قصة موسى عليه السلام وكيف أنجاه الله من فرعون
قصة موسى عليه السلام وكيف أنجاه الله من فرعون
  | 1268   |   طباعة الصفحة


  • خطبة بعنوان: قصة موسى عليه السلام وكيف أنجاه الله من فرعون.
  • ألقاها الشيخ الدكتور: خالد بن ضحوي الظفيري - حفظه الله تعالى.
  • المكان: خطبة في يوم 10 محرم 1445هـ في مسجد السعيدي بالجهرا.

 
  • الخطبة الأولى:
إِنَّ الحَمْدَ لِلَّهِ، نَحْمَدُهُ ونَسْتَعِينُهُ ونَسْتَغْفِرُهُ، ونَعُوذُ بِاللهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا ومِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، ومَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وأَشْهَدُ أَن لَّا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ).
  • أما بعد فيا عباد الله:
اتقوا الله تعالى، وتأملوا ما قصّه الله في كتابه الكريم عن أنبيائه وأتباعهم، وما حصل لهم من النصر والتمكين، بسبب الإيمان واليقين، وما قصّه الله تعالى عن أعدائه الكافرين، وما حلّ بهم من العقاب والخسران المبين، (لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُولِي الْأَلْبَابِ). عباد الله: قد ذكر الله لموسى بن عمران ومعه أخوه هارون عليهما السلام سيرة طويلة، وساق قصصه في مواضع من كتابه عديدة، بأساليب متنوعة، وليس في قصص القرآن أعظم من قصة موسى عليه السلام ؛ لأنه عانى من فرعون وجنوده، وصبر على بني إسرائيل، وهو أعظم أنبيائهم، وأتباعه أكثر أتباع الأنبياء بعد أمة محمد صلى الله عليه وسلم، وله من القوة العظيمة في إقامة دين الله والدعوة إليه والغيرة العظيمة ما ليس لغيره، وقد ولد في وقت قد اشتد فيه فرعون على بني إسرائيل: فكان يذبح كل مولود ذكر يولد منهم، ويستحيي النساء للخدمة والامتهان، فلما ولدته أمه خافت عليه خوفًا شديدًا؛ فإن فرعون جعل على بني إسرائيل من يرقب نساءهم ومواليدهم، وكان بيتها على ضفة نهر النيل فألهمها الله أن وضعت له تابوتا إذا خافت أحدًا ألقته في اليم، وربطته بحبل لئلا تجري به جرية الماء، ومن لطف الله بها أنه أوحى لها: أن لا تخافي ولا تحزني، (إِنَّا رَآدُّوهُ إِلَيۡكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ ٱلۡمُرۡسَلِينَ ) [القصص7] ، فلما ألقته ذات يوم انفلت رباط التابوت، فذهب الماء بالتابوت الذي في وسطه موسى، ومن قدر الله أن وقع في يد آل فرعون، وجيء به إلى امرأة فرعون آسية، فلما رأته أحبته حبًّا شديدًا، وكان الله قد ألقى عليه المحبة في القلوب، وشاع الخبر ووصل إلى فرعون، فطلبه ليقتله، فقالت امرأته : (وَقَالَتِ امْرَأَتُ فِرْعَوْنَ قُرَّتُ عَيْنٍ لِّي وَلَكَ ۖ لَا تَقْتُلُوهُ عَسَىٰ أَن يَنفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ) [القصص: ٩]، فنجا بهذا السبب من قتلهم، وكان هذا من أسباب هدايتها وإيمانها بموسى بعد ذلك، أما أم موسى فإنها فزعت (وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَىٰ فَارِغًا ۖ إِن كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلَا أَن رَّبَطْنَا عَلَىٰ قَلْبِهَا لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (10) وَقَالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ) [القصص] وتفقديه، وكانت امرأة فرعون قد عرضت عليه المراضع فلم يقبل ثدي امرأة، وعطش وجعل يتلوى من الجوع، وأخرجوه إلى الطريق؛ لعل الله أن ييسر له أحدًا، فحانت من أخته نظرة إليه، (فَبَصُرَتْ بِهِ عَن جُنُبٍ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ ) بشأنها، فلما أقبلت عليه وفهمت منهم أنهم يطلبون له مرضعًا قالت لهم: (فَقَالَتْ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَىٰ أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ (12) فَرَدَدْنَاهُ إِلَىٰ أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (13) [القصص] فأحاط الله موسى بعنايته، وحفظه بقدرته، في بيت عدو الله وعدوّه، حتى كبر وبلغ أشده، واستوى وقتل رجلاً من قوم فرعون وتخوف من الطلب بدمه فخرج منها خائفًا إلى أرض مدين ولبث سنين في أهل مدين، تزوّج في أثنائها ثم عاد إلى مصر وفي طريقه كلمه الله تعالى بوحيه وبعثه برسالته إلى فرعون، وآتاه الله من الآيات ما يدلّ على صدقه ونبوته ورسالته، معجزة العصا وانقلابها إلى حية تسعى (وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ ۖ فِي تِسْعِ آيَاتٍ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ ۚ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ (12) [النمل] ولكن فرعون عاند وكابر، (فَكَذَّبَ وَعَصَىٰ (21) ثُمَّ أَدْبَرَ يَسْعَىٰ (22) فَحَشَرَ فَنَادَىٰ (23) فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَىٰ (24)، [الغاشية] وادّعى أنّ ما جاء به موسى سحرٌ، وأنّ عنده من السحر ما يبطله، وجمع السحرة من جميع مملكته، فعرضوا ما عندهم من السحر والشعوذات، وعرض موسى ما عنده من الآيات البينات، (فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (118) فَغُلِبُوا هُنَالِكَ وَانقَلَبُوا صَاغِرِينَ (119) وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ (120) قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (121) رَبِّ مُوسَىٰ وَهَارُونَ (122) [الأعراف].
