فضائل عثمان ذو النورين رضي الله عنه
فضائل عثمان ذو النورين رضي الله عنه
  | ,, 800   |   طباعة الصفحة


  • خطبة الجمعة بعنوان : فضائل عثمان ذو النورين رضي الله عنه.
  • القاها: الشيخ الدكتور خالد بن ضحوي الظفيري حفظه الله تعالى.
  • المكان: خطبة جمعة في يوم 7 ربيع الأول - عام 1434هـ في مسجد السعيدي.

   
  • الخطبة الأولى:
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، ما بعد:- فإن أصدق الحديث كلام الله، وخير الهدي هدي محمد -صلى الله عليه وسلم- وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، أما بعد:- عباد الله، فمازلنا في رحاب صحابة رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، نستعرض فضائلهم الجمة، ومناقبهم العديدة، فها نحن اليوم نقف مع فضائل الخليفة الراشد عثمان بن عفان -رضي الله عنه-، فإن ذكر الصالحين حياةٌ للقلوب، وشحذ للهمم، ودعوة إلى الاقتداء بهم، ونعم القدوة أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم-. إن عثمان -رضي الله عنه- قد جمع الله له من الفضائل، والمزايا، والخصائل ما أهلته .... بفضل الله؛ لأن يكون ثالث خلفاء لهذه الأمة في الفضل، والمنزلة بعد نبينا -صلى الله عليه وسلم- دون منازع، وحسبك أن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان يسمع أصحابه يقولون: «أفضل هذه الأمة بعد نبينا أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان» فيقرهم ولا ينكر عليهم، وهو أفضل الصحابة بعد أبي بكر الصديق، وبعد عمر الفاروق. فمن أخبار هذا الرجل، الصالح ومآثره، إن عند عثمان أولا تربط بينه وبين النبي -صلى الله عليه وسلم- أواصر القربى، والمصاهرة، فيجتمع مع النبي -صلى الله عليه وسلم- من جهة الأب في عبد مناف، وهو الجد الثالث للنبي -صلى الله عليه وسلم-، وأما من جهة الأم، فأمه حفيدة عبد المطلب بنت بنته، فما دل على هذه القرابة القريبة لنبي هذه الأمة بأن تفضل الله عليه، فكان صهرًا للنبي -صلى الله عليه وسلم-، فزوجه أولًا رقية رضي الله عنها، فلما ماتت بعد بدرٍ، زوجه أختها أم كلثوم، وقد نص بعض السلف أنه لم يتفق لأحد أن نكح ابنتي نبي غير عثمان رضي الله عنه. وأما عن إسلامه، فقد كان من السابقين الأولين إلى الإسلام، أسلم على يد أبي بكر في أول من أسلم، فنال شرف الدخول في قول الله تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾  [التوبة: 100]. وكان من المهاجرين الأولين، هاجر إلى الحبشة مرتين مع امرأته رقية بنت رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، بعد أن أذاه المشركون، ثم هاجر إلى المدنية فكان له النصيب الأوفى من قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (41) الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾  [النحل: 41، 42]. ومن فضل الله عليه أن الله كتب له أجر حضور بدرٍ مع كونه لم يشهدها، وذلك أنه تخلف عنها؛ لانشغاله بتمريض زوجته رقية بنت النبي -صلى الله عليه وسلم-، وكانت في مرض الموت ثبت في صحيح البخاري عن ابن عمر، أن النبي -صلى الله عليه وسلم-، قال: «إن لك أجر من شهد بدرا وسهمه، وأهل بدر كلهم في الجنة، وأهل بدر أطلع الله عليه فقال اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم». ومن فضل الله عليه، أن كتب له فضل بيعة الرضوان مع كونه لم يبايع بنفسه بل بايع عنه النبي -صلى الله عليه وسلم-، فقد كان في مكة وقتها، وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: «هذه يد عثمان» يعني يده اليمنى «فضرب بها يده الأخرى» فكان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لعثمان خيرًا من يدي عثمان بنفسه، ومن فضل أهل بيعة الرضوان، أنه لا يدخل النار أحد منهم، وقد أنزل الله عليهم رضاه، وقال: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا ﴾  [الفتح: 18]. ومن فضائله رضي الله عنه، أن الله قد بسط له في الرزق، فسخرها له في خدمة هذا الدين، ونصرة ربه، ونصرة سيد المرسلين -صلى الله عليه وسلم- يبتغي ما عند الله، فما عند الله خير وأبقى. ومن جهاده بالمال، أنه جهز جيش العسرة بماله، وكان النبي -صلى الله عليه وسلم- فقد قال: «من جهز جيش العسرة فله الجنة» أخرجه البخاري، وفي غير الصحيح "أنه جهزه بثلاثمائة بعير، وبعشرة الألف درهم" رواه أحمد وغيره  وكانت بالمدنية بئر عذبة الماء يقال لها بئر رومة في نفر من اليهود فكان يبيع الماء على الناس، فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: «من يشتري بئر رومة فيكون دلوهُ فيها كدلاء المسلمين وله الجنة» فاشتراها عثمان رضي الله عنه، وجعلها للمسلمين. وشهد له النبي -صلى الله عليه وسلم- بالجنة وبالشهادة، فقد صعد النبي -صلى الله عليه وسلم- جبل أحد، ومعه أبو بكر وعمر وعثمان فرجف الجبل، فقال له النبي -صلى الله عليه وسلم-: «أسكن أحد فإننا عليك نبي وصديق وشهيدان» رواه البخاري، وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: «عثمان في الجنة» رواه أبو داود، وغيره من حديث سعيد بن زيد رضي الله عنه. ومن عظيم سجاياه، وجميل أخلاقه أنه كان من أشد الناس حياءً، وفي هذا يقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: «إن عثمان حييٌ ستيرٌ تستحي منه الملائكة»، وفي صحيح مسلم، أن عائشة رضي الله عنها قالت: كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- مضطجعًا في بيتي كاشفًا عن فخذيه أو ساقيه فستأذن أبو بكر فأذن له وهو على تلك الحال، فتحدث، ثم استأذن عمر فأذن له وهو كذلك فتحدث، ثم استأذن عثمان فجلس رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وسوى ثيابه فدخل عثمان فتحدث، فلما خرج قالت عائشة: دخل أبو بكر فلم تهتش له ولم تباله، ثم دخل عمر فلن تهتش له ولم تباله، فإذا تغير هيئتك لما دخل عثمان، فجلست وسويت ثيابك، فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: «ألا أستحي من رجل تستحي من الملائكة» رضي الله عن عثمان، وجزاه عن الإسلام وأهله خير الجزاء. أقول هذا القول، واستغفر الله لي ولكم من كل ذنب، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.  
