فضل القرآن والقيام في رمضان
فضل القرآن والقيام في رمضان
  | , 212   |   طباعة الصفحة


  • خطبة بعنوان: فضل القرآن والقيام في رمضان.
  • للشيخ الدكتور: خالد بن ضحوي الظفيري.
  •  المكان: في مسجد - أبو سلمة بن عبدالرحمن بن عوف 3 رمضان 1447هـ (بمدينة المطلاع).

 
  • الخطبة الأولى
إِنَّ الحَمْدَ لِلَّهِ، نَحْمَدُهُ ونَسْتَعِينُهُ ونَسْتَغْفِرُهُ، ونَعُوذُ بِاللهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا ومِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، ومَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وأَشْهَدُ أَن لَّا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ).
  • أما بعد:
إن شهر رمضان موسم عظيم من مواسم الطاعات، تضاعف فيه الحسنات، وتفتح فيه أبواب الجنات، وتغلق فيه أبواب النيران، وتصفد فيه مردة الشياطين، وتتهيأ النفوس للعبادة وتنشط فيها أكثر ما يكون في غيره، وإن من أحسن ما يستغل به المسلم وقته في شهر رمضان المبارك من نوافل العبادات تلاوة القرآن، فلتلاوته في هذا الشهر مزية خاصة حيث ابتدأ الله إنزال القرآن في شهر رمضان، قال تعالى: {شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان}. فأين المجتهدون وأين السابقون، خصوصا وأن لكثرة قراءة القرآن المبارك في هذا الشهر مزية خاصة، فقد كان جبريل عليه يعارض النبي صلى الله عليه وسلم القرآن في رمضان كل سنة مرة، فلما كان العام الذي توفي فيه عارضه مرتين تأكيداً وتثبيتاً. وكان السلف الصالح يكثرون من تلاوة القرآن في رمضان في الصلاة وخارج الصلاة. كان الزهري يقول: "إذا دخل رمضان إنما هو تلاوة القرآن وإطعام الطعام"، وكان جماعة من السلف يختمون القرآن في شهر رمضان مرات عديدة، فاقتدوا بهم في الإقبال على تلاوة القرآن الكريم وتدبره.
  • عباد الله:
هذا كتاب الله بين أيديكم، ومساجدنا وبيوتنا مليئة بالمصاحف، فهل سألت نفسك يوما وحاسبتها كم حظّك من قراءة القرآن، كم مرة تفتح المصحف في اليوم أو في الشهر، كم مرة تختم القرآن في السنة أو في العمر أو في رمضان، لاشك أن النفس تحتاج إلى محاسبة ومعاتبة ومتابعة، فأنت المنتفع بكلام الله حين تقرأه، ولك بذلك الثواب العظيم والأجر العميم، ومن حُرُم قراءة القرآن وتلاوته آناء الليل وأطراف النهار فقد فاتته الأجور الكبيرة وفرط في حسنات كثيرة، فتلاوة القرآن هي تجارة أهل الإيمان التي لا تَبلى ولا تَخسر، (إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ * لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ)، فبتلاوة القرآن تهدأ النفس ويرتاح البال وتذهب الغموم والهموم، كم من متبلى يشتكي الهم والضيق ولا يعلم أن سبب ذلك هو بُعده عن قراءة القرآن، (الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ)، فهو الموعظة والتذكير والشفاء لما في الصدور، (يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ).
  • عباد الله:
فأهل القرآن والمتدارسون له في الحِلَق تتنزل عليهم رحمات الله من أوجه كثيرة، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ r: (وَمَا اجْتَمَعَ قَوْمٌ فِي بَيْتٍ مِنْ بُيُوتِ اللَّهِ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَيَتَدَارَسُونَهُ بَيْنَهُمْ إِلَّا نَزَلَتْ عَلَيْهِمْ السَّكِينَةُ وَغَشِيَتْهُمْ الرَّحْمَةُ وَحَفَّتْهُمْ الْمَلَائِكَةُ وَذَكَرَهُمْ اللَّهُ فِيمَنْ عِنْدَهُ(، فما أعظم هذا الفضل وما أجزل هذا العطاء لأهل القرآن، فالله يعلي شأنهم ويذكرهم في الملأ الأعلى، وكفى بذلك فضلاً وفخرًا وشرفًا، قال تعالى: (لَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ)، أي: شرفكم وفخركم وارتفاعكم، ومن رفعة أهل القرآن أن جعلهم الله هم أهله وخاصته، فعن أنس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إِنَّ لِلَّهِ أَهْلِينَ مِنْ النَّاسِ)، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَنْ هُمْ؟ قَالَ: (هُمْ أَهْلُ الْقُرْآنِ أَهْلُ اللَّهِ وَخَاصَّتُهُ) [رواه ابن ماجة وصححه الألباني]، وقال r: (إِنَّ اللَّهَ يَرْفَعُ بِهَذَا الْكِتَابِ أَقْوَامًا وَيَضَعُ بِهِ آخَرِينَ) [رواه مسلم]
  • عباد الله:
