الحج أقبل ، أيها العابدون
الحج أقبل ، أيها العابدون
  | , 2209   |   طباعة الصفحة


  • العنوان: الحج أقبل ، أيها العابدون.
  • القاها: الشيخ الدكتور خالد بن ضحوي الظفيري حفظه الله تعالى.
  •  المكان: خطبة جمعة ألقاها 16 ذو القعدة عام 1437هـ في مسجد السعيدي بالجهراء، ونقلت مباشراً على إذاعة موقع ميراث الأنبياء.

   
  • الخطبة الأولى:
إن الحمد لله نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يُضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله أما بعد،،، فإن أصدق الحديث كلام الله، وخير الهدي هدي محمدٍ -صلى الله عليه وسلم-، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثةٍ بدعة، وكل بدعةٍ ضلالة، وكل ضلالةٍ في النار أما بعد،، فإن من رحمة الله –تعالى- بالعباد أن يقلبهم في مواسم الطاعات، كلما انقضى موسمٌ من مواسم الخير؛ جاء موسمٌ آخر، ترفع فيه الدرجات، وتكفَّر فيه السيئات، وإن من مواسم الخير -التي نحن على أبوابها-: حج بيت الله الحرام، فإن الحج إلى البيت الحرام من أفضل العبادات، وأجل القربات، جعله الله ركنًا من أركان دينه، وفرضه عليهم في العمر مرةً واحدة، وندبهم إلى الزيادة والاستكثار بعد ذلك. قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾[آل عمران:97]  أي: يجب على الناس حج البيت؛ من كان مستطيعًا منهم ببدنه وماله، يجد الزاد والراحلة، ثم نبَّه عباده إلى أنه إنما شرع الحج؛ لمصلحة العباد أنفسهم، فإن الله لا تنفعه طاعة طائعٍ، كما لا تضره معصية عاصٍ؛ ولذا قال –سبحانه-:﴿وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾[آل عمران:97]. عباد الله، إن الحج من أفضل القربات التي يتقرب بها المسلم إلى ربه، فإنه من أسباب دخول الجنات، وتكفير السيئات، قال –صلى الله عليه وسلم-: «الْعُمْرَةُ إِلَى الْعُمْرَةِ كَفَّارَةٌ لِمَا بَيْنَهُمَا، وَالْحَجُّ الْمَبْرُورُ لَيْسَ لَهُ جَزَاءٌ إِلا الْجَنَّةُ» وقال –صلى الله عليه وسلم-: «مَنْ حَجَّ الْبَيْتَ، فَلَمْ يَرْفُثْ، وَلَمْ يَفْسُقْ، رَجَعَ كَمَا وَلَدَتْهُ أُمُّهُ» فضلٌ عظيم يرجع العبد سليمًا من الخطايا معافًا من السيئات نقيًا من الآثام. وسئل النبي –صلى الله عليه وسلم- أي العمل أفضل فقال: «إِيمَانٌ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ قِيلَ: ثُمَّ مَاذَا؟ قَالَ: الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ قِيلَ: ثُمَّ مَاذَا؟ قَالَ: حَجٌّ مَبْرُورٌ»، وقال –صلى الله عليه وسلم- لعمرو بن العاص –رضي الله عنه-: «أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ الْإِسْلَامَ يَهْدِمُ مَا كَانَ قَبْلَهُ وَأَنَّ الْهِجْرَةَ تَهْدِمُ مَا كَانَ قَبْلِهَا وَأَنَّ الْحَجَّ يَهْدِمُ مَا كَانَ قَبْلَهُ» أي: يهدم السيئات والذنوب. ولما استئذنت عائشة –رضي الله تعالى عنها رسول الله –صلى الله عليه وسلم- في الجهاد قال لها: «لَا، لَكِنَّ أَفْضَلَ الْجِهَادِ حَجٌّ مَبْرُورٌ». وعن عبدالله بن مسعودٍ –رضي الله عنه- قال: قال رسول الله –صلى الله عليه وسلم-: «تَابِعُوا بَيْنَ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ، فَإِنَّهُمَا يَنْفِيَانِ الْفَقْرَ وَالذُّنُوبَ، كَمَا يَنْفِي الْكِيرُ خَبَثَ الْحَدِيدِ وَالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، وَلَيْسَ لِلْحَجَّةِ الْمَبْرُورَةِ ثَوَابٌ إِلَّا الْجَنَّةُ» فالحج لما فيه من المشقة، وعظم الثواب والجزاء؛ كان جهادًا في سبيل الله –تعالى-.