خطورة المجاهرة بالمعاصي
خطورة المجاهرة بالمعاصي
  | 969   |   طباعة الصفحة


  • خطبة بعنوان: خُطُورَةُ الْمُجَاهَرَةِ بِالْمَعَاصِي.
  • ألقاها: الشيخ الدكتور خالد بن ضحوي الظفيري حفظه الله تعالى.
  • المكان: خطبة في يوم 20 ربيع الأول 1442هـ في مسجد السعدي بالجهرا.

  • الخطبة الأولى:
إِنَّ الحَمْدَ لِلَّهِ، نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِاللهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَن لَّا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، ) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ ( . عِبَادَ اللهِ: خَلَقَ اللهُ الْخَلْقَ لِعِبَادَتِهِ، وَأَمَرَهُمْ بِمَا فِيهِ صَلَاحُهُمْ، وَنَهَاهُمْ عَنْ مَا فِيهِ هَلَاكُهُمْ وَفَسَادُهُمْ، وَوَعَدَ الطَّائِعِينَ مِنْهُمْ بِجَنَّاتِ النَّعِيمِ؛ قَالَ تَعَالَى: ] وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ [ [النساء:13]. وَتَوَعَّدَ مَنْ عَصَاهُ بِالْعُقُوبَةِ فَقَالَ سُبْحَانَهُ : ] وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُّهِينٌ [ [النساء:14] . عِبَادَ اللهِ: إِنَّ الْمُجَاهَرَةَ بِالْمَعْصِيَةِ وَإِفْشَاءَهَا وَإِشَاعَتَهَا وَإعْلَانَهَا لَذَنْبٌ عَظِيمٌ وَمَسْلَكٌ وَخِيمٌ، يَزِيدُ مِنْ شَيْنِهَا وَيُضَاعِفُ مِنْ خَطَرِهَا، حَيْثُ إِنَّ الْمُذْنِبَ قَدْ جَمَعَ بَيْنَ اقْتِرَافِ الْمَعْصِيَةِ وَبَيْنَ الِاسْتِهَانَةِ بِجَمِيلِ سِتْرِ اللهِ وَمُخَالِفَةِ أَمْرٍهُ بِأَنْ يَسْتُرَ الْمُذْنِبُ نَفْسَهُ فَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي اللهُ عَنْهُ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «كُلُّ أُمَّتِي مُعَافًى إِلَّا المُجَاهِرِينَ، وَإِنَّ مِنَ المُجَاهَرَةِ أَنْ يَعْمَلَ الرَّجُلُ بِاللَّيْلِ عَمَلًا، ثُمَّ يُصْبِحَ وَقَدْ سَتَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ، فَيَقُولَ: يَا فُلَانُ، عَمِلْتُ البَارِحَةَ كَذَا وَكَذَا، وَقَدْ بَاتَ يَسْتُرُهُ رَبُّهُ، وَيُصْبِحُ يَكْشِفُ سِتْرَ اللَّهِ عَنْهُ» وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «اجْتَنِبُوا هَذِهِ الْقَاذُورَةَ الَّتِي نَهَى اللهُ عَزَّ وَجَلَّ عَنْهَا، فَمَنْ أَلَمَّ فَلَيَسْتَتِرْ بِسِتْرِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ» [أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ وَالْحَاكِمُ وصححه]. واعلموا أن المجاهرة بالمعاصي من أسباب عقوبة الله تعالى للعباد بانتشار الأمراض والأوبئة في البلاد، كما في قَوْلِ نَبِيِّكُمْ ﷺ: «لَمْ تَظْهَرِ الْفَاحِشَةُ فِي قَوْمٍ قَطُّ حَتَّى يُعْلِنُوا بِهَا، إِلَّا فَشَا فِيهِمُ الطَّاعُونُ وَالْأَوْجَاعُ الَّتِي لَمْ تَكُنْ مَضَتْ فِي أَسْلَافِهِمُ الَّذِينَ مَضَوْا» [أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا، وَحَسَّنَهُ الْأَلْبَانِيُّ]. وَمِمَّا يَزِيدُ مِنْ شَنَاعَةِ هَذِهِ الْخَطِيئَةِ أَنَّ الْمُجَاهِرَ بالذنب هو في الحقيقة من الدعائين إليها بفعله، فَيَتَحَمَّلُ بِسُوءِ فِعْلَتِهِ إِثْمَ مَنْ تَابَعَهُ وَعَمِلَ عَمَلَهُ؛ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي اللهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «مَنْ دَعَا إِلَى هُدًى، كَانَ لَهُ مِنَ الْأَجْرِ مِثْلُ أُجُورِ مَنْ تَبِعَهُ، لَا يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْئًا، وَمَنْ دَعَا إِلَى ضَلَالَةٍ، كَانَ عَلَيْهِ مِنَ الْإِثْمِ مِثْلُ آثَامِ مَنْ تَبِعَهُ، لَا يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ آثَامِهِمْ شَيْئًا» [أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ]. بَارَكَ اللهُ لِي وَلَكُمْ بِالْقُرْآنِ الْعَظِيمِ، وَنَفَعَنِي وَإِيَّاكُمْ بِهَدْيِ رَسُولِهِ الْكَرِيمِ، وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ لِي وَلَكُمْ مِنْ كُلِّ ذَنْبٍ وَفِعْلٍ أَثِيمٍ، فَاسْتَغْفِرُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ.
  • الخطبة الثانية:
الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَأَشْهَدُ أَن لَّا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَي آلِهِ وَصَحْبِهِ وَمَنْ سَارَ عَلَى نَهْجِهِ وَاقْتَفَى أَثَرَهُ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا مَزِيدًا إِلَى يَوْمِ الدِّينِ. أَمَّا بَعْدُ: فَإِنَّ مِنْ ضِعَافِ النُّفُوسِ مَنِ اسْتَغَلَّ وَسَائِلَ التَّوَاصُلِ الِاجْتِمَاعِيِّ لِنَشْرِ الْفَسَادِ وَهَتْكِ الْأَسْتَارِ وَإشَاعَةِ الرَّذِيلَةِ وَالدَّعْوَةِ لَهَا بِلِسَانِ الْحَالِ وَالْمَقَالِ. والله سُبْحَانَهُ أَخْبَرَ أَنَّ الْعَذَابَ الْأَلِيمَ جَزَاءٌ لِمَنْ أَحَبَّ شُيُوعَ الْفَاحِشَةِ بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ؛ قَالَ تَعَالَى: ] إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ۚ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ[ [النور:19]. وَخُذُوا عباد الله عَلَى يَدِ الْمُسِيءِ بِالنَّصْحِ وَالتَّحْذِيرِ وَالتَّوْجِيهِ وَالنَّكِيرِ، فإن الله ذم بني إسرائيل بعدم إنكار المنكرات فقال سبحانه: (لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ (78) كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ)،  بل إن ذلك من أسباب نزول العذاب على الجميع، فَقَدْ قَالَتْ زَيْنَبُ بِنْتُ جَحْشٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا لِلنَّبِيِّ ﷺ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَنَهْلِكُ وَفِينَا الصَّالِحُونَ؟ قَالَ: «نَعَمْ، إِذَا كَثُرَ الْـخَبَثُ» [مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ]. وَالْمُرَادُ بالخَبَثِ: الْفُسُوقُ وَالْمَعَاصِي. وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ رضي اللهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَا ظَهَرَ فِي قَوْمٍ الرِّبَا وَالزِّنَا، إِلَّا أَحَلُّوا بِأَنْفُسِهِمْ عِقَابَ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ» [رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَحَسَّنَهُ ابْنُ حَجَرٍ]، وقَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ  رَحِمَهُ اللهُ: كَانَ يُقَالُ: «إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى لَا يُعَذِّبُ الْعَامَّةَ بِذَنْبِ الْخَاصَّةِ، وَلَكِنْ إِذَا عُمِلَ الْمُنْكَرُ جِهَارًا، اسْتَحَقُّوا الْعُقُوبَةَ كُلُّهُمْ».