الجمعة أحكامها وآدابها
الجمعة أحكامها وآدابها
  | , 1433   |   طباعة الصفحة


  • خطبة بعنوان: الجمعة أحكامها وآدابها.
  • القاها: الشيخ الدكتور خالد بن ضحوي الظفيري حفظه الله تعالى.
  • المكان: خطبة في يوم 18 ربيع الأول- عام 1441هـ في مسجد السعيدي.

 
  • الخطبة الأولى:
إِنَّ الحَمْدَ لِلَّهِ، نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِاللهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَن لَّا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، )يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ( [آل عمران:102]، )يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا( [النساء:1]، )يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا( [الأحزاب:70-71]. أَمَّا بَعْدُ: فَإِنَّ خَيْـرَ الحَدِيثِ كِتَابُ اللهِ تَعَالَى، وَخَيْرَ الْهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَشَرَّ الأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، وَكُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ، وَكُلَّ ضَلَالَةٍ فِي النَّارِ. عِبَادَ اللهِ: إِنَّ اللهَ تَعَالَى لِحِكْمَتِهِ فَضَّلَ بَعْضَ الأَنْبِيَاءِ وَالرُّسُلِ عَلَى بَعْضٍ، وَمَيَّزَ بَعْضَ الْأَمَاكِنِ وَالأَيَّامِ عَلَى بَعْضٍ، وَمِنَ الْأَيَّامِ الَّتِي فَضَّلَهَا اللهُ تَعَالَى يَوْمُ الْجُمُعَةِ، حَيْثُ فَضَّلَهُ عَلَى أَيَّامِ الْأُسْبُوعِ؛ فَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: »خَيْرُ يَوْمٍ طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ يَوْمُ الْجُمُعَةِ؛ فِيهِ خُلِقَ آدَمُ، وَفِيهِ أُدْخِلَ الْجَنَّةَ، وَفِيهِ أُخْرِجَ مِنْهَا، وَلَا تَقُومُ السَّاعَةُ إِلَّا فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ « [رَوَاهُ مُسْلِمٌ]. وَيَوْمُ الْجُمُعَةِ يَوْمٌ عَظِيمٌ، خَصَّ اللهُ تَعَالَى بِهِ هَذِهِ الْأُمَّةَ، فَدَلَّهَا عَلَيْهِ وَأَضَلَّ عَنْهُ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى؛ فَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: »أَضَلَّ اللَّهُ عَنِ الْجُمُعَةِ مَنْ كَانَ قَبْلَنَا، فَكَانَ لِلْيَهُودِ يَوْمُ السَّبْتِ، وَكَانَ لِلنَّصَارَى يَوْمُ الْأَحَدِ، فَجَاءَ اللَّهُ بِنَا، فَهَدَانَا اللَّهُ لِيَوْمِ الْجُمُعَةِ، فَجَعَلَ الْجُمُعَةَ وَالسَّبْتَ وَالْأَحَدَ، وَكَذَلِكَ هُمْ تَبَعٌ لَنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ، نَحْنُ الْآخِرُونَ مِنْ أَهْلِ الدُّنْيَا، وَالْأَوَّلُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، الْمَقْضِيُّ لَهُمْ قَبْلَ الْخَلَائِقِ « [رَوَاهُ مُسْلِمٌ]. وَهُوَ يَوْمُ عِيدٍ لِلْمُسْلِمِينَ؛ كَمَا جَاءَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: »إِنَّ هَذَا يَوْمُ عِيدٍ؛ جَعَلَهُ اللَّهُ لِلْمُسْلِمِينَ، فَمَنْ جَاءَ إِلَى الْجُمُعَةِ فَلْيَغْتَسِلْ، وَإِنْ كَانَ طِيبٌ فَلْيَمَسَّ مِنْهُ، وَعَلَيْكُمْ بِالسِّوَاكِ« [رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَحَسَّنَهُ الْأَلْبَانِيُّ]. أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ: لَقَدِ اجْتَمَعَ فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ مِنَ الْخَصَائِصِ وَالْفَضَائِلِ مَا لَمْ يَجْتَمِعْ فِي غَيْرِهِ مِنَ الْأَيَّامِ، مِنْهَا: أَنَّهُ يَوْمٌ تُكَفَّرُ فِيهِ السَّيِّئَاتُ؛ فَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَقُولُ: »الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ، وَالْجُمُعَةُ إِلَى الْجُمُعَةِ، وَرَمَضَانُ إِلَى رَمَضَانَ، مُكَفِّرَاتٌ مَا بَيْنَهُنَّ إِذَا اجْتَنَبَ الْكَبَائِرَ « [رَوَاهُ مُسْلِمٌ]. وَمِنْ خَصَائِصِهِ: أَنَّ فِيهِ سَاعَةً يُسْتَجَابُ فِيهَا الدُّعَاءُ؛ فَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَكَرَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فَقَالَ: »فِيهِ سَاعَةٌ لَا يُوَافِقُهَا عَبْدٌ مُسْلِمٌ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي يَسْأَلُ اللَّهَ تَعَالَى شَيْئًا إِلَّا أَعْطَاهُ إِيَّاهُ، وَأَشَارَ بِيَدِهِ يُقَلِّلُهَا« [رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ]. وَهَذِهِ السَّاعَةُ- فِي قَوْلِ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ- هِيَ آخِرُ سَاعَةٍ بَعْدَ الْعَصْرِ، كَمَا فِي حَدِيثِ جَابِرِ بْنِ عَبْدِاللَّهِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا، عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: »يَوْمُ الْجُمُعَةِ ثِنْتَا عَشْرَةَ -يُرِيدُ سَاعَةً- لَا يُوجَدُ مُسْلِمٌ يَسْأَلُ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ شَيْئًا؛ إِلَّا أَتَاهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ، فَالْتَمِسُوهَا آخِرَ سَاعَةٍ بَعْدَ الْعَصْرِ « [رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ وَصَحَّحَهُ الْمُنْذِرِيُّ]. وَمِنْ فَضَائِلِهِ كَذَلِكَ: أَنَّ لِلْمَاشِي إِلَى صَلَاتِهَا بِكُلِّ خُطْوَةٍ أَجْرَ سَنَةٍ صِيَامِهَا وَقِيَامِهَا؛ فَعَنْ أَوْسِ بْنِ أَوْسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: »مَنْ غَسَّلَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَاغْتَسَلَ، ثُمَّ بَكَّرَ وَابْتَكَرَ، وَمَشَى وَلَمْ يَرْكَبْ، وَدَنَا مِنَ الْإِمَامِ فَاسْتَمَعَ وَلَمْ يَلْغُ؛ كَانَ لَهُ بِكُلِّ خُطْوَةٍ عَمَلُ سَنَةٍ، أَجْرُ صِيَامِهَا وَقِيَامِهَا « [رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ، وَابْنُ مَاجَهْ وَصَحَّحَهُ الْبَغَوِيُّ]. عِبَادَ اللهِ: إِنَّ لِيَوْمِ الْجُمُعَةِ سُنَنًا وَآدَابًا يَنْبَغِي لِلْمُسْلِمِ أَنْ يَحْرِصَ عَلَيْهَا، مِنْهَا: الِاغْتِسَالُ وَارْتِدَاءُ أَفْضَلِ الثِّيَابِ مَعَ الطِّيبِ؛ فَعَنْ سَلْمَانَ الْفَارِسِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: »لَا يَغْتَسِلُ رَجُلٌ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَيَتَطَهَّرُ مَا اسْتَطَاعَ مِنْ طُهْرٍ، وَيَدَّهِنُ مِنْ دُهْنِهِ، أَوْ يَمَسُّ مِنْ طِيبِ بَيْتِهِ، ثُمَّ يَخْرُجُ فَلَا يُفَرِّقُ بَيْنَ اثْنَيْنِ، ثُمَّ يُصَلِّي مَا كُتِبَ لَهُ، ثُمَّ يُنْصِتُ إِذَا تَكَلَّمَ الْإِمَامُ - إِلَّا غُفِرَ لَهُ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجُمُعَةِ الْأُخْرَى « [رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ]. وَمِنْ آدَابِ الْجُمُعَةِ كَذَلِكَ: الذَّهَابُ مُبَكِّرًا إِلَى الْمَسْجِدِ؛ فَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: »مَنِ اغْتَسَلَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ غُسْلَ الْجَنَابَةِ ثُمَّ رَاحَ، فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَدَنَةً، وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الثَّانِيَةِ فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَقَرَةً، وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الثَّالِثَةِ فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ كَبْشًا أَقْرَنَ، وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الرَّابِعَةِ فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ دَجَاجَةً، وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الْخَامِسَةِ فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَيْضَةً، فَإِذَا خَرَجَ الْإِمَامُ حَضَرَتِ الْمَلَائِكَةُ يَسْتَمِعُونَ الذِّكْرَ« [رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ]. وَمِنْ سُنَنِ الْجُمُعَةِ أَيْضًا: قِرَاءَةُ سُورَةِ الْكَهْفِ؛ فَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: »مَنْ قَرَأَ سُورَةَ الْكَهْفِ فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ، أَضَاءَ لَهُ مِنَ النُّورِ مَا بَيْنَ الْجُمُعَتَيْنِ« [رَوَاهُ الْحَاكِمُ وَالْبَيْهَقِيُّ وَصَحَّحَهُ الْأَلْبَانِيُّ]. وَمِنْ سُنَنِهَا: إكْثَارُ الصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ، وَيَوْمَهَا؛ فَعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: »أَكْثِرُو الصَّلَاةَ عَلَيِّ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَلَيْلَةَ الْجُمُعَةِ، فَمْنَ صَلَّى عَلَيَّ صَلَاةً صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ عَشْرًا« [رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ وَحَسَّنَهُ الْأَلْبَانِيُّ]. أَقُولُ مَا تَسْمَعُونَ، وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ العَظِيمَ لِي وَلَكُمْ مِنْ كُلِّ ذَنْبٍ، فَاسْتَغْفِرُوهُ إِنَّهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ.
  • الخطبة الثانية:
الْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى إِحْسَانِهِ، وَالشُّكْرُ لَهُ عَلَى تَوْفِيقِهِ وَامْتِنَانِهِ، وَأَشْهَدُ أَن لَّا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَمَنْ سَارَ عَلَى نَهْجِهِ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ. أَمَّا بَعْدُ: فَأُوصِيكُمْ -عِبَادَ اللهِ- وَنَفْسِي بِتَقْوَى اللهِ؛ فَهِيَ وَصِيَّتُهُ لِلْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ، فَمَنِ اتَّقَاهُ وَقَاهُ، وَمَنْ تَوَكَّلَ عَلَيْهِ كَفَاهُ. أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ: إِنَّ لِيَوْمِ الْجُمُعَةِ أَحْكَامًا يَنْبَغِي عَلَى الْمُسْلِمِ تَعَلُّمُهَا، مِنْهَا: أَنَّ صَلَاةَ الْجُمُعَةِ تَجِبُ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ ذَكَرٍ، حُرٍّ، بَالِغٍ، عَاقِلٍ، مُقِيمٍ، قَادِرٍ عَلَى الذَّهَابِ إِلَى الْمَسْجِدِ ؛ قَالَ اللهُ تَعَالَی: )يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ( [الجمعة:9]. وَقَدْ جَاءَ الْوَعِيدُ الشَّدِيدُ لِمَنْ تَرَكَ الْجُمُعَةَ، وَتَكَرَّرَ مِنْهُ ذَلِكَ ثَلَاثًا بِأَنَّهُ يُطْبَعُ عَلَى قَلْبِهِ؛ فَعَنْ عَبْدِاللَّهِ بْنِ عُمَرَ وَأَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ: أَنَّهُمَا سَمِعَا رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ عَلَى أَعْوَادِ مِنْبَرِهِ: »لَيَنْتَهِيَنَّ أَقْوَامٌ عَنْ وَدْعِهِمُ الْجُمُعَاتِ أَوْ لَيَخْتِمَنَّ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ، ثُمَّ لَيَكُونُنَّ مِنَ الْغَافِلِينَ «[رَوَاهُ مُسْلِمٌ]. وَمِنْ أَحْكَامِهَا كَذَلِكَ: كَرَاهِيَةُ تَخَطِّي النَّاسِ فِي الْمَسْجِدِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ بِدُونِ عُذْرٍ؛ فَقَدْ جَاءَ رَجُلٌ يَتَخَطَّى رِقَابَ النَّاسِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَخْطُبُ فَقَالَ لَهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: »اجْلِسْ فَقَدْ آذَيْتَ وَآنَيْتَ «[يَعْنِي: تَأَخَّرْتَ] [رَوَاهُ أَحْمَدُ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِاللَّهِ بْنِ بُسْرٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ وَصَحَّحَهُ النَّوَوِيُّ]. وَمِنَ الْأُمُورِ الْمُهِمَّةِ فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ –يَا عِبَادَ اللهِ- وُجُوبُ الِاسْتِمَاعِ لِلْخُطْبَةِ وَالِامْتِنَاعِ عَنِ الْكَلَامِ وَلَوْ كَانَ الْكَلَامُ وَاجِبًا كَالْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ، وَعَدَمُ الِانْشِغَالِ بِشَيْءٍ أَثْنَاءَهَا؛ فَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: »إِذَا قُلْتَ لِصَاحِبِكَ أَنْصِتْ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ فَقَدْ لَغَوْتَ « [رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ]. وَمَنْ دَخَلَ أَثْنَاءَ الْأَذَانِ الثَّانِي يَشْرَعُ فِي تَحِيَّةِ الْمَسْجِدِ وَلَا يَنْتَظِرُ فَرَاغَ الْأَذَانِ؛ فَالِاسْتِمَاعُ لِلْخُطْبَةِ آكَدُ مِنْ مُتَابَعَةِ الْمُؤَذِّنِ. وَإِذَا دَخَلَ أَثْنَاءَهَا يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ؛ فَقَدْ دَخَلَ رَجُلٌ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَخْطُبُ فَقَالَ: »أَصَلَّيْتَ؟ قَالَ: لَا، قَالَ: قُمْ فَارْكَعْ رَكْعَتَيْنِ «[مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ]. وَاعْلَمُوا -رَحِمَكُمُ اللهُ- أَنَّ لِلْمُسْلِمِ أَنْ يُصَلِّيَ مَا شَاءَ قَبْلَ خُرُوجِ الْإِمَامِ لِلْخُطْبَةِ؛ فَفِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: »..... فَصَلَّى مَا كُتِبَ لَهُ، ثُمَّ إِذَا خَرَجَ الْإِمَامُ أَنْصَتَ« ]رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ [. وَأَمَّا بَعْدَهَا فَالسُّنَّةُ أَنْ يُصَلِّيَ رَكْعَتَيْنِ أَوْ أَرْبَعًا؛ فَفِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا: (أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ لَا يُصَلِّي بَعْدَ الْجُمُعَةِ حَتَّى يَنْصَرِفَ فَيُصَلِّيَ رَكَعَتَيْنِ فِي بَيْتِهِ) [رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ[. وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: »إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمُ الْجُمُعَةَ فَلْيُصَلِّ بَعْدَهَا أَرْبَعًا « [رَوَاهُ مُسْلِمٌ]. اللَّهُمَّ صَلِّ وسَلِّمْ عَلَى عَبْدِكَ ورَسُولِكَ مُحَمَّدٍ، وَارْضَ اللَّهُمَّ عَنِ الخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ وَالأَئِمَّةِ المَهْدِيِّينَ: أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ وَعَلِيٍّ، وَعَنْ سَائِرِ الصَّحَابَةِ أَجْمَعِينَ، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِلْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ؛ الأَحْيَاءِ مِنْهُمْ وَالأَمْوَاتِ، إِنَّكَ قَرِيبٌ سَمِيعٌ مُجِيبُ الدَّعَوَاتِ، اللَّهُمَّ أَعِزَّ الإِسْلَامَ وَالْمُسْلِمِينَ، وَأَذِلَّ الشِّرْكَ وَالْمُشْرِكِينَ، وَانْصُرْ عِبَادَكَ الْمُوَحِّدِينَ، وَاصْرِفْ عَنَّا كُلَّ شَرٍّ وَسُوءٍ فِي الدُّنْيَا وَالدِّينِ، اللَّهُمَّ وَفِّقْ أَمِيرَنَا وَوَلِيَّ عَهْدِهِ لِمَا تُحِبُّ وَتَرْضَى، وَخُذْ بِنَوَاصِيهِمَا لِلْبِرِّ وَالتَّقْوَى، وَأَلْبِسْهُمَا لِبَاسَ الصِّحَّةِ وَالْعَافِيَةِ، وَارْزُقْهُمَا الْبِطَانَةَ الصَّالِحَةَ الَّتِي تَدُلُّهُمَا عَلَى الخَيْرِ وَتُعِينُهُمَا عَلَيْهِ، وَنَسْأَلُكَ اللَّهُمَّ مُوجِبَاتِ رَحْمَتِكَ، وَعَزَائِمَ مَغْفِرَتِكَ، وَالسَّلَامَةَ مِنْ كُلِّ إِثْمٍ، وَالغَنِيمَةَ مِنْ كُلِّ بِرٍّ، وَالفَوْزَ بِالْـجَنَّةِ وَالنَّجَاةَ مِنَ النَّارِ. اللَّهُمَّ وَاجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِناً مُطْمَئِنًّا، سَخَاءً رَخَاءً، دَارَ عَدْلٍ وَإِيمَانٍ، وَأَمْنٍ وَأَمَانٍ، وَسَائِرَ بِلَادِ الْمُسْلِمِينَ، وَآخِرُ دَعْوَانَا أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.