  • عباد الله:
تأملوا حال هؤلاء السحرة، وكيف ثبتوا على إيمانهم حين رأوا آيات الله تعالى مع توعّد فرعون لهم بأن يقطعهم ويصلبهم، ولكن ( قَالُوا لَا ضَيْرَ ۖ إِنَّا إِلَىٰ رَبِّنَا مُنقَلِبُونَ (50) إِنَّا نَطْمَعُ أَن يَغْفِرَ لَنَا رَبُّنَا خَطَايَانَا أَن كُنَّا أَوَّلَ الْمُؤْمِنِينَ (51) [الشعراء] أقول ما تسمعون وأستغفر الله العظيم لي ولكم من كل ذنب فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
  • الخطبة الثانية
الحَمْدُ لِلَّهِ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى رَسُولِ اللهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَمَنِ اتَّبَعَ هُدَاهُ، وَأَشْهَدُ أَن لَّا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ. أَمَّا بَعْدُ: فَأُوصِيكُمْ وَنَفْسِي بِتَقْوَى اللهِ، فَمَنِ اتَّقَى اللهَ وَقَاهُ، وَنَصَرَهُ وَكَفَاهُ.
  • عباد الله:
وبعد انتصار موسى لجأ فرعون إلى القوّة والبطش، وهدّد وتوعّد، وهذا حال أهل الباطل عندما يفلسون من الحجة، فأوحى الله إلى موسى أن يَخرج بالمؤمنين ويتوجه بهم إلى حيث أمره الله، فعند ذلك استنفر فرعون جنوده، وجمع قوّته، وخرج في إثرهم وسار في طلبهم يريد إبادتهم عن آخرهم، فانتهى موسى بمن معه من المؤمنين إلى البحر، ولحق بهم فرعون وجنوده، وهناك تزايدت مخاوف المؤمنين، فالبحر أمامهم والعدوّ من خلفهم، (فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَىٰ إِنَّا لَمُدْرَكُونَ (61) [الشعراء] ولكن كانت إجابة المؤمن المتوكل على ربه المصدق بوعده: (قَالَ كَلَّا ۖ إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ (62) [الشعراء] ، فأمر الله موسى أن يضرب بعصاه ذلك البحر الهائج المتلاطم فضربه فانفتح طرقًا يابسة على قدر القوم، فسار فيها موسى وقومه لا يخاف دركًا ولا يخشى، ودخل فرعون وجنوده في إثرهم، فلمّا تكامل قوم موسى خارجين من البحر، وتكامل قوم فرعون داخلين فيه؛ أمر الله البحر فانطبق عليهم وأغرقهم أجمعين. هكذا عباد الله انتصر الحق على الباطل، وصدق الله وعده، وأعز جنده، وحصل ما أخبر به موسى قومه حين (قَالَ عَسَىٰ رَبُّكُمْ أَن يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ فَيَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ (129)، وتحققت إرادة الله التي أخبر عنها بقوله: (وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ (5) وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُم مَّا كَانُوا يَحْذَرُونَ (6) [القصص] لقد حصل هذا الحدث العظيم في اليوم العاشر من شهر الله المحرم، وهو يوم عاشوراء، فهو يوم له فضيلة عظيمة وحرمة قديمة، قد صامه موسى عليه السلام وقومه شكرًا لله تعالى، وصامه نبينا  وأمر بصيامه، ففي الصحيحين عن ابن عباس رضي الله عنهما أنَّ رسُولَ اللّهِ صلى الله عليه وسلم قدِمَ الْمدِينَةَ فوَجَدَ الْيهُودَ صِيامًا يوم عاشُورَاءَ. فقال لهم رسول اللّهِ صلى الله عليه وسلم: (ما هذا الْيوْمُ الذي تصُومُونَهُ؟)، فقَالُوا: هذا يوْمٌ عظِيمٌ، أنْجَى الله فيه مُوسى وقَوْمَهُ، وغَرَّقَ فِرْعوْنَ وقَوْمَهُ، فصَامَهُ مُوسى شكْرًا، فنَحْنُ نصُومُهُ. فقال رسول اللّهِ صلى الله عليه وسلم: (فنَحْنُ أحَقُّ وأَوْلَى بِمُوسى مِنْكمْ)، فصَامَهُ رسول اللّهِ  وأَمَرَ بِصِيامِهِ.