من فضل الله تعالى في الآخرة على أهل القرآن أنه يأتي شفيعًا لأصحابه الذين اجتهدوا في قراءته وجعلوا من أوقاتهم للقرآن نصيبا ومن كلام الله حظا، ففي صحيح مسلم عن أبي أمامة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (اقرؤوا القرآن فإنه يأتي يوم القيامة شفيعاً لأصحابه)، بل يأتي يجادل ويماحل عن صاحبه حتى يقوده إلى الجنة، فعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ رضي الله عنه قَالَ : قَالَ رَسُوْلُ اللهِ r: «الْقُرْآنُ شَافِعٌ مُشَفَّعٌ، وَمَاحِلٌ مُصَدَّقٌ، مَنْ جَعَلَهُ أَمَامَهُ قَادَهُ إِلَى الْجَنَّةِ، وَمَنْ جَعَلَهُ خَلفَهُ سَاقَهُ إِلَى النَّارِ» [رواه الطبراني وصححه الألباني]، فإذا دخل العبد الجنة ارتفعت منزلته ودرجته بحسب حفظه وتلاوته للقرآن في الدنيا، فعن عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ :«يُقَالُ لِصَاحِبِ الْقُرْآنِ: اقْرَأْ وَارْتَقِ وَرَتِّلْ كَمَا كُنْتَ تُرَتِّلُ فِي الدُّنيَا، فَإِنَّ مَنْزِلَكَ عِنْدَ آخِرِ آيَةٍ تَقْرؤُهَا» [رواه أبو داود وصححه الألباني]، فالعبد له بكل حرف حسنة إلى عشر حسنات، والله يضاعف لمن يشاء، فعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ رضي الله عنه قَالَ : قَالَ رَسُوْلُ اللهِ r:«مَنْ قَرَأَ حَرْفاً مِنْ كِتَابِ اللهِ فَلَهُ بِهِ حَسَنَه ، وَالْحَسَنَهُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا ، لاَ أَقُولُ آلم حَرْفٌ ، وَلَكِنْ أَلِفٌ حَرْفٌ وَلاَمٌ حَرْفٌ وَمِيْمٌ حَرْفٌ» [رواه الترمذي وصححه]. فاجتهدوا عباد الله في تلاوة كتاب الله، وكفانا تفريطا في الأجور الكثيرة، اجعلوا للقرآن وردا ووقتا وحظا، فكم أشغلتنا هواتفنا ومجالسا وأصحابنا عن كلام ربنا، اللهم أعنا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتكم، أَقُولُ مَا تَسْمَعُونَ وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ العَظِيمَ لِي وَلَكُمْ مِنْ كُلِّ ذَنْبٍ فَاسْتَغْفِرُوهُ، إِنَّهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ.
  • الخطبة الثانية
الحَمْدُ لِلَّهِ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى رَسُولِ اللهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَمَنِ اتَّبَعَ هُدَاهُ، وَأَشْهَدُ أَن لَّا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ. ومن أحسن ما يتقرب به المسلم إلى ربه في هذا الشهر من نوافل الطاعات قيام هذه الليالي المباركات، قال تعالى يمدح أهل قيام الليل: (والذين يبيتون لربهم سجداً وقياماً)، وقال تعالى: (تتجافى جنوبهم عن المضاجع يدعون ربهم خوفاً وطمعاً ومما رزقناهم ينفقون. فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين جزاء بما كانوا يعملون). وقال صلى الله عليه وسلم: (أفضل الصلاة بعد الفريضة صلاة الليل) رواه مسلم. وقال صلى الله عليه وسلم (أيها الناس أفشوا السلام، وأطعموا الطعام، وصِلُوا الأرحام، وصَلُّوا بالليل والناس نيام، تدخلوا الجنة بسلام) رواه الترمذي وقال حسن صحيح. وقال صلى الله عليه وسلم في خصوص قيام رمضان: (من قام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه). ومن قيام الليل صلاة التراويح فينبغي للمسلم أن يعتني بها ويواظب عليها الشهر كله. والنبي صلى الله عليه وسلم هو أول من سن الجماعة في صلاة التراويح في المسجد ثم تركها خوفاً من أن تفرض على أمته وأحيا عمر هذه السنة الجليلة ولا يزال المسلمون على ذلك. وينبغي للمسلم أن يصلي مع الإمام التراويح كلها ولا يخرج قبل الوتر، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (إنه من قام مع الإمام حتى ينصرف كُتب له قيام ليلة). رواه أهل السنن بسند صحيح. ويجوز للنساء حضور التراويح في المساجد أذا أمنت الفتنة منهن وبهن، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (لا تمنعوا إماء الله مساجد الله)، ولأن هذا من عمل السلف الصالح. لكن يجب أن تأتي متحجبة متسترة غير متبرجة ولا متطيبة ولا مبدية زينة. والسنة للنساء أن يتأخرن عن الرجال ويبدأن بالصف المؤخر عكس الرجال، لقول النبي صلى الله عليه وسلم (خير صفوف الرجال أولها وشرها آخرها وخير صفوف النساء آخرها وشرها أولها) رواه مسلم. وهذا إذا كُنَّ يصلين وراء الرجال دون ستر. فإذا كان بينهن وبين الرجال ستر فحكم صفوفهن حكم صفوف الرجال. والسنة أن ينصرف النساء فور تسليم الرجال ولا يتأخرن إلا لعذر، وأن يتأخر الرجال قليلاً. عن أم سلمة رضي الله عنها قالت (كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا سلم قام النساء حين يقضيَ تسليمه وهو يمكث في مقامه يسيراً قبل أن يقوم. قالت: نرى والله أعلم أن ذلك كان لكي ينصرف النساء قبل أن يدركهن الرجال) رواه البخاري. فليراع الرجال هذا الهدي النبوي.