خطبة مكتوبة: فضائل الصحابة وحقوقهم
خطبة مكتوبة: فضائل الصحابة وحقوقهم
  | 1181   |   طباعة الصفحة


  • خطبة بعنوان: فضائل الصحابة وحقوقهم.
  • للشيخ الدكتور: خالد بن ضحوي الظفيري - حفظه الله تعالى.
  • في يوم 3 رجب 1443هـ

 
  • الخطبة الأولى:
إِنَّ الحَمْدَ لِلَّهِ، نَحْمَدُهُ ونَسْتَعِينُهُ ونَسْتَغْفِرُهُ، ونَعُوذُ بِاللهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا ومِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، ومَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وأَشْهَدُ أَن لَّا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:102].
  • أَمَّا بَعْدُ:
فَإِنَّ أَصْدَقَ الحَدِيثِ كَلَامُ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ، وخَيْرَ الْهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ ﷺ، وشَرَّ الأُمُورِ مُحْدَثَاتُها، وكُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ، وكُلَّ ضَلَالَةٍ فِي النَّارِ.
  • عباد الله:
لَقَدْ بَعَثَ اللهُ نَبِيَّهُ ﷺ فِي خَيْرِ القُرُونِ، وَاخْتَارَ لَهُ مِنَ الأَصْحَابِ أَكْمَلَ النَّاسِ عُقُولًا، وَأَقْوَمَهُمْ دِينًا، وَأَغْزَرَهُمْ عِلْمًا، وَأَشْجَعَهُمْ قُلُوبًا، جَاهَدُوا فِي اللهِ حَقَّ جِهَادِهِ، فَأَقَامَ اللهُ بِهِمُ الدِّينَ، وَأَظْهَرَهُمْ عَلَى جَمِيعِ العَالَمِينَ. عن ابْنِ مَسْعُودٍ t قَالَ: «إِنَّ اللَّهَ نَظَرَ فِي قُلُوبِ الْعِبَادِ فَوَجَدَ قَلْبَ مُحَمَّدٍ ﷺ خَيْرَ قُلُوبِ الْعِبَادِ فَاصْطَفَاهُ لِنَفْسِهِ فَابْتَعَثَهُ بِرِسَالَتِهِ، ثُمَّ نَظَرَ فِي قُلُوبِ الْعِبَادِ بَعْدَ قَلْبِ مُحَمَّدٍ فَوَجَدَ قُلُوبَ أَصْحَابِهِ خَيْرَ قُلُوبِ الْعِبَادِ فَجَعَلَهُمْ وُزَرَاءَ نَبِيِّهِ، يُقَاتِلُونَ عَلَى دِينِهِ، فَمَا رَأَى الْمُسْلِمُونَ حَسَنًا فَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ حَسَنٌ، وَمَا رَأَوْا سَيِّئًا فَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ سَيِّئٌ» [رَوَاهُ أَحْمَدُ وَحَسَّنَهُ الأَلْبَانِيُّ]. لَقَدْ أَثْنَى اللهُ العَزِيزُ الْحَكِيمُ عَلَى الصَّحَابَةِ الكِرَامِ، وَأَشَادَ بِمَكَانَتِهِمْ وَمَنْزِلَتِهِمْ بَيْنَ الأَنَامِ، فِي كِتَابِهِ الَّذِي لَا يَأْتِيهُ البَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ، قَالَ تَعَالَى: )وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ([التوبة:100]، والقُرْآنُ الكَرِيمُ مَلِيءٌ بِالتَّزْكِيَاتِ الكَثِيرَةِ، وَالشَّهَادَاتِ العَظِيمَةِ مِنْ رَبِّ العَالَمِينَ، لِأَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ ، وكذلك تزْكِيَاتُ رَسُولِ اللهِ ﷺ، وَتَزْكِيَاتِ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ، وَتَزْكِيَاتِ أَئِمَّةِ أَهْلِ البَيْتِ لَهُمْ، وَتَزْكِيَاتِ عُلَمَاءِ الأُمَّةِ لَهُمْ، عَنْ أَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ t أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «النُّجُومُ أَمَنَةٌ لِلسَّمَاءِ، فَإِذَا ذَهَبَتِ النُّجُومُ أَتَى السَّمَاءَ مَا تُوعَدُ، وَأَنَا أَمَنَةٌ لِأَصْحَابِي، فَإِذَا ذَهَبْتُ أَتَى أَصْحَابِي مَا يُوعَدُونَ، وَأَصْحَابِي أَمَنَةٌ لِأُمَّتِي، فَإِذَا ذَهَبَ أَصْحَابِي أَتَى أُمَّتِي مَا يُوعَدُونَ» [رَوَاهُ مُسْلِمٌ]. وَأَمَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِذِكْرِهِمْ بِالجَمِيلِ، وَنَـهَى عَنْ سَبِّهِمْ وَالطَّعْنِ فِيهِمْ؛ فَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ t  قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «لَا تَسُبُّوا أَصْحَابِي، فَلَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ أَنْفَقَ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا مَا بَلَغَ مُدَّ أَحَدِهِمْ وَلَا نَصِيفَهُ» [رَوَاهُ البُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ]. فَسَبُّهُمْ مِنْ أَسْبَابِ حُلُولِ اللَّعَنَاتِ مِنْ رَبِّ الأَرْضِ وَالسَّمَوَاتِ، فَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا – قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «مَنْ سَبَّ أَصْحَابِي، فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللهِ وَالمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ» [رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ وَحَسَّنَهُ الأَلْبَانِيُّ].
