غربة أهل السنة
غربة أهل السنة
  | 3542   |   طباعة الصفحة


  • خطبة بعنوان: "غربة أهل السنة" .
  • ألقاها الشيخ الدكتور: خالد بن ضحوي الظفيري - حفظه الله تعالى.
  • المكان: خطبة في يوم 6  جمادي الأول 1443هـ في مسجد السعدي بالجهرا.
 
 
  • الخطبة الأولى:
إِنَّ الحَمْدَ لِلَّهِ، نَحْمَدُهُ ونَسْتَعِينُهُ ونَسْتَغْفِرُهُ، ونَعُوذُ بِاللهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا ومِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، ومَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وأَشْهَدُ أَن لَّا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:102].
  • أَمَّا بَعْدُ:
فَإِنَّ أَصْدَقَ الحَدِيثِ كَلَامُ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ، وخَيْرَ الْهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ ، وشَرَّ الأُمُورِ مُحْدَثَاتُها، وكُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ، وكُلَّ ضَلَالَةٍ فِي النَّارِ. عباد الله: لقد خلق الله تعالى الخلق لعبادته، وأمرهم بتوحيده وطاعته، ولكن العبد في طريقه إلى الله تعالى تعترضه الشبهات والشهوات، فإمّا أن يقابلها بالصبر فيسلم من هيجان الشهوات، وباليقين فيثبت عند ثوران الشبهات، فيكون من الصابرين الفائزين الثابتين، ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾، (24) السجدة. وإما أن يستسلم لها فيضل مع الضالين. فأما فتنة الشبهات فقد روي عنه صلى الله عليه وآله وسلم من غير وجه : أن أمته ستفترق على أزيد من سبعين فرقة وأن جميع تلك الفرق في النار إلا واحدة وهي من كان على ما هو عليه وأصحابه صلى الله عليه وسلم. وأما فتنة الشهوات ففي صحيح مسلم من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنه أن رسول الله قال: «كيف أنتم إذا فتحت عليكم خزائن فارس والروم أي قوم أنتم؟» قال ‏ ‏عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه‏: ‏نكون كما أمرنا الله، قال رسول الله ‏ ‏:«أو غير ذلك تتنافسون ثم تتحاسدون ثم ‏ ‏تتدابرون ‏ ‏ثم تتباغضون» . وفي صحيح البخاري من حديث عبد الرحمن بن عوف: «والله ما الفقر أخشى عليكم ولكن أخشى أن تبسط الدنيا عليكم كما بسطت على من كان قبلكم فتنافسوها كما تنافسوها فتهلككم كما أهلكتهم».
  • عباد الله:
إنه وكلما طال العهد وبَعُدَ عن زمان النبوّة والرسالة، كلما كثرت الفتن، وانتشرت المحن، وأصبح المتمسك بدينه يعيش وحداً وإن كان بين أناس كثير، ولكنها غربة الدين والسنة، عن أبي هريرة، عن النبي قال: "يتقاربُ الزمانُ ويَنْقُصُ العلم وَيَبْقَى الشحُّ وتظهر الفتنُ ويكثر الهرْجُ". قالوا: يا رسول الله إِيما هو? قال: "القتلُ القتلُ". وعن الزبير بن عدي قال: أتينا أنس بن مالك فشكونا إليه ما نلقى من الحَجَّاج، فقال:"اصبروا فإنه لا يأتي على الناس زمان إلا الذي بعده شر منه حتى تلقوا ربكم" سمعت هذا من نبيكم . وأخبر بأنه إذا كثرت الفتن كلما قلّ انغماس العبد فيها وكثر بعده عنها كلما سلم منها ومن بلائها،  فعن أبي هريرة قال: قال رسول الله :"ستكونُ فتن القاعدُ فيها خير من القائِم، والقائمُ فيها خيرٌ من الماشي، والماشي فيها خيرٌ من الساعي مَنْ يُشْرفْ لها تَسْتَشْرِفْه فمن وجد فيها مَلْجأ أو مَعَاذاً فَلْيَعُدْ به". وبسبب كثرة هذه الفتن وصف الله تعالى أهل الطاعة والإيمان، والصابرين على سنة سيد الأنام، بأنهم قليلون وغرباء في مقابل أهل الضلال والأهواء، الذين هم كثيرون وغثاء. قال تعالى: ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلا يَخْرُصُونَ﴾ الأنعام (116) ، والأحاديث في وصف أهل اليمان والسنة بالقلة والغربة كثيرة، تدعو العبد أن يصبر على الحق والإسلام، ويثبت على سنة وسيد الأنام، حتى ينال أعظم الأجور، ويبلغ أرفع المنازل، فعن أبي هريرة - رضي الله عنه – قال: قال رسول الله : «بدأ الإسلام غريباً وسيعود غريباً فطوبى للغرباء». وعن سهل بن سعد الساعدي - رضي الله عنه - عن النبي قال: «إن الإسلام بدأ غريباً وسيعود غريباَ كما بدأ، فطوبى للغرباء »، قيل: من هم يا رسول الله؟ قال: «الذين يَصلُحون إذا فسد الناس» وفي رواية قيل: ومن الغرباء يا رسول الله؟ قال: «ناس صالحون قليل في ناس سوء كثير، ومن يعصيهم أكثر ممن يطيعهم». ولكن الصابر على الإيمان والسنة وإن كانوا في غربة ووحشة مع أهل زمانهم، إلا أنهم في أشد الراحة والطمأنينة في دينهم وقلوبهم، لعلمهم يقينا بأن هذه الدنيا الوحشة فيها في الابتعاد عن الله، والأنس الأعظم في القرب من الله وذكره وعبادته، ﴿ألا بذكر الله تطمئن القلوب﴾، وعن الحسن البصرى قال: "السنة -و الذى لا إله إلا هو- بين الغالي والجافي؛ فاصبروا عليها رحمكم الله ، فإن أهل السنة كانوا أقل الناس فيما مضى وهم أقلها فيما بقى : الذين لم يذهبوا مع أهل الإتراف في إترافهم ومع أهل البدع في بدعهم، وصبروا على سنتهم حتى لقوا ربهم، فكذلك إن شاء الله فكونوا"، لذلك كان السلف يعدون الصبر على السنة كالجهاد في سبيل الله، قال أبو عبيد القاسم بن سلاّم: «المتبع للسنة كالقابض على الجمر، وهو اليوم عندي أفضل من الضرب بالسيوف في سبيل الله». فاصبروا عباد الله وصابروا ورابطوا لعلكم تفلحون. أَقُولُ مَا تَسْمَعُونَ وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ العَظِيمَ لِي وَلَكُمْ مِنْ كُلِّ ذَنْبٍ فَاسْتَغْفِرُوهُ، إِنَّهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ.
  • الخطبة الثانية
الحَمْدُ لِلَّهِ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى رَسُولِ اللهِ، وَعَلَى آله وَصَحْبِهِ وَمَنِ اتَّبَعَ هُدَاهُ، وَأَشْهَدُ أَن لَّا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ الَّذِي أَرْسَلَهُ رَبُّهُ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ.
  • أَمَّا بَعْدُ:
فإن الناظر في أحوالنا وأهل زماننا يجد أن أهل السنة والطاعة في غربة، وأهل الضلال والانحراف على أصنافهم قد ملئوا القنوات والمكتبات والشبكات بضلالهم وانحرافهم وبدعهم، حتى انقلبت كثير من المفاهيم وتغيرت العادات والأعراف، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ  أَنَّهُ قَالَ: «سَيَكُونُ فِي آخِرِ أُمَّتِي أُنَاسٌ يُحَدِّثُونَكُمْ مَا لَمْ تَسْمَعُوا أَنْتُمْ وَلَا آبَاؤُكُمْ فَإِيَّاكُمْ وَإِيَّاهُمْ». [رواه مسلم].
  • عباد الله:
إن من الفتن وانقلاب الموازين التي نعيشها ونشاهدها حتى أصبحنا في غربة، حين صار اتّبَاع الكتاب والسنة والاقتداء بهدي السلف الصالح، رجعية وتخلفا، وأصبح السير على طرائق العلمانية والليبرالية هو التقدّم والتطور. أصبح التحذيرُ من البدع وأهلها شدةً وغلوًا وظلمًا، وأصبح عندهم الدعوة إلى البدع وذكر مدائحهم وعدم التحذير منهم إنصافا وعدلا. أصبح التحذيرُ من دعاة الإلحاد وطرائقهم وكفرياتهم مخالفًا للحرية، والدعوةُ إلى الكفر والسحر والشعوذة والشذوذ وعبادة الشيطان هو الحرية المطلوبة. أصبحت الدعوةُ إلى الأخلاق الفاضلة واللباس الشرعي ودعوةُ المرأة إلى عفافها وحجابها ونقابها دعوةً إلى تكفير ورجعية وتخلفٍ، وأصبح الدعوةُ إلى التبرج والانحلال هو الواجب والمرضي عنه وهو حرية للمرأة. أصبحت الدعوةُ إلى السمع والطاعة لولاة الأمر والحثُّ على عدم الخروج عليهم ونصيحتُهم بالسر والتحذيرُ من المظاهرات والثورات يسمونها خنوعًا وذلاً وعبوديةً للسلاطين. نعم نحن في غربة! نحن في غربة! فطوبى للغرباء! فطوبى للغرباء!. فاثبتوا على دينكم ودعوكم من دعاة الشر والفساد فهم لا يريدون بكم ولا بهذه الأمة الخير والعفاف والسلامة، يريدون كما أخبر أن نسير على درب اليهود والنصارى حذو القذة بالقذة، ولكن المؤمن يعتز بدينه وعقيدته وإيمانه وعفته وطهره. فاللهم سلم سلم...