حقيقة محبة الرسول صلى الله عليه وسلم والتحذير من الغلو فيه والاحتفال بمولده
حقيقة محبة الرسول صلى الله عليه وسلم والتحذير من الغلو فيه والاحتفال بمولده
  | 1537   |   طباعة الصفحة


  • خطبة بعنوان: حقيقة محبة الرسول صلى الله عليه وسلم والتحذير من الغلو فيه والاحتفال بمولده.
  • ألقاها الشيخ الدكتور: خالد بن ضحوي الظفيري - حفظه الله تعالى.
  • المكان: خطبة في يوم 11 ربيع الأول 1444هـ في مسجد السعدي بالجهرا.

 
  • الخطبة الأولى:
إِنَّ الحَمْدَ لِلَّهِ، نَحْمَدُهُ ونَسْتَعِينُهُ ونَسْتَغْفِرُهُ، ونَعُوذُ بِاللهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا ومِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، ومَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وأَشْهَدُ أَن لَّا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ،  )يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ( [آل عمران:102]. أَمَّا بَعْدُ: فَإِنَّ خَيْـرَ الحَدِيثِ كِتَابُ اللهِ تَعَالَى، وخَيْرَ الْهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ ، وشَرَّ الأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، وكُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ، وكُلَّ ضَلَالَةٍ فِي النَّارِ. مَعَاشِرَ المُسْلِمِينَ: إِنَّ لِرَسُولِ اللهِ الْكَرِيمِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِاللهِ بْنِ عَبْدِالمُطَّلِبِ الهَاشِمِيِّ القُرَشِيِّ مَكَانَةً سَامِيَةً عَظِيمَةً، وَمَنْزِلَةً رَفِيعَةً كَرِيمَةً، لَمْ يَبْلُغْهَا أَحَدٌ مِنَ الخَلْقِ؛ فَهُوَ سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ يَوْمَ القِيَامَةِ، آدَمُ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَمَنْ دُونَهُ تَحْتَ لِوَائِهِ ، وَلَقَدْ أُوتِيَ الشَّفَاعَةَ العُظْمَى الَّتِي اعْتَذَرَ عَنْهَا أُولُو العَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَالَّتِي اخْتَصَّهُ اللهُ بِهَا وَآثَرَهُ بِهَا عَلَى العَالَمِينَ، وَكَرَّمَهُ رَبُّهُ عَزَّ وَجَلَّ وَاخْتَصَّهُ بِمَكْرُمَاتٍ جَزِيلَةٍ لَمْ يُعْطِهَا لِأَحَدٍ قَبْلَهُ مِنَ الأَنْبِيَاءِ صَلَوَاتُ اللهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ، وَكُلُّهُمْ لَهُ مَنْزِلَةٌ رَفِيعَةٌ عِنْدَ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ؛ فَعَنْ أَبِي هُريْرَةَ t قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ : «أَنَا سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ يَوْمَ القِيَامَةِ، وأَوَّلُ مَنْ يَنشَقُّ عَنْهُ القَبْرُ، وأَوَّلُ شَافِعٍ، وَأَوَّلُ مُشَفَّعٍ» [رَوَاهُ مُسْلِمٌ]. وَإِنَّ مِنْ أَعْظَمِ النِّعَمِ وَأَفْضَلِ العَطَايَا لِأُمَّتِنَا: أَنْ بَعَثَ اللهُ هَذَا الرَّسُولَ فِيهِمْ، فَجَعَلَهُ خَاتِمَ الرُّسُلِ وَأَفْضَلَهُمْ؛ لِتَكُونَ هَذِهِ الأُمَّةُ آخِرَ الأُمَمِ وَأَفْضَلَهَا، قَالَ تَعَالَى:(لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ) [التوبة:128]، وَبَشَّرَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى مَنِ اتَّبَعَهُ وَآمَنَ بِهِ بِالثَّوَابِ الكَرِيمِ، وَالفَضْلِ العَمِيمِ، فَقَالَ تَعَالَى فِي بَيَانِ مَنْزِلَتِهِ العَظِيمَةِ وَصِفَاتِهِ الكَرِيمَةِ: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (45) وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُم مِّنَ اللَّهِ فَضْلًا كَبِيرًا (47) وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُّنِيرًا (46) [الأحزاب45-47]. عِبَادَ اللهِ: إِنَّ رَسُولَنَا هُوَ أَفْضَلُ الرُّسُلِ، لَهُ فَضَائِلُ كَثِيرَةٌ، وَمَحَاسِنُ عَدِيدَةٌ، بَشَّرَ بِهِ الرُّسُلُ مِنْ قَبْلِهِ، وَجَاءَ ذِكْرُهُ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ، وَلَهُ عَلَيْنَا مِنَ الحُقُوقِ الكَثِيرُ، فَمِنْ حُقُوقِهِ عَلَيْنَا: الإِيمَانُ بِهِ، وَاعْتِقَادُ أَنَّهُ رَسُولُ اللهِ حَقًّا، أَرْسَلَهُ اللهُ إِلَى الإِنْسِ وَالْجِنِّ بَشِيرًا ونَذِيرًا، وَالإِيمَانُ بِعِصْمَتِهِ فِيمَا بَلَّغَهُ عَنْ رَبِّهِ تَعَالَى، وَأَنَّهُ خَاتِمُ النَّبِيِّينَ، وَأَنَّهُ قَدْ بَلَّغَ رِسَالَتَهُ عَلَى أَكْمَلِ الوُجُوهِ. وَمِنْ حُقُوقِهِ :  طَاعَتُهُ وَاتِّبَاعُ مَا جَاءَ بِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ تَعَالَى، قَالَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: ( قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ) [آل عمران:31]. وَمِنْ حُقُوقِهِ : وُجُوبُ تَعْزِيرِهِ [أَيْ: نُصْرَتِهِ] وَتَوْقِيرِهِ وَالتَّأَدُّبِ مَعَهُ ، وَأَنْ لَا نَرْضَى عَلَيْهِ السُّوءَ، وَأَنْ نُبْغِضَ كُلَّ مَنْ يَتَعَرَّضُ لَهُ أَوْ يَسُبُّهُ وَلَوْ كَانَ أَقْرَبَ قَرِيبٍ. مَعَاشِرَ المُسْلِمِينَ: وَإِنَّ مِنْ أَعْظَمِ حُقُوقِ رَسُولِ اللهِ : مَحَبَّتَهُ أَكْثَرَ مِنْ أَنْفُسِنَا وَآبَائِنَا وَأَبْنَائِنَا وَأَهْلِينَا وَأَمْوَالِنَا؛ فَعَنْ أَنَسٍ t قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ : «لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ وَالِدِهِ وَوَلَدِهِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ» [مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ]. فَلَا يَجُوزُ تَقْدِيمُ مَحَبَّةِ النَّفْسِ وَتَقْدِيمُ مَآثِرِهَا عَلَى مَحَبَّةِ رَسُولِ اللهِ وَأَوَامِرِهِ؛ فَفِي صَحِيحِ البُخَارِيِّ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ هِشَامٍ t قَالَ: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ وَهُوَ آخِذٌ بِيَدِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: يَا رَسُولَ اللهِ لَأَنْتَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إِلَّا مِنْ نَفْسِي. فَقَالَ النَّبِيُّ : «لَا وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ! حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْكَ مِنْ نَفْسِكَ» فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: فَإِنَّهُ الْآنَ وَاللَّهِ لَأَنْتَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ نَفْسِي. فَقَالَ النَّبِيُّ : «الآنَ يَا عُمَرُ». عباد الله: مَحَبَّةُ النَّبِيِّ هِيَ مِنْ مَحَبَّةِ اللَّهِ تَعَالَى، قَالَ شَيْخُ الإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى: «فَإِنَّ الرَّسُولَ إنَّمَا يُحَبُّ لِأَجْلِ اللَّهِ، وَيُطَاعُ لِأَجْلِ اللَّهِ، وَيُتَّبَعُ لِأَجْلِ اللَّهِ»، فَمَحَبَّةُ اللهِ جَلَّ وَعَلَا لَا تَنْفَكُّ عَنْ مَحَبَّةِ رَسُولِنَا مُحَمَّدٍ ؛ فَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنِ النَّبِيِّ أَنَّهُ قَالَ: « ثَلَاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ حَلَاوَةَ الْإِيمَانِ» وَذَكَرَ مِنْهَا: «أَنْ يَكُونَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا». إِنَّ مَحَبَّةَ النَّبِيِّ عَاقِبَتُهَا خَيْرٌ عَلَى العَبْدِ الَّذِي حَقَّقَ هَذِهِ المَحَبَّةَ عَلَى وَجْهِهَا الشَّرْعِيِّ، مَحَبَّةً وَاتِّبَاعًا مَعَ الإِيمَانِ بِاللَّهِ تَعَالَى وَتَحْقِيقِ تَوْحِيدِهِ، فَهُوَ بِهَذِهِ المَحَبَّةِ مَعَ مَنْ أَحَبَّ، فَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَنَسٍ t أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ النَّبِيَّ عَنِ السَّاعَةِ فَقَالَ: مَتَى السَّاعَةُ؟ قَالَ: وَمَاذَا أَعْدَدْتَ لَهَا؟ قَالَ: لَا شَيْءَ إِلَّا أَنِّي أُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ . فَقَالَ: «أَنْتَ مَعَ مَنْ أَحْبَبْتَ». قَالَ أَنَسٌ: فَمَا فَرِحْنَا بِشَيْءٍ فَرَحَنَا بِقَوْلِ النَّبِيِّ : «أَنْتَ مَعَ مَنْ أَحْبَبْتَ». قَالَ أَنَسٌ: فأَنَا أُحِبُّ النَّبِيَّ وَأَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ، وَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ مَعَهمْ بِحُبِّي إِيَّاهُمْ، وَإنْ لَمْ أَعْمَلْ بِمِثْلِ أَعْمَالهِمْ. عباد الله: إِنَّ مَحَبَّةَ الرَّسُولِ وَإِنْ كَانَتْ أَمْرًا قَلْبِيًّا بَاطِنًا، إِلَّا أَنَّهَا يُصَدِّقُهَا الظَّاهِرُ أَوْ يُكَذِّبُهَا، فَحَقِيقَةُ مَحَبَّةِ الرَّسُولِ هِيَ فِي اتِّبَاعِ أَمْرِهِ، وَالاِقْتِدَاءِ بِهَدْيِهِ، وَالأَخْذِ بِسُنَّتِهِ، وَالعَمَلِ بِمَا شَرَعَ، لَا بِالأَهْوَاءِ وَالْبِدَعِ، وَهُوَ مَا دَلَّ عَلَيْهِ كِتَابُ اللَّهِ تَعَالَى فَحِينَ ادَّعَى أَقْوَامٌ مَحَبَّةَ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ؛ أَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى اخْتِبَارَهُمْ وَامْتِحَانَهُمْ لِبَيَانِ صِدْقِ مَحَبَّتِهِمْ، وَابْتَلَاهُمْ بِهَذِهِ الآيَةِ فَقَالَ عَزَّ وَجَلَّ: (قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ) [آل عمران:31].. لِذَلِكَ قَالَ الحَسَنُ الْبَصْرِيُّ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى: «لَا تَغْتَرَّ بِقَوْلِكَ: (المَرْءُ مَعَ مَنْ أَحَبَّ)، إِنَّ مَنْ أَحَبَّ قَوْمًا اتَّبَعَ آثَارَهُمْ، وَلَنْ تَلْحَقَ الأَبْرَارَ حَتَّى تَتَّبِــعَ آثَارَهُمْ، وَتَأْخُذَ بِهَدْيِهِمْ، وَتَقْتَدِيَ بِسُنَّتِهِمْ، وَتُمْسِيَ وَتُصْبِحَ وَأَنْتَ عَلَى مَنَاهِجِهِمْ، حَرِيصًا أَنْ تَكُونَ مِنْهُمْ، وَتَسْلُكَ سَبِيلَهُمْ، وَتَأْخُذَ طَرِيقَتَـهُمْ، وَإِنْ كُنْتَ مُقَصِّرًا فِي العَمَلِ». فَاجْتَهِدُوا -عِبَادَ اللهِ- بِالاِمْتِثَالِ وَالْعَمَلِ، وَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الدَّعَاوَى وَالأَمَلُ؛ فَالإِيمَانُ لَيْسَ بِالتَّمَنِّي والتَّحَلِّي، وَإِنَّمَا بِالْقَوْلِ وَالْعَمَلِ. أَقُولُ مَا تَسْمَعُونَ، وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ العَظِيمَ لِي وَلَكُمْ مِنْ كُلِّ ذَنْبٍ، فَاسْتَغْفِرُوهُ إِنَّهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ.  