  • عباد الله:
إِنَّ صَحَابَةَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ﷺكُلُّهُمْ عُدُولٌ خِيَارٌ )وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى( [الحديد:10]، وَهُمْ بِمَجْمُوعِهِمْ وَأَفْرَادِهِمْ خَيْرٌ مِمَّنْ جَاءَ بَعْدَهُمْ مَهْمَا عَلَتْ مَنْزِلَتُهُ، وَلَكِنَّهُمْ يَتَفَاوَتُونَ فِيمَا بَيْنَهُمْ بِالفَضْلِ وَالمَكَانَةِ، فَأَفْضَلُهُمُ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ عَبْدُاللهِ بْنُ عُثْمَانَ t، فهو صاحب رسول الله في هِجْرَتِهِ إِلَى المَدِينَةِ، قَالَ تَعَالَى: )إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا( [التوبة: 40]، وَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ: «يَا أَبَا بَكْرٍ مَا ظَنُّكَ بِاثْنَيْنِ اللَّهُ ثَالِثُهُمَا» [مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ]، وَقَالَ ﷺ فِي فَضْلِهِ: «إنَّ أَمَنَّ النَّاسِ عَلَيَّ فِي مَالِهِ وَصُحْبَتِهِ أَبُو بَكرٍ، ولَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا خَلِيلًا لَاتَّخَذْتُ أَبَا بَكرٍ خَلِيلًا، ولَكِنْ أُخُوَّةُ الإِسْلَامِ، لَا تُبْقَيَنَّ فِي المَسْجِدِ خَوْخَةٌ إِلَّا خَوْخَةَ أَبِي بَكْرٍ» [رَوَاهُ البُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ t] وَالخَوْخَةُ هِيَ: بَابٌ صَغِيرٌ كَالنَّافِذَةِ. وَيَلِيهِ فِي الفَضْلِ وَالمَكَانَةِ وَالقَدْرِ: الفَارُوقُ عُمَرُ t، شَهِدَ لَهُ ﷺ بِالجَنَّةِ، وَشَهِدَ لَهُ بِالْعِلْمِ وَالدِّينِ، وَأَنَّهُ مَا سَلَكَ فَجًّا إِلَّا سَلَكَ الشَّيْطَانُ فَجًّا غَيْرَهُ، وَهُوَ مَعَ أَبِي بَكْرٍ رَفِيقَا رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي الحَيَاةِ وَدُفِنَا بِجِوَارِهِ، رَوَى البُخَارِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا أَنَّهُ قَالَ: «وُضِعَ عُمَرُ عَلَى سَرِيرِهِ، فَتَكَنَّفَهُ النَّاسُ يَدْعُونَ وَيُصَلُّونَ قَبْلَ أَنْ يُرْفَعَ وَأَنَا فِيهِمْ، فَلَمْ يَرُعْنِي إِلَّا رَجُلٌ آخِـذٌ مَنْكِبِي، فَــإِذَا عَلِـيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، فَتَرَحَّمَ عَلَى عُمَرَ وَقَالَ: مَا خَلَّفْتَ أَحَدًا أَحَبَّ إِلَيَّ أَنْ أَلْقَى اللَّهَ بِمِثْلِ عَمَلِهِ مِنْكَ، وَايْمُ اللَّهِ إِنْ كُنْتُ لَأَظُنُّ أَنْ يَجْعَلَكَ اللَّهُ مَعَ صَاحِبَيْكَ، وَحَسِبْتُ إِنِّي كُنْتُ كَثِيرًا أَسْمَعُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ ذَهَبْتُ أَنَا وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ، وَدَخَلْتُ أَنَا وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ، وَخَرَجْتُ أَنَا وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ». فَكَانَ عَلِيٌّ t يَعْرِفُ لَهُمَا فَضْلَهُمَا وَتَقَدُّمَهُمَا، وَكَانَ يَقُولُ: «لَا يُفَضِّلُنِي أَحَدٌ عَلَى أَبِي بَكْرٍ وَعَمَرَ إِلَّا جَلَدْتُهُ حَدَّ المُفْتَرِي». وَيَلِيهِ ذُو النُّورَيْنِ شَهِيدُ الدَّارِ: عُثمَانُ بْنُ عَفَّانَ t الَّذِي تَسْتَحْيِـي مِنْهُ المَلَائِكَةُ، فَقَدْ شَهِدَ لَهُ ﷺ بِالشَّهَادَةِ فِي سَبِيلِ اللهِ، وزوجه رسول الله ابنتيه، وَيَلِيهِ ابْنُ عَمِّ رَسُولِ اللهِ ﷺ: عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ  tوَصِهْرُهُ عَلَى ابْنَتِهِ فَاطِمَةَ سَيِّدَةِ نِسَاءِ المُؤْمِنِينَ وَأَبُو رَيْحَانَتَيِ النَّبِيِّ ﷺ مِنَ الدُّنْيَا: الْحَسَنِ وَالحُسَيْنِ، شَهِدَ لَهُ شَهَادَةً مُعَيَّنَةً بِأَنَّهُ يُحِبُّ اللهَ وَرَسُولَهُ، وَأَنَّهُ يُحِبُّهُ اللهُ وَرَسُولُهُ. وَيَلِيهِمْ بَقِيَّةُ العَشَرَةِ المُبَشَّرِينَ بِالجَنَّةِ، وَهَكَذَا بَقِيَّةُ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَآلِ بَيْتِهِ وَأَزْوَاجِهِ لَهُمُ المَنَاقِبُ الجَمَّةُ وَالفَضَائِلُ الكَثِيرَةُ. أَقُولُ مَا تَسْمَعُونَ وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ العَظِيمَ لِي وَلَكُمْ مِنْ كُلِّ ذَنْبٍ فَاسْتَغْفِرُوهُ، إِنَّهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ.
  • الخطبة الثانية
الحَمْدُ لِلَّهِ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى رَسُولِ اللهِ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَمَنِ اتَّبَعَ هُدَاهُ، وَأَشْهَدُ أَن لَّا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ الَّذِي أَرْسَلَهُ رَبُّهُ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ.
  • أَمَّا بَعْدُ:
فَأُوصِيكُمْ –عِبَادَ اللهِ- وَنَفْسِي بِتَقْوَى اللهِ تَعَالَى، فَمَنِ اتَّقَى اللهَ وَقَاهُ، وَنَصَرَهُ وَكَفَاهُ.
  • عباد الله:
من حقوق أصحاب رسول الله ﷺ علينا: التَّرَحُّمُ عَلَيْهِمْ والترضي عنهم وَالِاسْتِغْفَارُ لَهُمْ؛ والكَفُّ عَنِ الخَوْضِ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ مِنْ خِلَافٍ، وَاعْتِقَادُ أَنَّهُمْ مُجْتَهِدُونَ مُثَابُونَ، فَالمُصِيبُ لَهُ أَجْرَانِ، وَالمُخْطِئُ لَهُ أَجْرٌ، وَخَطَؤُهُ مَغْفُورٌ لِاجْتِهَادِهِ. وَمِنْ حُقُوقِهِمْ: أَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْنَا أَنْ نَتَوَلَّاهُمْ، وَنُحِبَّهُمْ وَنُنْزِلَهُمْ مَنَازِلَهُمْ، فَإِنَّ مَحَبَّتَهُمْ وَاجِبَةٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ وَمُسْلِمَةٍ، وَحُبَّهُمْ دِينٌ وَإِيمَانٌ وَقُرْبَةٌ إِلَى الرَّحْمَنِ، وَبُغْضَهُمْ عِصْيَانٌ وَطُغْيَانٌ؛ فَهُمْ حَمَلَةُ هَذَا الدِّينِ، فَالطَّعْنُ فِيهِمْ طَعْنٌ فِي الدِّينِ كُلِّهِ، لِأَنَّهُ وَصَلَنَا عَنْ طَرِيقِهِمْ بَعْدَ أَنْ تَلَقَّوْهُ غَضًّا طَرِيًّا عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ مُشَافَهَةً، وَنَقَلُوهُ لَنَا بِكُلِّ أَمَانَةٍ وَإِخْلَاصٍ، وَنَشَرُوا الدِّينَ فِي أَقَلَّ مِنْ رُبْعِ قَرْنٍ، وَفَتَحَ اللهُ عَلَى أَيْدِيهِمْ بِلَادَ الدُّنْيَا، فَدَخَلَ النَّاسُ فِي دِينِ اللهِ أَفْوَاجًا، قَالَ الإِمَامُ أَحْمَدُ -رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى-: «إِذَا رَأَيْتَ رَجُلًا يَذْكُرُ أَصْحَابَ رَسُولِ اللهِ ﷺ بِسُوءٍ فَاتَّهِمْهُ عَلَى الإِسْلَامِ».