  • الخطبة الثانية:
الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله، وعلى أله وصحبه ومن اتبع هداه، أما بعد:- عباد الله، فإنه بعد استشهاد عمر رضي الله عنه اختار المهاجرون والأنصار عثمان بن عفان، أميرًا للمؤمنين، ولو كان يتقدمه أحد في قلوبهم لاختاروه فمن طعن في خلافته فقد خالف سبيل المؤمنين، وسار في الناس سيرة العدل والتقى والصلاح، والرحمة والعزم، وازدادت الفتوحات الإسلامية في زمنه، واتسعت رقعة الخلافة الإسلامية اتساعًا كبيرًا، وحصل للمسلمين من سعة العيش، والرفاهية، والأمن والمودة فيما بينهم شيء عظيم، وفي ذلك يقول الحسن البصري رحمه الله: شهدت منادي عثمان ينادي: يا أيها الناس، اغدوا على كسوتكم فيأخذون الْحُلَل، واغدوا على السمن والعسل. قال الحسن: أرزاق دارَّة، وخير كثير، وذات بين حسن، ما على الأرض مؤمن يخاف مؤمنا إلا يوده وينصره ويألفه. ولم ترق هذه العزة الإسلامية، والخلافة الراشدةُ العثمانية لأعداء الإسلام، فكادوا ومكروا وشوهوا سمعة عثمان -رضي الله عنه-، وأوغروا صدور الغرباء والعامة، بالعدوان عليه فاجتمع عدة ألوف منهم في المدينة وحاصروا عثمان في داره يطلبون منه التنحي عن منصب الخلافة، والرحيل عن سُدة الحكم، وضيقوا عليه الخناق حتى منعوه من شهود الجماعة، ثم منعوا عنه الماء وهو الذي سقى المسلمين من بئر رومة، وأصر على أنصاره من رعيته من الصحابة أن يضعوا سيوفهم ويلزموا بيوتهم لا يريد أن يراق دم مسلم بسببه،  وقد علم أنها الفتنة التي أخبرهُ بها النبي   -صلى الله عليه وسلم-، فإنه لما استأذن عثمان على النبي -صلى الله عليه وسلم- في الحائط قال لأبي موسى: «ائذن له وبشره بالجنة على بلوى ستصيبه» وأمرهم بالصبر عليها حتى يلحق به عليه الصلاة والسلام. ثم بلغ بهم الخبث مبلغه فتسوروا عليه الدار، وذبحوه فخر شهيدا مضطردا بدمه وهو يقرأ القرآن رحمه الله ورضي عنه، فكانت تلك أول مظاهرة في الإسلام على ولي الأمر، وأول خروج  بالقوة والسلاح، فكان من مفاسدها مقتل عثمان رضي الله عنه، وحصل بسبب ذلك من الفرقة والخلاف ما هو باق إلى يومنا هذا. مات عثمان رضي الله عنه شهيدا، ضاربا للأمة مثالًا عظيما في الصبر والاحتساب، وتعظيم حرمة دماء المسلمين، وكما أوذي في حياته رضي الله عنه فإنه يوم يؤذى في مماته بما شاع عنه مقالة السوء وأطراف السوء تصدر من قلوب خبيثة، وألسن سفيهة، وأقلام حاقدة، وأفكار فاسدة، وأي فساد وانتكاس أعظم من أن يكون المرء من يمدحه الله ورسوله، وأن يبغض من يحبه الله ورسوله، وأن يقدح فيمن يزكيه الله ورسوله. نسأل الله أن يرزقنا حبه، وحب نبيه -صلى الله عليه وسلم-، وحب الصحابة أجمعين، اللهم أحشرنا برحمتك معهم، اللهم أحشرنا برحمتك معهم، وألحقنا بهم يا رب العالمين، اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات، والمسلمين والمسلمات، الأحياء منهم والأموات، ربنا أتنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار، اللهم أعن إخواننا في سوريا، اللهم أعن إخواننا في سوريا، اللهم أعن إخواننا في سوريا، اللهم أطعم جائعهم واكسوا عاريهم ، اللهم انصرهم، برحمتك يا رب العالمين، اللهم إنا نسألك العفو والعافية في الدنيا والأخرة، والحمد لله رب العالمين.