خطبة مكتوبة بعنوان: استغلال الأوقات في الطاعات
خطبة مكتوبة بعنوان: استغلال الأوقات في الطاعات
  | ,, 3013   |   طباعة الصفحة


  • خطبة مكتوبة بعنوان: اسْتغلالُ الأَوقاتِ فِي الطَّاعَاتِ .
  • كتبها: الشيخ الدكتور خالد بن ضحوي الظفيري حفظه الله تعالى.
  •  في يوم 19  ذو القعدة  - عام 1441هـ.

  • الخطبة الأولى:
إِنَّ الحَمْدَ لِلَّهِ، نَحْمَدُهُ ونَسْتَعِينُهُ ونَسْتَغْفِرُهُ، ونَعُوذُ بِاللهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا ومِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، ومَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وأَشْهَدُ أَن لَّا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102]، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا [النساء:1]، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا  [الأحزاب:70-71]. أَمَّا بَعْدُ: فإنَّ اللهَ تعَالى ما خَلقَ الخَلْقَ إلَّا ليعبُدوهُ، فالسَّعيدُ مَنِ اغتنَمَ اللَّياليَ والأيَّامَ فيما يُرضِي اللهَ ذَا الجَلالِ والإكرامِ، فقدَّمَ لنَفْسِهِ مَا يَرفعُ درَجاتِهِ وَيُكَفِّرُ عنْهُ سيِّئاتِهِ، يومَ لا يَنفعُ مَالٌ ولا بَنونَ إلَّا مَنْ أَتى اللهَ بقلْبٍ سَليمٍ، والخاسِرُ المغبونُ مَنْ ضَيَّعَ عُمُرَهُ فيمَا لا ينْفَعُهُ، وَفاتَهُ مِنَ الخَيرِ ما لا يقْدِرُ عَلى اسْتدراكِهِ، حتَّى إِذا حَانَ أجلُهُ نَدِمَ عَلى مَا فرَّطَ وَفاتَ، حِينَ يَرى الأَثَرَ الحَسَنَ للطَّاعاتِ وَالحَسناتِ. وَاللهُ تَعالى أمرَنا في كِتابِهِ باسْتغْلَالِ الأوْقاتِ وَالثَّباتِ عَلى الطَّاعاتِ حتَّى المَماتِ فَقالَ تعالى: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ [الحجر: 99]، وَبَيَّنَ r أَهمِّيَّةَ الوقْتِ لِلمُسْلِمِ وَحَثَّ عَلى اغْتِنَامِهِ وَحَذَّرَ غَايةَ التَّحذيرِ مِنْ إِضاعَتِهِ، فعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا قَالَ: قَالَ رَسُوْلُ اللهِ r لِرَجُلٍ وَهُوَ يَعِظُهُ :«اغْتَنِمْ خَمْساً قَبْلَ خَمْسٍ، شَبَابَكَ قَبلَ هَرَمِكَ، وَصِحَّتَكَ قَبلَ سَقَمِكَ ، وَغِنَاكَ قَبلَ فَقْرِكَ ، وَفَرَاغَكَ قَبْلَ شُغْلِكَ، وَحَيَاتَكَ قَبْلَ مَوتِكَ» [رواه الحاكم وصححه]. فَالعبْدُ؛ عَنْ عُمُرِهِ وَوَقْتهِ يومَ القِيامَةِ مَسؤُولٌ فِيمَا أَفْناهُ وَماذا قَدَّمَ مِنَ الطَّاعاتِ فِيهِ، فَعنِ ابنِ مَسْعودٍ t عَنِ النَّبيِّ r قَالَ: «لاَ تَزُولُ قَدَمُ ابْنِ آدَمَ يَوْمَ القِيَامَةِ مِنْ عِنْدِ رَبِّهِ حَتَّى يُسْأَلَ عَنْ خَمْسٍ؛ عَنْ عُمُرِهِ فِيمَ أَفْنَاهُ، وَعَنْ شَبَابِهِ فِيمَ أَبْلاَهُ، وَمَالِهِ مِنْ أَيْنَ اكْتَسَبَهُ وَفِيمَ أَنْفَقَهُ، وَمَاذَا عَمِلَ فِيمَا عَلِمَ» [رواه الترمذي وحسنه الألباني]. عِبَادَ اللهِ: قَضاءُ الأَوقاتِ فِي فِعْلِ الخَيراتِ وَدَوامِ الطَّاعاتِ مِنْ أَعْظَمِ نِعَمِ اللهِ تَعالى عَلى العَبْدِ، فعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ r: «نِعْمَتَانِ مَغْبُونٌ فِيهِمَا كَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ الصِّحَّةُ وَالْفَرَاغُ» [رواه البخاري]، فَالمَغْبوطُ مَنِ اغْتنَمَ الصِّحَّةَ وَالفراغَ فِيما يَعودُ عَليهِ نَفْعُهُ فِي مَعاشِهِ وَمَعادِهِ، وَالخَاسِرُ المَغْبُونُ مَنْ فَرَّطَ وَتَكَاسَلَ عَنِ الفَرائِضِ وَالنَّوافِلِ. يَقولُ العَلَّامَةُ ابنُ القَيِّمِ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالى: «إِضَاعَة الْوَقْتِ أََشدُّ مِنَ الْمَوْتِ؛ لِأَنَّ إِضَاعَةَ الْوَقْتِ تَقْطَعُكَ عَنِ اللهِ وَالدَّارِ الْآخِرَةِ، وَالْمَوْتُ يَقْطَعُكَ عَنِ الدُّنْيَا وَأَهْلِهَا، الدُّنْيَا مِنْ أَوَّلِهَا إِلَى آخِرِهَا لَا تُسَاوِي غَمَّ سَاعَةٍ، فَكيفَ بِغَمِّ الْعُمُرِ، مَحْبُوبُ الْيَوْمِ يُعقِبُ الْمَكْرُوهَ غَدًا، وَمكْروهُ الْيَوْمِ يُعقِبُ المَحْبوبَ غَدًا، أَعْظَمُ الرِّبْحِ فِي الدُّنْيَا أَنْ تَشْغَلَ نَفسَكَ كُلَّ وَقتٍ بِمَا هُوَ أَوْلى بهَا وَأَنْفَعُ لَهَا فِي مَعَادِهَا». مَعَاشِرَ المُؤْمِنِينَ: إِنَّ حَالَ المُؤْمِنِ مَعَ هَذِهِ الدُّنيا كَحالِ الغَريبِ أَوْ عَابِرِ السَّبيلِ، يُوقِنُ بِأَنَّها دَارُ مَمَرٍّ وَليسَتْ بِدَارِ مَقَرٍّ، فَيتزَوَّدُ مِنْها مَا يَستطيعُ لِيُكمِلَ سَيرَهُ وَسَفَرَهُ للدَّارِ الآخِرَةِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: أَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ r بِمَنْكِبِي فَقَالَ: «كُنْ فِي الدُّنْيَا كَأَنَّكَ غَرِيبٌ أَوْ عَابِرُ سَبِيلٍ»، وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَقُولُ: إِذَا أَمْسَيْتَ فَلَا تَنْتَظِرْ الصَّبَاحَ وَإِذَا أَصْبَحْتَ فَلَا تَنْتَظِرْ الْمَسَاءَ وَخُذْ مِنْ صِحَّتِكَ لِمَرَضِكَ وَمِنْ حَيَاتِكَ لِمَوْتِكَ. [رواه البخاري]. وَقِيلَ لِمُحَمَّدِ بْنِ وَاسِعٍ رَحِمَهُ اللهُ : كَيْفَ أَصْبَحْتَ؟ قَالَ : مَا ظَنُّكَ بِرَجُلٍ يَرْتَحِلُ كُلَّ يَوْمٍ مَرْحَلَةً إِلَى الآخِرَة؟ وَقَالَ الْحسَنُ رَحِمَهُ اللهُ: إِنَّمَا أَنْتَ أَيَّامُ مَجْمُوعَةٌ، كُلَّمَا مَضَي يِوْمٌ مَضَى بَعْضُكَ. فَعليكَ أيُّها المُؤْمنُ بِالعَملِ فِيما يَنْفَعُ، فَكُلَّما ازددْتَ طَاعَةً ازدَدْتَ مِنَ اللهِ قُرْبًا وَمَحَبَّةً، وَمَنْ كَانَ اللهُ مَعَهُ فازَ بِخَيرَيِ الدُّنيا وَالآخِرةِ، قَالَ تَعَالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ . وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ. [الحشر:59]. أَقُولُ مَا تَسْمَعُونَ وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ العَظِيمَ لِي وَلَكُمْ مِنْ كُلِّ ذَنْبٍ فَاسْتَغْفِرُوهُ، إِنَّهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ.
  • الخطبة الثانية:
الحَمْدُ للهِ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى رَسُولِ اللهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَمَنِ اتَّبَعَ هُدَاهُ، وَأَشْهَدُ أَن لَّا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ. أَمَّا بَعْدُ: فَأُوصِيكُمْ وَنَفْسِي بِتَقْوَى اللهِ، فَمَنِ اتَّقَى اللهَ وَقَاهُ، وَنَصَرَهُ وَكَفَاهُ. عِبادَ اللهِ: إِنَّ مِنْ فَضْلِ اللهِ تَعالى عَلى عَبْدِهِ الَّذِي اعتادَ فِعْلَ الحسناتِ وَعَمَرَ وَقْتَهُ بِالطَّاعَاتِ، فَصُرِفَ عَنْها لِعُذْرٍ أَوْ مَرَضٍ؛ أَنْ يَكْتبَ اللهُ لَهُ أَجْرَهُ كَامِلاً كَمَا كَانَ، فَقَدْ رَوى البُخاريُّ عَنْ أَبي مُوسَى الأشْعَريِّ t قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ r: «إِذَا مَرِضَ الْعَبْدُ أَوْ سَافَرَ كُتِبَ لَهُ مِثْلُ مَا كَانَ يَعْمَلُ مُقِيمًا صَحِيحًا»؛ قال ابن حجَر رحمه الله تعالى: «وَهُوَ فِي حَقِّ مَنْ كَانَ يَعْملُ طَاعَةً فَمُنِعَ مِنْهَا وَكَانَتْ نِيَّتُهُ لَولا المانِعُ أَنْ يَدُومَ عَلَيهَا». وَعَلى المُؤْمِنِ أَنْ تَكُونَ طَاعَتُهُ وَعِبَادَتُهُ مَبنيَّةً عَلى الإخْلاصِ للهِ تعالى فَلا يَرْجُو إِلَّا اللهَ وَلَا يُريدُ إِلَّا وَجْهَهُ، وَأَنْ تَكُونَ عَلَى هَدْيِ رَسُولِ اللهِ r وَشَرْعِهِ، فَما كَانَ عَلَى غَيرِ ذَلِكَ كَانَ شِرْكًا أوْ بِدْعةً لَا يَقبلُها اللهُ تَعالَى مِنَ العَبْدِ، قَالَ تَعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا [الكهف:110]، فَعَلى المُؤْمِنِ أَنْ يَتَحرَّى وَيَسْأَلَ أَهْلَ العِلْمِ خُصُوصًا مَعَ انْتشارِ كَثيرٍ مِنَ الرَّسَائِلِ الَّتي فِيهَا الأَمْرُ بِعباداتٍ مَا أَنْزلَ اللهُ بِها مِنْ سُلطانٍ، أَوْ طَاعاتٍ مَبْنيَّةٍ عَلى أحاديثَ لَا تَصحُّ عَنْ رَسُولِ اللهِ r.