عن ابن عمر –رضي الله عنهما- عن النبي –صلى الله عليه وسلم- أنه قال: «الْغَازِي فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَالْحَاجُّ وَالْمُعْتَمِرُ وَفْدُ اللَّهِ، دَعَاهُمْ فَأَجَابُوهُ، وَسَأَلُوهُ فَأَعْطَاهُمْ». فعلى العبد أن يحرص أن يكون من وفد الله -وكفى بذلك شرفًا وفضلًا-، ومن مات في إحرامه؛ بعثه الله يوم القيامة ملبيًا. فعن ابن عباسٍ –رضي الله عنهما- قال: بَيْنَمَا رَجُلٌ وَاقِفٌ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بِعَرَفَةَ إِذْ وَقَعَ عَنْ رَاحِلَتِهِ فَأَقْصَعَتْهُ -أي فقتلته في الحال- فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: «اغْسِلُوهُ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ، وَكَفِّنُوهُ بِثَوْبَيْهِ، وَلاَ تُخَمِّرُوا رَأْسَهُ، وَلاَ تُحَنِّطُوهُ، فَإِنَّ اللَّهَ يَبْعَثُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مُلَبِّيًا» فهنيئًا لمن أعد العدة للحج والعمرة، مخلصًا لله في نيته، مقتفيًا هدي النبي –صلى الله عليه وسلم- وسنته؛ لينال الرجوع بذنبٍ مغفور، وحجٍ مبرور، وسعيٍ مشكور، وتجارةٍ لا تبور. بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقول ما تسمعون، وأستغفر الله العظيم لي ولكم من كل ذنبٍ، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.  
  • الخطبة الثانية:
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن اتبع هداه، أما بعد،،، عباد الله، فإن الله –تعالى- قد فرض على عباده أن يحجوا بيته الحرام في العمر مرةً واحدة، كما قال –صلى الله عليه وسلم-: «الْحَجُّ مَرَّةً، فَمَنْ زَادَ فَهُوَ تَطَوُّعٌ»، وهذا من رحمة الله ولطفه بعباده؛ فإن الحج فيه مشقةٌ بالغة، ولاسيما لمن كان يسكن في البلاد البعيدة، فمن توفرت فيه شروط الوجوب فعليه أن يبادر إليه ولا يؤخره من غير عذرٍ. قال –صلى الله عليه وسلم-: «تَعَجَّـلُوا إلَى الْـحَجِّ، فَـإنَّ أَحَدَكُمْ لَا يَدْرِي مَا يَعْرِضُ لَهُ». كثيرٌ من الناس يتكاسل عن الحج؛ بحجة غلاء الحملات، أو التسويف، أو غير ذلك، وتجده قد جمع من الأموال الكثير، بل أخذ حتى من القروض؛ ليسافر للعب واللهو، وقضاء الأعمار فيما لا ينفع بل فيما يضر، ولا يحسب للحج حسابًا، فإذا جاء وقته قال: ليس لدي مالٌ؛ بل الصحيح: أنه ليس لديه نيةٌ وحرصٌ على قضاء فرضه. فالحج –عباد الله- على الأبواب؛ فاحرصوا على أداء هذه الفريضة، وكسب الأجور العظيمة، وأما من كان فعلًا غير قادرٍ؛ سواءً ماليًا، أو ليس لديه جوازٌ، أو غير ذلك، وقلبه يتقطع حزنًا على الحج وينوي -متى ما حصلت الفرصة- قضى حجه فله –إن شاء الله- أجر الحج وهو في بيت أهله. وإن من الأحاديث الجامعة التي فيها فضائل الحج: ما جاء في حديث عن ابن عمر، قال: كُنْتُ جَاْلِسًا مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي مَسْجِدِ مِنًى فَأَتَاهُ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ وَرَجُلٌ مِنْ ثَقِيفٍ  فَسَلَّمَا، ثُمَّ قَالا: يَا رَسُولَ اللَّهِ جِئْنَا نَسْأَلُكَ، فَقَالَ: «إِنْ شِئْتُمَا أَخْبَرْتُكُمَا بِمَا جِئْتُمَا تَسْأَلانِي عَنْهُ فَعَلْتُ، وَإِنْ شِئْتُمَا أَنْ أُمْسِكَ وَتَسْأَلانِي فَعَلْتُ». فَقَالا: أَخْبِرْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَالَ الثَّقَفِيُّ للأَنْصَارِيُّ: سَلْ، فَقَالَ: أَخْبَرْنِي يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ: «جِئْتَنِي تَسْأَلُنِي عَنْ مَخْرَجِكَ مِنْ بَيْتِكَ تَؤُمُّ الْبَيْتَ الْحَرَامَ وَمَا لَكَ فِيهِ، وَعَنْ رَكْعَتَيْكِ بَعْدَ الطَّوَافِ وَمَا لَكَ فِيهِمَا، وَعَنْ طَوَافِكَ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ وَمَا لَكَ فِيهِ، وَوَقُوفِكَ عَشِيَّةَ عَرَفَةَ وَمَا لَكَ فِيهِ، وَعَنْ رَمْيِكَ الْجِمَارِ وَمَا لَكَ فِيهِ، وَعَنْ نَحْرِكَ وَمَا لَكَ فِيهِ، مَعَ الإِفَاضَةِ» فَقَالَ: وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ، عَنْ هَذَا جِئْتُ أَسْأَلُكَ، قَالَ: «فَإِنَّكَ  إِذَا خَرَجْتَ مِنْ بَيْتِكَ تَؤُمُّ الْبَيْتَ الْحَرَامَ لا تَضَعْ نَاقَتُكَ خُفًّا وَلا تَرْفَعُهُ إِلا كَتَبَ اللَّهُ لَكَ بِهِ حَسَنَةً، وَمَحَا عَنْكَ خَطِيئَةً، وَأَمَّا رَكْعَتَاكَ بَعْدَ الطَّوَافِ  كَعِتْقِ رَقَبَةٍ مِنْ بَنِي إِسْمَاعِيلَ، وَأَمَّا طَوَافُكَ بِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ بَعْدَ ذَلِكَ كَعِتْقِ سَبْعِينَ رَقَبَةً، وَأَمَّا وُقُوفُكَ عَشِيَّةَ عَرَفَةَ، فَإِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى يَهْبِطُ إِلَى سَمَاءِ الدُّنْيَا فَيُبَاهِي بِكُمُ الْمَلائِكَةَ. يَقُولُ: عِبَادِي جَاءُونِي شُعْثًا مِنْ كِلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ يَرْجُونَ جَنَّتِي، فَلَوْ كَانَتْ ذُنُوبُكُمْ كَعَدَدِ الرَّمْلِ، أَوْ كَقَطْرِ الْمَطَرِ، أَوْ كَزَبَدِ الْبَحْرِ لَغَفَرَهَا، أَوْ لَغَفَرْتُهَا، أَفِيضُوا عِبَادِي، مَغْفُورًا لَكُمْ وَلِمَنْ شَفَعْتُمْ لَهُ، وَأَمَّا رَمْيُكَ الْجِمَارِ فَلَكَ بِكُلِّ حَصَاةٍ رَمَيْتَهَا تَكْفِيْرُ كَبِيرَةٌ مِنَ الْمُوبِقَاتِ، وَأَمَّا نَحْرُكَ فَمَذْخُورٌ لَكَ عِنْدَ رَبِّكَ، وَأَمَّا حِلاقُكَ رَأْسِكَ فَلَكَ بِكُلِّ شَعْرَةٍ حَلَقْتَهَا حَسَنَةٌ، وَيُمْحَى عَنْكَ بِهَا خَطِيئَةٌ، وَأَمَّا طَوَافُكَ بِالْبَيْتِ بَعْدَ ذَلِكَ، فَإِنَّكَ تَطُوفُ وَلا ذَنْبَ لَكَ، يَأْتِي مَلَكٌ حَتَّى يَضَعَ يَدَيْهِ بَيْنَ كَتِفَيْكَ فَيَقُولُ: اعْمَلْ فِيمَا تَسْتَقْبِلُ، فَقَدْ غُفِرَ لَكَ مَا مَضَى» اللهم اجعلنا من الطائعين، ولا تجعلنا من الغافلين الهالكين، اللهم أعنا على ذكرك وشكرك وحسن  عبادتك ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾[البقرة:201] وصلى الله وسلم وعلى نبينا محمد