لا تغفلوا عن النجاح الحقيقي
لا تغفلوا عن النجاح الحقيقي
  | 262   |   طباعة الصفحة


  • خطبة بعنوان:  (لا تغفلوا عن النجاح الحقيقي).
  • للشيخ الدكتور: خالد بن ضحوي الظفيري.
  •  المكان: في مسجد - أبي سلمة بن عبدالرحمن  - 18 محرم 1448هـ (بمدينة المطلاع).

  • الخطبة الأولى
إِنَّ الحَمْدَ لِلَّهِ، نَحْمَدُهُ ونَسْتَعِينُهُ ونَسْتَغْفِرُهُ، ونَعُوذُ بِاللهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا ومِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، ومَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وأَشْهَدُ أَن لَّا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، أَمَّا بَعْدُ: فَإِنَّ أَصْدَقَ الحَدِيثِ كَلَامُ اللهِ تَعَالَى، وَخَيْرَ الْهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ، وَشَرَّ الأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، وَكُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ، وَكُلَّ ضَلَالَةٍ فِي النَّارِ.
  • عباد الله:
كم يفرح الناس حين نجاح ولده أو بنته أو قريبه ويتحصل على الدرجات العالية، ويبشر بعضهم بعضا، فنسأل الله التوفيق لأبنائنا في الدارين، وكم يستعد الناس في هذه الدنيا الفانية للاختبارات بشتى الطرق ليكونوا فيها من الناجحين، وليحرزوا مبتغاهم من منصب أو شهادة أو دنيا فانية، ولكن الغفلة كل الغفلة أن تنسى الاستعداد ليوم المعاد للاختبار الحقيقي الذي خلقت لأجله، ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً﴾، فالسعيد من حاسب نفسه واستعد لآخرته وقدم لها العمل الذي يرضاه الله تعالى وتحصل على الدرجات العالية في الجنة وابتعد عما يكون سبب في غضب الله وعذابه، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾، ذلك اليوم الذي ترجع فيه الخلائق إلى ربها وتحاسب على أعمالها، ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّىٰ كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾، يوم ينقسم الناس فيه إلى سعيد وشقي، ﴿ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ * وَمَا نُؤَخِّرُهُ إِلاَّ لأَجَلٍ مَعْدُودٍ * يَوْمَ يَأْتِ لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلاَّ بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ * فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ * خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ إِلاَّ مَا شَاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ * وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ إِلاَّ مَا شَاءَ رَبُّكَ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ ﴾.
  • عباد الله:
يوم يسأل فيه كل عبد عما قدم وماذا عمل، ﴿ فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾، وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رضي الله عنه عَنِ النَّبِىِّ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ: « لاَ تَزُولُ قَدَمَا ابْنِ آدَمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ عِنْدِ رَبِّهِ حَتَّى يُسْأَلَ عَنْ خَمْسٍ عَنْ عُمْرِهِ فِيمَا أَفْنَاهُ وَعَنْ شَبَابِهِ فِيمَا أَبْلاَهُ وَمَالِهِ مِنْ أَيْنَ اكْتَسَبَهُ وَفِيمَ أَنْفَقَهُ وَمَاذَا عَمِلَ فِيمَا عَلِمَ » [رواه الترمذي]. فأعد للسؤال جوابا، وأعدوا للجواب صوابا، وجوابك هو ما تعمله في هذه الدنيا من الاستعداد لاختبار الآخرة، فهذه الدار دار اختبار وابتلاء والآخرة هي دار القرار، فعَنْ عَدِىِّ بْنِ حَاتِمٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -: « مَا مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلاَّ سَيُكَلِّمُهُ رَبُّهُ، لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ تَرْجُمَانٌ ، فَيَنْظُرُ أَيْمَنَ مِنْهُ فَلاَ يَرَى إِلاَّ مَا قَدَّمَ مِنْ عَمَلِهِ ، وَيَنْظُرُ أَشْأَمَ مِنْهُ فَلاَ يَرَى إِلاَّ مَا قَدَّمَ ، وَيَنْظُرُ بَيْنَ يَدَيْهِ فَلاَ يَرَى إِلاَّ النَّارَ تِلْقَاءَ وَجْهِهِ ، فَاتَّقُوا النَّارَ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ » [متفق عليه].
  • عباد الله:
أتريد أن تكون من المبشرين في يوم القيامة بجنات النعيم ودار الخلد أبد الآبدين، أم تريد أن تكون من أهل الجحيم والعذاب الأليم، إنه اختيارك وعملك وما تقدمه لنفسك، فاختر أي الطريقين الهدى أم الضلالة وانضم لأي الفريقين ﴿لَا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾، فأنت المحاسب وأنت المسؤول بين يدي رب العالمين، قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ ، قَالَ الْإِمَامُ ابْنُ رَجَبٍ رَحِمَهُ اللهُ: (يُبَشَّرُ بِذَلِكَ عِنْدَ مَوْتِهِ، وَفِي قَبْرِهِ، وَيَوْمَ يُبْعَثُ، فَإِنَّهُ لَفِي الْجَنَّةِ، وَمَا ذَهَبَتْ فَرْحَةُ الْبِشَارَةِ مِنْ قَلْبِهِ) وعَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ أَحَبَّ لِقَاءَ اللهِ، أَحَبَّ اللَّهُ لِقَاءَهُ، وَمَنْ كَرِهَ لِقَاءَ اللهِ، كَرِهَ اللَّهُ لِقَاءَهُ» فَقُلْت: يَا نَبِيَّ اللَّهِ أَكَرَاهِيَةَ الْمَوْتِ؟ فَكُلُّنَا نَكْرَهُ الْمَوْتَ، فَقَالَ: «لَيْسَ كَذَلِكَ، وَلَكِنَّ الْمُؤْمِنَ إذَا بُشِّرَ بِرَحْمَةِ اللَّهِ وَرِضْوَانِهِ وَجَنَّتِهِ أَحَبَّ لِقَاءَ اللَّهِ فَأَحَبَّ اللَّهُ لِقَاءَهُ، وَإِنَّ الْكَافِرَ إذَا بُشِّرَ بِعَذَابِ اللَّهِ وَسَخَطِهِ كَرِهَ لِقَاءَ اللَّهِ وَكَرِهَ اللَّهُ لِقَاءَهُ» [مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَاللَّفْظُ لِمُسْلِمٍ].
  • عباد الله:
إن من أعظم ما يستعد به المؤمن ليوم المعاد بتوحيد الله تعالى وإخلاص العمل لله، فالتوحيد هو أعظم الطاعات والشرك أعظم الظلم والسيئات، فالتوحيد من أعظم أسباب دخول الجنة من أبوابها الثمانية، فعن عبادة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((من شهِدَ أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله، وأن عيسى عبدالله ورسوله، وكلمته ألقاها إلى مريمَ ورُوحٌ منه، وأن الجنة والنار حقٌّ أدخله الله من أي أبواب الجنة الثمانية شاء) [متفق عليه]، فالتوحيد من أعظم أسباب النجاة يوم القيامة استمع معي إلى قصة هذا الرجل وكيف نجاه الله بالتوحيد، فعن عَبْدَاللَّهِ بْنَ عَمْرٍو رضي الله عنهما يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:: (يُصَاحُ بِرَجُلٍ مِنْ أُمَّتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى رُءُوسِ الْخَلَائِقِ فَيُنْشَرُ لَهُ تِسْعَةٌ وَتِسْعُونَ سِجِلًّا كُلُّ سِجِلٍّ مَدَّ الْبَصَرِ ثُمَّ يَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ هَلْ تُنْكِرُ مِنْ هَذَا شَيْئًا فَيَقُولُ لَا يَا رَبِّ فَيَقُولُ أَظَلَمَتْكَ كَتَبَتِي الْحَافِظُونَ ثُمَّ يَقُولُ أَلَكَ عَنْ ذَلِكَ حَسَنَةٌ فَيُهَابُ الرَّجُلُ فَيَقُولُ لَا فَيَقُولُ بَلَى إِنَّ لَكَ عِنْدَنَا حَسَنَاتٍ وَإِنَّهُ لَا ظُلْمَ عَلَيْكَ الْيَوْمَ فَتُخْرَجُ لَهُ بِطَاقَةٌ فِيهَا أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ قَالَ فَيَقُولُ يَا رَبِّ مَا هَذِهِ الْبِطَاقَةُ مَعَ هَذِهِ السِّجِلَّاتِ فَيَقُولُ إِنَّكَ لَا تُظْلَمُ فَتُوضَعُ السِّجِلَّاتُ فِي كِفَّةٍ وَالْبِطَاقَةُ فِي كِفَّةٍ فَطَاشَتْ السِّجِلَّاتُ وَثَقُلَتْ الْبِطَاقَةُ). [رواه الترمذي وابن ماجة وصححه الألباني]، والتوحيد من أعظم أسباب حسن الخاتمة، عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ : قَالَ رَسُوْلُ اللهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:  :«مَنْ كَانَ آخْرُ كَلاَمِهِ لا إِلهَ إِلاَّ اللهُ ، دَخَلَ الْجَنَّة»[رواه أبو داود وصححه الألباني]. أَقُولُ مَا تَسْمَعُونَ وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ العَظِيمَ لي ولكم، فَاسْتَغْفِرُوهُ إِنَّهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ.
  • الخطبة الثانية
الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ، وَأَشْهَدُ أَن لَّا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ وَلِيُّ الصَّالِحِينَ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ الأَمِينُ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَالتَّابِعِينَ وَمَنْ تَبِعَهُمْ بِإحْسَانٍ، وَسَلَّمَ تَسْلِيماً مَزِيدًا إِلَى يَوْمِ الدِّينِ. أَمَّا بَعْدُ: فَأُوصِيكُمْ وَنَفْسِي بِتَقْوَى اللهِ تَعَالَى؛ فَمَنِ اتَّقَى اللهَ وَقَاهُ، وَنَصَرَهُ وَكَفَاهُ.
  • أما بعد:
ومن الاستعداد ليوم المعاد: الاجتهاد بالعمل الصالح والعمل على وفق هدي رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وسنته، والتوبة إلى الله تعالى من جميع الذنوب والخطايا، والإحسان إلى الخلق وكف الأذى عنهم، وردّ المظالم إلى أهلها والتحلل منهم، والاجتهاد في محاسبة النفس ومعاتبتها، والاكثار من ذكر الموت والحساب والجزاء والنعيم والعقاب والجنة والنار، عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا قَالَ : كُنْتُ مَعَ رَسُوْلِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - فَجَاءَهُ رَجُلٌ مِنَ الأنْصَارِ ، فَسَلَّمَ عَلَى النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - ثُمَّ قَالَ : يَا رَسُوْلَ اللهِ! أَيُّ الْمُؤمِنِينَ أَفْضَلُ؟ قَالَ :«أَحْسَنهُمْ خُلُقاً». قَالَ : فَأَيُّ الْمُؤمِنِينَ أَكْيَسُ؟ [أي: العاقل الذكي] قَالَ :«أَكْثَرُهُمْ لِلْمَوتِ ذِكْراً ، وَأَحسنهُمْ لِمَا بَعْدَهُ اسْتِعدَاداً ، أُولئِكَ الأكْيَاس» [رواه الترمذي وحسنه الألباني]. ولا تحقرن من المعروف شيئا فقد يكون سببا لنجاتك، عَنْ أَبِى ذَرٍّ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ لي النبي -صلى الله عليه وسلم-: « لاَ تَحْقِرَنَّ مِنَ الْمَعْرُوفِ شَيْئًا وَلَوْ أَنْ تَلْقَى أَخَاكَ بِوَجْهٍ طَلْقٍ ». [رواه مسلم].