدي بالجهراء .

 
  • الخطبة الأولى
إن الحمد لله نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. أما بعد.. فإن أصدق الحديث كلام الله، وخير الهدي هدي محمدٍ -صلى الله عليه وسلم-، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثةٍ بدعة، وكل بدعةٍ ضلالة، وكل ضلالةٍ في النار.
  • أما بعد..
  • عباد الله:
لقد أكرم الله -عزَّ وجلَّ- أمة محمدٍ -صلى الله عليه وسلم-، وفضلَّها على غيرها من الأمم فجعلها خير أمةٍ أخرجت للناس؛ لأمرها بالمعروف ونهيها عن المنكر، وإيمانها بالله -تعالى-، قال -عزَّ وجلّ-: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [آل عمران:110]. وعن بهز بن حكيمٍ عن أبيه عن جده أنه سمع النبي -صلى الله عليه وسلم- يقول في قوله -تعالى-: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾، قال: «إِنَّكُمْ تُتِمُّونَ سَبْعِينَ أُمَّة، أَنْتُمْ خَيْرُهَا وَأَكْرَمُهَا عَلَى اللَّهِ» رواه الترمذي وغيره، وحسنه الألباني. إن الأمر بالمعروف وهو ما وافق شرع الله -عزَّ وجلَّ- ظاهرًا وباطنًا، والنهي عن المنكر وهو: ما خالف شرع الله ظاهرًا وباطنًا، أصل عظيمٌ يقوم عليه الدين، وشعيرةٌ فاضلة بها صلاح الأمة وصيانتها من الانحراف والتبديل يقول الله -سبحانه وتعالى-: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران:104]. وعن حذيفة -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَتَأْمُرُنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلَتَنْهَوُنَّ عَنِ الْمُنْكَرِ، أَوْ لَيُوشِكَنَّ اللَّهُ أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عِقَابًا مِنْ عِنْدِهِ، ثُمَّ لَتَدْعُنَّهُ فَلَا يَسْتَجِيبُ لَكُمْ» رواه أحمد والترمذي، وحسَّنه الألباني.
  • عباد الله:
إن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من خصال أهل الإيمان وصفاتهم، ولأهميته قدَّمه الله -تعالى- على إقام الصلاة وإيتاء الزكاة، فقال -عزَّ من قائل-: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة:71]. ولقد قامت الأمة بشعيرة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر منذ صدر الإسلام، ولكنَّ الأمة اليوم أكثر حاجةً للعناية بها، والقيام بشأنها؛ لكثرة الجهل، وقلة العلم، وغفلة كثيرٍ من الناس عن هذا الواجب العظيم، ففي عصرنا هذا صار الأمر أشد، والخطر أعظم؛ لانتشار الشرور والفساد، وكثرة دعاة البدع والضلال والباطل، وقلة دعاة الهداية والخير إلى الله -سبحانه وتعالى-. ومتى ما أضاعت هذه الأمة هذا الواجب العظيم، وتقاعست عن أدائه، وغفلت عن القيام به، لحقها شرٌ كثير، وفسادٌ عريض، وقست القلوب، وانتشر الظلم والباطل، وتفرقت الأمة. ولقد ذمَّ الله -تعالى- أمةً من بني إسرائيل كانت كذلك، فقال -سبحانه وتعالى-: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ﴾ [المائدة:78]، ثم فسَّر هذا العصيان، فقال -جلَّ في علاه- ﴿كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ [المائدة:79]، فجعل هذا من أكبر عصيانهم واعتدائهم، وما ذلك إلا لعظم الخطر في ترك هذا الواجب العظيم.