  • الخطبة الثانية
الحَمْدُ لِلَّهِ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى رَسُولِ اللهِ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَمَنِ اتَّبَعَ هُدَاهُ، وَأَشْهَدُ أَن لَّا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ الَّذِي أَرْسَلَهُ رَبُّهُ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ.
  • أَمَّا بَعْدُ:
فَأُوصِيكُمْ –عِبَادَ اللهِ- وَنَفْسِي بِتَقْوَى اللهِ تَعَالَى، فَمَنِ اتَّقَى اللهَ وَقَاهُ، وَنَصَرَهُ وَكَفَاهُ.
  • مَعَاشِرَ المُسْلِمِينَ:
إِنَّ دَعْوَتَهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ الَّتِي حَرَصَ عَلَيْهَا لَيْلًا وَنَهَارًا، سِرًّا وَجِهَارًا هِيَ: تَحْقِيقُ العُبُودِيَّةِ لِلَّهِ جَلَّ وَعَلَا، وَعَدَمُ صَرْفِ شَيْءٍ مِنْ خَصَائِصِ الرُّبُوبِيَّةِ أَوِ الأُلُوهِيَّةِ لِغَيْرِ اللهِ؛ وَلِهَذَا كَانَ أَكْثَرُ النَّاسِ مَحَبَّةً لَهُ وَتَعْظِيمًا هُوَ مَنْ عَظَّمَ هَذَا الجَانِبَ وَأَعْطَاهُ حَقَّهُ، وَابْتَعَدَ عَنْ كُلِّ ذَرِيعَةٍ تُخِلُّ بِالتَّوْحِيدِ الَّذِي جَاءَ بِهِ أَوْ تُؤَثِّرُ عَلَيْهِ؛ لِذَلِكَ سَدَّ النَّبِيُّ كُلَّ طَرِيقٍ لِلشِّرْكِ، وَحَمَى حِمَى التَّوْحِيدِ، وَمِنْ ذَلِكَ: تَحْرِيمُ الغُلُوِّ فِي تَعْظِيمِهِ صَلَوَاتُ اللهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ بِمَا لَيْسَ بِمَشْرُوعٍ؛ فَعَنْ عُمَرَ t عَنِ النَّبِيِّ قَالَ: «لَا تُطْرُونِي كَمَا أَطْرَتِ النَّصَارَى ابْنَ مَرْيَمَ، فَإِنَّمَا أَنَا عَبْدُهُ، فقُولُوا: عَبْدُ اللَّهِ ورَسُولُهُ» [رَوَاهُ البُخَارِيُّ]، وَقَالَ : «يَا أَيُّهَا النَّاسُ قُولُوا بِقَوْلِكُمْ وَلَا يَسْتَهْوِيَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ، أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، وَرَسُولُ اللَّهِ، وَاللَّهِ مَا أُحِبُّ أَنْ تَرْفَعُونِي فَوْقَ مَا رَفَعَنِـي اللَّهُ» [رَوَاهُ أَحْمَدُ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ t وَصَحَّحَهُ الأَلْبَانِيُّ]. وَمَظَاهِرُ الغُلُوِّ فِي رَسُولِ اللهِ كَثِيرَةٌ: كَاعْتِقَادِكَ فِيهِ مَا هُوَ مِنْ خَصَائِصِ اللهِ جَلَّ وَعَلَا، كَاعْتِقَادِ أَنَّهُ يَعْلَمُ الغَيْبَ بِمَا لَمْ يُطْلِعْهُ اللهُ عَلَيْهِ، أَوْ تَدْعُوهُ مِنْ دُونِ اللهِ لِكَشْفِ ضُرٍّ وَدَفْعِ كَرْبٍ أَوْ جَلْبِ نَفْعٍ، فَذَلِكَ شِرْكٌ بِنَصِّ القُرْآنِ وَهَدْيِ سَيِّدِ الأَنَامِ، يَقُولُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى فِي حَقِّهِ : (قُل لَّا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ ۚ وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ ۚ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ) [الأعراف:188].وَمِنْ أَعْظَمِ التَّكْذِيبِ لِلْقُرْآنِ وَسُنَّةِ سَيِّدِ الأَنَامِ اعْتِقَادُ أَنَّ وُجُودَهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ سَابِقٌ لِهَذَا العَالَمِ، أَوْ أَنَّ الخَلْقَ وَالْكَوْنَ خُلِقَ مِنْ نُورِهِ، أَوْ أَنَّهُ لَا ظِلَّ لَهُ، وَنَحْوُ ذَلِكَ مِنَ الاِعْتِقَادَاتِ المُخَالِفَةِ لِمَا فِي الْوَحْيَيْنِ، (قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَىٰ إِلَيَّ) [الكهف:110]. وَمِنْ مَظَاهِرِ الغُلُوِّ كَذَلِكَ: الإِطْرَاءُ وَالْمُبَالَغَةُ فِي مَدْحِهِ، وَقِرَاءَةُ القَصَائِدِ الَّتِي فِيهَا وَصْفُ رَسُولِ اللهِ بِأَوْصَافٍ لَا تَكُونُ إِلَّا لِلَّهِ تَعَالَى وَحْدَهُ، كقراءتهم لبردة البوصيري، وَمِنْ مَظَاهِرِ الْغُلُوِّ أَيْضًا: ادِّعَاءُ أَنَّهُ يَحْضُرُ عِنْدَ إِلْقَاءِ مِثْلِ هَذِهِ القَصَائِدِ أَوْ فِي حَلَقَاتِ الأَذْكَارِ البِدْعِيَّةِ، فَيَغْفِرُ الزَّلَّاتِ وَيُسَامِحُ العُصَاةَ.  
  • عِبَادَ اللهِ:
لَقَدِ ادَّعَى كَثِيرُونَ مَحَبَّةَ رَسُولِ اللهِ وَأَفْعَالُهُمْ تُكَذِّبُ دَعْوَاهُمْ، فَتَرَى قَوْمًا يَدَّعُونَ مَحَبَّةَ النَّبِيِّ وَهُمْ يَسُبُّونَ وَيُكَفِّرُونَ أَصْحَابَهُ، وَيَطْعَنُونَ فِي عِرْضِهِ، وَيَتَّهِمُونَ أَزْوَاجَهُ، وَتَرَى أَقْوَامًا يَدَّعُونَ مَحَبَّةَ النَّبِيِّ وَهُمْ يُخَالِفُونَ أَمْرَهُ وَسُنَّتَهُ وَهَدْيَهُ، فَيُطْرُونَهُ وَيُعْطُونَهُ صِفَاتِ اللهِ رَبِّ العَالَمِينَ. وَتَرَى أُنَاسًا يَدَّعُونَ مَحَبَّةَ النَّبِيِّ وَهُمْ يَبْتَدِعُونَ بِدَعًا مَا أَنْزَلَ اللهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ، وَيَحْتَفِلُونَ بِأَعْيَادٍ بِدْعِيَّةٍ لَمْ يَفْعَلْهَا رَسُولُ اللهِ وَلَا أَصْحَابُهُ وَأَتْبَاعُهُ. فَكُلُّ هَذِهِ الأَفْعَالِ تَدُلُّ عَلَى تَنَاقُضِهِمْ فِي دَعْوَاهُمْ مَحَبَّةَ النَّبِيِّ ؛ لِأَنَّ مَنْ أَحَبَّهُ اتَّبَعَ أَمْرَهُ، وَسَلَكَ هَدْيَهُ، وَأَحَبَّ أَصْحَابَهُ، فَهَذِهِ هِيَ المَحَبَّةُ الشَّرْعِيَّةُ الَّتِي أُمِرْنَا بِاعْتِقَادِهَا وَالعَمَلِ بِمُقْتَضَاهَا. وكثير من هذا الغلو عباد الله يجتمع في احتفالات أهل البدع في المولد النبوي، فهذا الاحتفال البدعي لم يفعله النبي ولا صحابته الكرام ولا القرون المفضلة إنما اخترعته الدولة الفاطمية العبيدية التي قتّلت أهل السنة، وعاثوا في مصر فسادا، ونشروا سبّ الصحابة على المنابر، وأجمع العلماء على كفرها وزندقتها ووجوب قتالها، هؤلاء هم قدوة المحتفلين بالمولد النبوي، فيجب الحذر من الابتداع في الدين، فالمبتدعة على خطر عظيم، (فكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار).