فضل الدعاء وآدابه والمخالفات فيه
- خطبة بعنوان: فضل الدعاء وآدابه والمخالفات فيه .
- للشيخ الدكتور: خالد بن ضحوي الظفيري.
- المكان: في مسجد - أبي سلمة بن عبدالرحمن - 26 جمادى الأولى 1448هـ (بمدينة المطلاع).
إِنَّ الحَمْدَ لِلَّهِ، نَحْمَدُهُ ونَسْتَعِينُهُ ونَسْتَغْفِرُهُ، ونَعُوذُ بِاللهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا ومِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، ومَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وأَشْهَدُ أَن لَّا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:102].
عبادة من أجل العبادات وأفضل القرابات لا تحتاج إلى مال ولا إلى قوة بدن، يقدر عليها الغني والفقير والكبير والصغير والذكر والأنثى، لا يستغني عنها مسلم ويحتاجها في كل وقت وحين، ألا وهي عبادة الدعاء، فإذا ضاقت بك الدنيا، وانقطعت بك الأسباب، وأغلقت في وجهك الأبواب، فإن باب الله لا يغلق، وخزائنه لا تنفد، ورحمته وسعت كل شيء. قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾، فالدعاء ليس كلمات تُقال بالألسنة فحسب، بل هو عبادة عظيمة، وسبب من أعظم أسباب جلب الخير ودفع الشر، وهو باب يفتحه الله لعباده، فيجد فيه المكروب فرجًا، والمريض رجاءً، والمهموم سكينةً، والفقير غنى القلب وحسن التوكل على ربه، قال ابن القيم: (والدعاء من أنفع الأدوية، وهو عدو البلاء، يدفعه، ويعالجه، ويمنع نزوله، ويرفعه، أو يخففه إذا نزل). ووالله سمى الدعاء عبادة فعن النعمان بن بشير قال سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول الدعاء هو العبادة ثم قرأ (وقال ربكم ادعوني أستجب لكم إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين). [رواه أهل السنن وصححه الألباني]. وربنا سبحانه يحب من عبده أن يدعوه ويلجأ إليه ويلح في ذلك ويكرره، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ : عَنِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - :«لَيْسَ شَيْءٌ أَكْرَمَ عَلَى اللهِ سُبْحَانَهُ مِنَ الدُّعَاءِ». [رواه الترمذي وحسنه الألباني]، بل الله يغضب من عبده الذي ينسى دعاءه، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : (إنه من لم يسأل الله يغضب عليه). [رواه ابن ماجة وحسنه الألباني]، والله تعالى لمحبته لدعاء عبده لا يتركه بدون استجابة أو أجر، فعَنْ سَلْمَانَ الفَارِسِي رَضِيَ اللهُ عَنْهُ : عَنِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ :«إِنَّ اللهَ تَعَالَى حَييٌّ كَرِيْمٌ ، يَسْتَحيِي إَذَا رَفَعَ الرَّجُلُ إِلَيْةِ يَدَيْهِ أَنْ يَرُدَّهُمَا صَفْراً خَائِبَتَيْنِ». [رواه الترمذي وصححه الألباني]. فيا من ضاقت عليه الدنيا، ويا من أثقلته الهموم، ويا من أرهقته الديون، ويا من طال عليه المرض، ويا من يرجو صلاح أولاده: لا تيأس من رحمة الله، ولا تنقطع عن دعائه. فربك هو الذي أجاب نوحًا، وكشف الضر عن أيوب، ونجى يونس، ووهب زكريا الولد على كبر سنه.
