مكانة العلماء ومصاب الأمة بفقدهم
مكانة العلماء ومصاب الأمة بفقدهم
  | 1451   |   طباعة الصفحة


  • خطبة بعنوان: مكانة العلماء ومصاب الأمة بفقدهم.
  • ألقاها الشيخ الدكتور: خالد بن ضحوي الظفيري - حفظه الله تعالى.
  • المكان: خطبة في يوم 1 جمادي الأول 1444هـ في مسجد السعدي بالجهرا.

   
  • الخطبة الأولى:
إِنَّ الحَمْدَ لِلَّهِ، نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِاللهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَن لَّا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ،  )يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ([آل عمران:102].
  • أَمَّا بَعْدُ: فَيَا عِبَادَ اللهِ:
لِلْعُلَمَاءِ مَكَانَةٌ عَظِيمَةٌ، وَفَضْلٌ كَبِيرٌ فِي القُرْآنِ وَالسُّنَّةِ؛ فَالعُلَمَاءُ شُهُودُ اللهِ عَلَى تَوْحِيدِهِ جَلَّ فِي عُلَاهُ، قَالَ تَعَالَى: )شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ( [آل عمران: 18]. وَيَكْفِي العُلَمَاءَ شَرَفًا أَنَّ اللهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى رَفَعَ شَأْنَهُمْ، فَجَعَلَهُمْ أَهْلَ خَشْيَتِهِ مِنْ بَيْنِ خَلْقِهِ، قَالَ سْبُحاَنَهُ وَتَعَالَى: (إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ)، وَرَفَعَ دَرَجَتَهُمْ، فَقَالَ: (يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ)، قال الإمام أحمد -رحمه الله- في وصفهم: (يدعون مَن ضل إلى الهدى، ويصبرون منهم على الأذى، يحيون بكتاب الله الموتى، ويبصرون بنور الله أهل العمى، فكم مِن قتيل لإبليس قد أحيوه، وكم مِن ضال تائه قد هدوه). وقال ابن القيم -رحمه الله- عنهم: (هم في الأرض بمنزلة النجوم في السماء، بهم يهتدي الحيران في الظلماء، وحاجة الناس إليهم أعظم من حاجتهم إلى الطعام والشراب، وطاعتهم أفرض من طاعة الآباء والأمهات بنص الكتاب).
  • عباد الله:
من عرف عِظم منزلة العلماء، وكبير أثرهم الحسن على البلاد والعباد، عَلِم أن فقدهم مصيبة كبيرة، وموتهم ثلمة عظيمة، فبذهابهم ذهاب العلم وانحساره، وبموتهم ظهور الجهل وانتشاره، عن عبد الله بن عمرو بن العاص -رضي الله عنهما-، عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال:  (إِنَّ اللهَ لَا يَقْبِضُ الْعِلْمَ انْتِزَاعًا يَنْتَزِعُهُ مِنَ النَّاسِ، وَلَكِنْ يَقْبِضُ الْعِلْمَ بِقَبْضِ الْعُلَمَاءِ، حَتَّى إِذَا لَمْ يَتْرُكْ عَالِمًا، اتَّخَذَ النَّاسُ رؤوسًا جُهَّالًا، فَسُئِلُوا فَأَفْتَوْا بِغَيْرِ عِلْمٍ، فَضَلُّوا وَأَضَلُّوا) (متفق عليه). وقال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: "عليكم بالعلم قبل أن يُقبض، وقبضه ذهاب أهله" وقيل لـسعيد بن جبير رحمه الله: "ما علامة الساعة وهلاك الناس؟ قال: إذا ذهب علماؤهم". وقال ابن عباس رضي الله عنهما: "لا يزال عالم يموت وأثر للحق يدرس حتى يكثر أهل الجهل، ويذهب أهل العلم، فيعمل الناس بالجهل، ويدينون بغير الحق، ويضلون عن سواء السبيل"، وهو ما ذكره المفسرون عند قوله تعالى: (أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا)، قال ابن عباس: (خرابها بموت فقهائها وعلمائها وأهل الخير منها). وكذا قال مجاهد: (هو موت العلماء)، ولما مات زيد بن ثابت رضي الله عنه قال ابن عباس رضي الله عنهما: (هكذا ذهابُ العلم، لقد دُفن اليوم علمٌ كثير)، قال ابن القيم -رحمه الله-: "لما كان صلاح الوجود بالعلماء، ولولاهم كان الناس كالبهائم، بل أسوأ حالًا كان موت العالم مصيبة لا يجبرها إلا خلف غيره له".
  • عباد الله:
ولقد كان سلف الأمة يحزنون أشد الحزن على فقد علمائهم ولا يقولون إلا ما يرضي ربهم، قال أيوب -رحمه الله-: "إني أخبر بموت الرجل من أهل السنة فكأني أفقد بعض أعضائي"، وقال يحيى بن جعفر: "لو قدرت أن أزيد في عمر محمد بن إسماعيل -أي: البخاري- من عمري لفعلت، فإن موتي يكون موت رجل واحد، وموته ذهاب العلم". فموت العلماء وفقدهم ثلمة لا يسد مسدها شيء، قال الحسن -رحمه الله-: "كانوا يقولون: موت العالم ثلمة في الإسلام لا يسدها شيء ما اختلف الليل والنهار"، ولذلك ورد عن عمر أنه قال: (موت ألف عابد أهون من موت عالمٍ بصير بحلال الله وحرامه). قال ابن القيم -رحمه الله-: (ووجه قول عمر: أن هذا العالِم يهدم على إبليس كل ما يبنيه بعلمه وإرشاده، وأما العابد؛ فنفعه مقصور على نفسه). بل فقد العلماء من العقوبات العاجلة لتركنا للعلم والاجتهاد في تعلمه، قال سفيان بن عيينة: (وأي عقوبة أشد على أهل الجهل أن يذهب أهل العلم). أَقُولُ مَا تَسْمَعُونَ وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ العَلِيَّ العَظِيمَ، فَاسْتَغْفِرُوهُ إِنَّهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ.