  • عباد الله:
إن الواجب على أهل الإسلام: أن يمتثلوا ما أمرت به شريعتنا السمحة بقدر الاستطاعة من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر طاعةً لله -عزَّ وجلَّ-، وحذرًا من الوقوع في عقابه؛ عن أبي سعيدٍ الخدري -رضي الله تعالى عنه- قال: سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: «مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ، وَذَلِكَ أَضْعَفُ الْإِيمَانِ» رواه مسلم. فبيَّن -صلى الله عليه وسلم- مراتب الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر الثلاث: أما المرتبة الأولى: الإنكار باليد مع القدرة، وذلك بإزالة المنكر إن استطاع ذلك، وهذا للحاكم ونائبه، ومن له سلطةٌ على من تحت يده، كالوالدين والأزواج ونحوهم من أهل القدرة وإلزام الناس بحكم الله الواجب اتباعه ممن يقدر على ذلك. فإن عجز انتقل إلى المرتبة الثانية: وهي الإنكار باللسان، فيأمرهم بالمعروف بكلامه ولسانه وينهاهم عن المنكر، ويذكرهم بدين الله وشرعه؛ بالحكمة والموعظة الحسنة مع اللين والرفق بهم؛ فإنه -صلى الله عليه وسلم- قال: «إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الرِّفْقَ فِي الْأَمْرِ كُلِّهِ»، وَقَالَ -صلى الله عليه وسلم-: «إِنَّ الرِّفْقَ لَا يَكُونُ فِي شَيْءٍ إِلَّا زَانَهُ، وَلَا يُنْزَعُ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا شَانَهُ» رواهما الإمام مسلم. فإن عجز انتقل إلى المرتبة الثالثة: وهي الإنكار بالقلب، وهي أضعف الإيمان، وأقل الأعمال في الإنكار، ولا ينبغي للعبد أن تضعف همته وتقل قوته عن القيام بهذه الشعيرة؛ حتى لا يتسلط أهل الشر والفساد. اللهم اجعلنا من الأمرين بالمعروف ومن الناهين عن المنكر. أقول ما تسمعون، وأستغفر الله العظيم لي ولكم من كل ذنبٍ، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
  • الخطبة الثانية
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن اتبع هداه. أما بعد:
  • عباد الله:
أوصيكم ونفسي بتقوى الله؛ فهي وصية الأنبياء، وحلية الأولياء.
  • عباد الله:
الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر الموفق يتحلى بصفات الداعية الحكيم الصابر المحتسب: فيتحرى الرفق والحكمة، والعبارات المناسبة والطيبة، مع الرحمة والشفقة بالمنصوح عند نصحه ووعظه، آخذًا بعين الاعتبار أن يكون على علمٍ وبصيرةٍ ودرايةٍ بما يقول، مع الصبر في دعوته على أذى الناس وما يأتيه منهم، كما قال -سبحانه وتعالى-: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾  [النحل:125]، وقال -تعالى-: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [يوسف:108]. يقول سفيان الثوري -رحمه الله تعالى-: (ينبغي للآمر بالمعروف والناهي عن المنكر: أن يكون رفيقًا فيما يأمر به، رفيقًا فيما ينهى عنه، عدلًا فيما يأمر به، عدلًا فيما ينهى عنه، عالمًا بما يأمر به، عالمًا بما ينهى عنه). وليكن نظر الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر في ذلك إلى قاعدةٍ الشريعة عظيمة وهي: "جلب المصالـح وتكثيرها، ودفع المفاسد وتقليلها"، حتى لا يترتب على أمره بالمعروف ونهيه عن المنكر منكرٌ أعظم أو مساوٍ له فيقع خلاف مقصده بالقيام بهذه الشعيرة، وعلى المنصوح: قبول النصيحة من الناصح، والتعاون على البر والتقوى. في صحيح مسلم عن عبد الله بن مسعودٍ -رضي الله تعالى عنه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: «مَا مِنْ نَبِيٍّ بَعَثَهُ اللَّهُ فِي أُمَّةٍ قَبْلِي إِلَّا كَانَ لَهُ مِنْ أُمَّتِهِ حَوَارِيُّونَ وَأَصْحَابٌ يَأْخُذُونَ بِسُنَّتِهِ وَيَقْتَدُونَ بِأَمْرِهِ، ثُمَّ إِنَّهَا تَخْلُفُ مِنْ بَعْدِهِمْ خُلُوفٌ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ وَيَفْعَلُونَ مَا لَا يُؤْمَرُونَ، فَمَنْ جَاهَدَهُمْ بِيَدِهِ فَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَمَنْ جَاهَدَهُمْ بِلِسَانِهِ فَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَمَنْ جَاهَدَهُمْ بِقَلْبِهِ فَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلَيْسَ وَرَاءَ ذَلِكَ مِنَ الْإِيمَانِ حَبَّةُ خَرْدَلٍ». وهكذا في أمة محمدٍ -صلى الله عليه وسلم- يجب على علمائهم وأمرائهم، وأعيانهم وفقهائهم: أن يتعاهدوا الناس بالدعوة إلى الله، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وتعليم الجاهل، وإرشاد الضال، وإقامة العدل وإلزامهم بالحق حتى يستقيم الناس، ويمنعوهم من ارتكاب ما حرم الله؛ حتى لا يتعدى بعضهم على بعض، أو ينتهكوا محارم الله؛ فعن عثمان بن عفان -رضي الله تعالى عنه- أنه قال: (إن الله يزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن). اللهم اجعلنا من الطائعين وجنبنا دروب الهالكين. ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار، اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات، والمسلمين والمسلمات الأحياء منهم والأموات. وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد.