لا ملجأ لنا إلا إلى الله، فتوبوا إليه وتوكلوا عليه
لا ملجأ لنا إلا إلى الله، فتوبوا إليه وتوكلوا عليه
  | 3117   |   طباعة الصفحة


  • خطبة بعنوان: لا ملجأ لنا إلا إلى الله، فتوبوا إليه وتوكلوا عليه.
  • ألقاها: الشيخ الدكتور خالد بن ضحوي الظفيري حفظه الله تعالى.
  • المكان: خطبة في يوم 30 جمادي الثاني 1442هـ في مسجد السعدي بالجهرا.

 
  • الخطبة الأولى:
إِنَّ الحَمْدَ لِلَّهِ، نَحْمَدُهُ ونَسْتَعِينُهُ ونَسْتَغْفِرُهُ، ونَعُوذُ بِاللهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا ومِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، ومَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وأَشْهَدُ أَن لَّا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:102].
  • عباد الله:
إن من رحمة الله تعالى على عباده أن لا يُعَجِّل عليهم العذاب بل الله تعالى يمهل عباده ولكنه لا يهملهم، فما أصابهم فبما كسبت أيديهم، ولو أخذهم الله بذنوبهم لأخذهم أخذ عزيز مقتدر، ولكن رحمة الله سبقت غضبه، وفتح الأبواب لعباده ليرجعوا ويتوبوا، ويستغفروا وينيبوا، وإذا فعلوا ذلك وكانوا من أهل التقى والإيمان، والطاعة والإحسان، فتح الله عليهم الخير كله في الدنيا والآخرة، والآخرة خير وأبقى، وتدبر هذه الآيات وما فيها من العظات، لعلك أيها الغافل من سباتك تصحو، ومن بُعْدِك من ربك تقترب بالتوبة والأوبة، قال تعالى: (وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (96) أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا بَيَاتًا وَهُمْ نَائِمُونَ (97) أَوَ أَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ (98) أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ (99))، فأهل القرى والبلدان إن أطاعت ربها الرحمن؛ فتح الله عليهم وبارك لهم في معيشتهم ورزقهم، ويسر لهم طرق الخير وأبواب الإحسان، فيعيشون بأمن وأمان. وإذا كفر العباد أو ظهر منهم الفسوق والعصيان وانتشرت الفواحش والربا والزنا والغناء والمعازف والاختلاط والتبرج والسفور فإن هذا من أسباب الخذلان ووقوع غضب الجبار ونزول البلاء والأمراض على العباد والبلاد، ومن رأى مثل هذه العقوبات في غيره من الأمم السابقة واللاحقة وجب عليه أن يتعظ ويرجع إلى الله بالتوبة والإنابة إليه لئلا يصيبه ما أصابهم، قال شعيب عليه السلام لقومه: (وَيَا قَوْمِ لَا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَاقِي أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ مَا أَصَابَ قَوْمَ نُوحٍ أَوْ قَوْمَ هُودٍ أَوْ قَوْمَ صَالِحٍ وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ)، فعذاب الله لغيرنا من الأمم من موجبات زيادة خوفنا من ربنا أن لا يعذبنا كما عذبهم، وقد بيّن نبينا ﷺ أن من عقوبات الله تعالى لمن أضاع أمره انتشار أمراض فيهم لمن تكن فيما مضى من سابقيهم، فعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: أقبل علينا رسول الله ﷺ فقال: (يا معشر المهاجرين خمس إذا ابتليتم بهن وأعوذ بالله أن تدركوهن: لم تظهر الفاحشة في قوم قط حتى يعلنوا بها إلا فشا فيهم الطاعون والأوجاع التي لم تكن مضت في أسلافهم الذين مضوا، ولم ينقصوا المكيال والميزان إلا أخذوا بالسنين وشدة المئونة وجور السلطان عليهم، ولم يمنعوا زكاة أموالهم إلا منعوا القطر من السماء، ولولا البهائم لم يمطروا، ولم ينقضوا عهد الله وعهد رسوله إلا سلط الله عليهم عدوا من غيرهم فأخذوا بعض ما في أيديهم، وما لم تحكم أئمتهم بكتاب الله ويتخيروا مما أنزل الله إلا جعل الله بأسهم بينهم) [رواه ابن ماجة وحسنه الألباني]. فارتكاب الفواحش بأنواعها وإعلانها والمجاهرة بها من أسباب فشو الأمراض وانتشارها، عافانا الله وإياكم.
  • عباد الله:
ها نحن نشاهد عودة الأمراض وزيادة أعداد المصابين بها، وكل هذا يجعلنا نزداد يقينا أن الأمر كله لله، والفرج بيد الله، وإنا لله وإنا إليه راجعون، فلا راد لقضائه ولا معقب لحكمه ولا غالب لأمره، (وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ)، فالواجب على العباد أن يتوكلوا على الله في كل أمورهم فهو حسبنا ونعم الوكيل، وأن نرجع إليه بالتوبة من الذنوب والتخلص من العصيان، فما نزل بلاء إلا بذنب ولا رفع إلا بتوبة، وأكثروا من الاستغفار فهو للخير مدرار، (فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا *  يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا * وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا)، ومن ثمار التوبة والاستغفار العيشة الهنيئة وحصول الطمأنينة في هذه الحياة الدنيا، قال الله تعالى: ﴿وأن استغفروا ربَّكم ثم توبوا إليه يمتِّعكُم متاعًا حسنًا إلى أجل مُسمًّى ويُؤتِ كل ذي فضلٍ فضلَه﴾. وأن يكثر العبد من طاعة ربه بأنواع الطاعات من الفرائض والنوافل وجميع القربات، فمن حفظ الله تعالى في طاعته واتباع أمره حفظه الله تعالى في دنياه وآخرته، (احْفَظِ اللَّهَ يَحْفَظْكَ، احْفَظِ اللَّهَ تَجِدْهُ تُجَاهَكَ(، فإن أصيب بشيء من ذلك فهو بقضاء الله وقدره، وكفارة لذنوبه وتكفير لسيئاته إذا قابل ذلك بالصبر والاحتساب، فعَنْ صُهَيْبٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «عَجَبًا لأَمْرِ الْمُؤْمِنِ إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ خَيْرٌ وَلَيْسَ ذَاكَ لأَحَدٍ إِلاَّ لِلْمُؤْمِنِ إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ » [رواه مسلم]. أَقُولُ مَا تَسْمَعُونَ وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ العَظِيمَ لي ولكم، فَاسْتَغْفِرُوهُ إِنَّهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ.  
  • الخطبة الثانية
الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ، وَأَشْهَدُ أَن لَّا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ وَلِيُّ الصَّالِحِينَ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ الأَمِينُ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَالتَّابِعِينَ وَمَنْ تَبِعَهُمْ بِإحْسَانٍ، وَسَلَّمَ تَسْلِيماً مَزِيدًا إِلَى يَوْمِ الدِّينِ. أَمَّا بَعْدُ: فَأُوصِيكُمْ وَنَفْسِي بِتَقْوَى اللهِ تَعَالَى؛ فَمَنِ اتَّقَى اللهَ وَقَاهُ، وَنَصَرَهُ وَكَفَاهُ.
  • عباد الله:
من تمام التوكل على الله تعالى فعل الأسباب الشرعية والوقائية الصحية التي يأمر بها ولي الأمر فالواجب الأخذ بها والسعي في تطبيقها على نفسك وغيرك حتى لا تضر نفسك ولا تؤذي غيرك، قَالَ تعالى: (وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا)؛ أَيْ: لَا يَقْتُلْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا. وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ» [أَخْرَجَهُ أَحَمْدُ وَابْنُ مَاجَهْ وَصَحَّحَهُ الْأَلْبَانِيُّ]. واحرص يا عبد الله أن لا تكون سببا في إغلاق المساجد بتساهلك وعدم لبسك الكمامة والتباعد بين الصفوف كما أمرت الوزارة فنخسر بعد ذلك الصلاة والذكر في المساجد خصوصا مع اقتراب شهر رمضان. فاتقوا الله تعالى ولا تكونوا سببا في إغلاق باب خير ورحمة وهي أبواب المساجد عن المصلين والطائعين، وأكثروا من سؤال الله العافية. اللهم إنا نسألك العفو والعافية في الدنيا والآخرة، ....