  • الخطبة الثانية
الحَمْدُ لِلَّهِ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى رَسُولِ اللهِ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَمَنِ اتَّبَعَ هُدَاهُ، وَأَشْهَدُ أَن لَّا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ.
  • أَمَّا بَعْدُ:
فَأُوصِيكُمْ وَنَفْسِي بِتَقْوَى اللهِ، فَمَنِ اتَّقَى اللهَ وَقَاهُ، وَنَصَرَهُ وَكَفَاهُ.
  • عِبَادَ اللهِ:
إن فقد العلماء وذهابهم عبرة وعظة لمن خَلَف من بَعدهم، فحين يرى المسلم حسن خاتمتهم وظهور الثناء من أهل السنة والحق عليهم؛ يدفعه ذلك إلى أن يجتهد فيما اجتهدوا فيه، ويسلك سبيل العلم الذي أفنوا أعمارهم فيه، فالخير كل الخير في ميراث الأنبياء، الذي من أَخَذَ به أَخَذَ بحظٍّ وافرٍ، واستغفر له من في السموات والأرض حتى الحيتان في البحر والنملة في الجحر، فعن أَبُي الدَّرْدَاءِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «مَنْ سَلَكَ طَرِيقاً يَلْتَمِسُ فِيهِ عِلْماً؛ سَهَّلَ اللهُ لَهُ طَرِيقاً إِلَى الجَنَّةِ، وَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ لَتَضَعُ أَجْنِحَتَهَا رِضًا لِطَالِبِ الْعِلْمِ، وَإِنَّ طَالِبَ الْعِلْمِ يَسْتَغْفِرُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاءِ وَالأَرْضِ، حَتَّى الْحِيتَانُ فِي الْمَاءِ، وَإِنَّ فَضْلَ الْعَالِمِ عَلَى العَابِدِ كَفَضْلِ الْقَمَرِ عَلَى سَائِرِ الْكَوَاكِبِ، إِنَّ الْعُلَمَاءَ هُمْ وَرَثَةُ الأَنْبِيَاءِ، إِنَّ الأَنْبِيَاءَ لَمْ يُوَرِّثُوا دِينَارًا وَلَا دِرْهَمًا، إِنَّمَا وَرَّثُوا الْعِلْمَ، فَمَنْ أَخَذَهُ أَخَذَ بِحَظٍّ وَافِرٍ» [أَخْرَجَهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ الْأَرْبَعَةُ وَصَحَّحَهُ الْأَلْبَانِيُّ]. فعلى طلاب العلم الاجتهاد في التحصيل لعل الله أن يرفع بالعلم شأنهم، قال ابن مسعود: (عليكم بالعلم قبل أن يرفع، ورفعه هلاك العلماء، والذي نفسي بيده لَيَوَدُّنَّ رجالٌ قتلوا في سبيل الله أن يبعثهم الله علماء؛ لما يرون من كرامتهم). واعلموا أنَّ من حق أهل العلم من أهل السنة والحق علينا أن ندعو لهم ونترحم عليهم، ولا نذكرهم إلا بخير وأن من ذكرهم بسوء فهو على غير السبيل قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ المُبَارَكِ رَحِمَهُ اللهُ: (مَنِ اسْتَخَفَّ بِالْعُلَمَاءِ ذَهَبَتْ آخِرَتُهُ، وَمَنِ اسْتَخَفَّ بِالأُمَرَاءِ ذَهَبَتْ دُنْيَاهُ). وَمَنْ يُعَادِ العُلَمَاءَ الرَّبَّانِيِّينَ يُعَرِّضْ نَفْسَهُ لِحَرْبِ اللَّهِ تَعَالَى، فَفِي الحَدِيثِ القُدْسِيِّ «مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا فَقَدْ آذَنْتُهُ بِالْحَرْبِ » [رَوَاهُ البُخَارِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ]. وَإِنَّ الْوَقِيعَةَ فِيهِمْ بِمَا هُمْ مِنْهُ بَرَاءٌ أَمْرٌ عَظِيمٌ، وَالتَّنَاوُلَ لِأَعْرَاضِهِمْ بِالزُّورِ وَالِافْتِرَاءِ مَرْتَعٌ وَخِيمٌ. وَلْنَحْذَرْ -عِبَادَ اللهِ- مِنَ الطَّاعِنِينَ فِي العُلَمَاءِ مِنْ أَهْلِ الأَهْوَاءِ وَالْبِدَعِ؛ فَالعُلَمَاءُ يَحُولُونَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ نَشْرِ الفَسَادِ وَالِابْتِدَاعِ فِي الدِّينِ، والطعن في العلماء وأهل السنة الأتقياء من علامة أهل البدع والأهواء، قال أبو حاتم: (علامة أهل البدع الوقيعة في أهل الأثر)، ومن تمنى موتهم وذهابهم فقد تمنى زوال الدين وذهابه، ودليل على أنه من أهل الهوى والبدعة، قال حمَّاد بن زيد: "حضرت أيُّوب السختياني وهو يغسِّل أحد أصحابه، وهو يقول: إن الذين يتمنون موت أهل السنة (يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ). اللهم ارحم من مات من علمائنا واحفظ من بقي منهم، واجزهم عنا خير الجزاء.