إن لهذه العبادة شروطا وآدابًا ينبغي علمها والعمل بها حتى يكون الدعاء مقبولا مستجابًا، فمن أعظم آدابه: الإخلاص لله تعالى: ﴿فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾، فلا ندعو إلى الله ولا نسأل إلا الله، وسؤال غير الله تعالى من الشرك، ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾. ومن الآداب: حضور القلب وحسن الظن بالله ورجاء ثوابه وإجابته، فعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة واعلموا أن الله لا يستجيب دعاء من قلب غافل لاه) [رواه الترمذي وحسنه الألباني]. ومن الآداب: التضرع والخضوع وخفض الصوت. قال الله تعالى: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾، فليس المقصود من الدعاء رفع الأصوات والتكلف في العبارات، وإنما المقصود انكسار القلب، وصدق الالتجاء إلى الله. ومن الآداب: البداية بالثناء على الله تعالى وحمده والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، ورفع اليدين في المواضع التي ورد فيها الرفع واختيار أوقات استجابة الدعاء، يقول العلامة ابن القيم رحمه الله: (وَإِذَا جَمَعَ مَعَ الدُّعَاءِ حُضُورَ الْقَلْبِ وَجَمْعِيَّتَهُ بِكُلِّيَّتِهِ عَلَى الْمَطْلُوبِ، وَصَادَفَ وَقْتًا مِنْ أَوْقَاتِ الْإِجَابَةِ السِّتَّةِ، وَهِيَ: الثُّلُثُ الْأَخِيرُ مِنَ اللَّيْلِ، وَعِنْدَ الْأَذَانِ، وَبَيْنَ الْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ، وَأَدْبَارُ الصَّلَوَاتِ الْمَكْتُوبَاتِ، وَعِنْدَ صُعُودِ الْإِمَامِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ عَلَى الْمِنْبَرِ حَتَّى تُقْضَى الصَّلَاةُ مِنْ ذَلِكَ الْيَوْمِ، وَآخِرُ سَاعَةٍ بَعْدَ الْعَصْرِ. وَصَادَفَ خُشُوعًا فِي الْقَلْبِ، وَانْكِسَارًا بَيْنَ يَدَيِ الرَّبِّ، وَذُلًّا لَهُ، وَتَضَرُّعًا، وَرِقَّةً. وَاسْتَقْبَلَ الدَّاعِي الْقِبْلَةَ. وَكَانَ عَلَى طَهَارَةٍ. وَرَفَعَ يَدَيْهِ إِلَى اللَّهِ. وَبَدَأَ بِحَمْدِ اللَّهِ وَالثَّنَاءِ عَلَيْهِ. ثُمَّ ثَنَّى بِالصَّلَاةِ عَلَى مُحَمَّدٍ عَبْدِهِ وَرَسُولِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. ثُمَّ قَدَّمَ بَيْنَ يَدَيْ حَاجَتِهِ التَّوْبَةَ وَالِاسْتِغْفَارَ. ثُمَّ دَخَلَ عَلَى اللَّهِ، وَأَلَحَّ عَلَيْهِ فِي الْمَسْأَلَةِ، وَتَمَلَّقَهُ وَدَعَاهُ رَغْبَةً وَرَهْبَةً. وَتَوَسَّلَ إِلَيْهِ بِأَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ وَتَوْحِيدِهِ. وَقَدَّمَ بَيْنَ يَدَيْ دُعَائِهِ صَدَقَةً، فَإِنَّ هَذَا الدُّعَاءَ لَا يَكَادُ يُرَدُّ أَبَدًا، وَلَا سِيَّمَا إِنْ صَادَفَ الْأَدْعِيَةَ الَّتِي أَخْبَرَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهَا مَظَنَّةُ الْإِجَابَةِ، أَوْ أَنَّهَا مُتَضَمِّنَةٌ لِلِاسْمِ الْأَعْظَمِ). أَقُولُ مَا تَسْمَعُونَ وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ العَظِيمَ لِي وَلَكُمْ مِنْ كُلِّ ذَنْبٍ فَاسْتَغْفِرُوهُ، إِنَّهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ.
الحَمْدُ للهِ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى رَسُولِ اللهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَمَنِ اتَّبَعَ هُدَاهُ، وَأَشْهَدُ أَن لَّا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ.
- أَمَّا بَعْدُ: عباد الله:
على العبد الذي يريد أن يستجيب الله دعاؤه أن يبتعد عن المخالفات الشرعية في الدعاء، فمنها: أكل الحلال والبعد عن الحرام. فإن من أعظم أسباب قبول الدعاء طيب المطعم والمشرب والملبس. وقد ذكر النبي صلى الله عليه وسلم الرجل يطيل السفر، أشعث أغبر، يمد يديه إلى السماء، يقول: يا رب، يا رب، ومطعمه حرام، ومشربه حرام، وملبسه حرام، وغذي بالحرام، فقال: (َأَنَّى يُسْتَجَابُ لِذَلِكَ؟!) [رواه مسلم] فيا عبد الله، طهّر مالك من الحرام، واتق الله في مكسبك، فإن الحرام من موانع إجابة الدعاء. الاعتداء في الدعاء: قال الله تعالى: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾، ومن الاعتداء في الدعاء سؤال المحرمات، والدعاء بالإثم، وقطيعة الرحم، والتكلف في سؤال ما لا يليق بالعبد. فليكن دعاؤك جامعًا للخير، بعيدًا عن الاعتداء والتكلف والتلحين. ومن المخالفات: الاستعجال وترك الدعاء، فمن الناس من يدعو يومًا أو يومين، فإذا لم ير أثر الإجابة ترك الدعاء، وربما قال: دعوت فلم يستجب لي. وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «يُسْتَجَابُ لِأَحَدِكُمْ مَا لَمْ يَعْجَلْ، يَقُولُ: دَعَوْتُ فَلَمْ يُسْتَجَبْ لِي». [متفق عليه]. فلا تستعجلوا عباد الله. فقد تتأخر الإجابة لحكمة يعلمها الله، وقد يدخر الله لعبده من الخير ما هو أعظم مما سأل، إما في الدنيا أو الآخرة.