الثبات الثبات بعد موسم الطاعات
الثبات الثبات بعد موسم الطاعات
  | 1236   |   طباعة الصفحة


  • خطبة بعنوان: الثبات الثبات بعد موسم الطاعات.
  • ألقاها لشيخ الدكتور: خالد بن ضحوي الظفيري - حفظه الله تعالى.
  • المكان: خطبة في يوم 16 ذي الحجة 1443هـ في مسجد السعدي بالجهرا.

 
  • الخطبة الأولى:
إِنَّ الحَمْدَ لِلَّهِ، نَحْمَدُهُ ونَسْتَعِينُهُ ونَسْتَغْفِرُهُ، ونَعُوذُ بِاللهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا ومِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، ومَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وأَشْهَدُ أَن لَّا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾.
  • عباد الله:
لقد مرّ علينا موسمٌ عظيمٌ من مواسم الخيرات، وفُتِّحت لنا أبوابٌ كثيرةٌ من أبواب الحسنات، نَهَل منها المتقون، وسَارع إليه الطَّائعون، وغَفَل عنها المتكاسلون، وحُرم منها العاصون، فقد ودَّع المسلمون مناسباتٍ عظيمة، ومواسمَ للخيرِ جليلة، ودَّعُوا أفضل الأيام، وهي أيامِ عشر ذي الحجة، بما فيها يوم عرفة (يوم العتق من النار)، وودَّعُوا يوم العيد بما فيه من عباداتٍ وصلاةٍ وتكبيرٍ، وذكرٍ لله -عزَّ وجل- وما يتبعه من أيامِ التشريق، ودَّعُوا الحج، تلك العبادة العظيمة، التي هي ركنٌ من أركان الإسلام "فَمَن حَجَّ ولم يرَفُثْ ولم يفسق، رجع كيوم ولدته أمه"، فمن استغل هذه المواسم وأدى فيها ما شُرِع من العبادات لله -عزَّ وجل- سواء من حج او لم يحج، فهو السعيدُ إن تقبل الله عمله، ومن فرط فيها وتكاسل عنها فهو المحرومُ الخاسر، جعلنا الله وإياكم من المقبولين، وأعاذنا وإيَّاكم أن نكون من المحرومين.
  • عباد الله:
لقد كان السلف الصالح يجتهدون في إتمام العمل وإكماله وإتقانه، ثم يهتمون بعد ذلك بقبوله ويخافون من ردّه، وهؤلاء الذين قال الله عنهم : ﴿يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة﴾، وهذا حال المؤمن مع الطاعات وحاله عند انتهائها، قال الحسن البصري: (إن المؤمن جمع إحسانًا وشفقةً، وإن المنافق جمع إساءةً وأمنًا)، وكانوا لقبول العمل أشد اهتمامًا منهم بالعمل، كما قال تعالى: ﴿إنما يتقبل الله من المتقين﴾، عن أبي الدرداء قال: (لأن أستيقن أن الله قد تقبل مني صلاة واحدة، أحبُّ إليّ من الدنيا وما فيها)، فألحّوا على الله تعالى بسؤاله القبول لما قدمتم من الطاعات، والثبات عليه إلى الممات.
  • عباد الله:
إنَّ هذه المواسم فرصةٌ جديدةٌ للعبد أن يصححَ أعماله، وينيبَ إلى ربه، ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ ، فيجعل هذه المواسم مواسم تتغير فيها حالة العبد من حال الغفلة والمعصية إلى حال الاستقامة والإقبال على الله، وإنَّ من إضلال الشيطان وخداع النفس الأمارة بالسوء أن ينتكس كثيرٌ من الناس على عقبيه، ويعود إلى معاصيه بعد انتهاء مواسم الطاعات، فعلامة قبول العمل أن ترى العامل أحسن عملًا وحالًا، وأن نرى آثار العبادة في سلوكنا ومعاملاتنا وأخلاقنا.
  • عباد الله:
إنَّه وإن انتهت هذه المواسم بما فيها من الطاعات، فإنَّ عُمُرَ المؤمن كله طاعة، وحياته كلها عبادة، فإنَّ الله ما خلق الإنس والجِن إلا لعبادته وحده لا شريك له: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾؛ وقد أمرنا الله ورسوله بالاستقامة على الطاعة والثبات عليها إلى الممات، فالمؤمن لا ينتهي عنه العمل إلا إذا جاء الأجل، ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾، ومن رُزق الثبات والاستقامة، فإن هذا من أعظم الإنعام والكرامة، قال تعالى: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ﴾. وَعَنْ سُفْيَانَ بْنِ عَبْدِ اللهِ الثَّقَفِيِّ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، قُلْ لِي فِي الإِسْلَامِ قَوْلًا لَا أَسْأَلُ عَنْهُ أَحَدًا بَعْدَكَ. قَالَ: »قُلْ: آمَنْتُ بِاللهِ ثُمَّ اسْتَقِمْ« [رَوَاهُ مُسْلِمٌ]. قَالَ شيخ الإسلام ابْنُ تَيْمِيَّةَ رَحِمَهُ اللهُ: (أَعْظَمُ الْكَرَامَةِ لُزُومُ الِاسْتِقَامَةِ). اللَّهُمَّ أَعِنَّا عَلَى ذِكْرِكَ وَشُكْرِكَ وَحُسْنِ عِبَادَتِكَ. أَقُولُ مَا تَسْمَعُونَ، وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ العَظِيمَ لِي وَلَكُمْ مِنْ كُلِّ ذَنْبٍ، فَاسْتَغْفِرُوهُ إِنَّهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ.
  • الخطبة الثانية:
الحَمْدُ لِلَّهِ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى رَسُولِ اللهِ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَمَنِ اتَّبَعَ هُدَاهُ، وَأَشْهَدُ أَن لَّا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ.
  • أَمَّا بَعْدُ:
فَأُوصِيكُمْ وَنَفْسِي بِتَقْوَى اللهِ، فَمَنِ اتَّقَى اللهَ وَقَاهُ، وَنَصَرَهُ وَكَفَاهُ.
  • عِبَادَ اللهِ:
إن من أعظم ما ينبغي الاعتناء به من الأسباب التي تثبت العبد على دين الله وسنة رسوله هو: سُؤَالَ اللهِ الثَّبَاتَ، وَالْإِلْحَاحَ عليه فِي الدُّعَاءِ أن يثبتك ويحسن خاتمتك، وَأَلَّا يَزِيغَ قلبك بعد الهدى، وقد أرشدنا الله تعالى إلى هذا الدعاء بقوله: رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ. وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ سَرْجِسَ قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا سَافَرَ يَتَعَوَّذُ مِنَ الْحَوْرِ بَعْدَ الْكَوْرِ... « [رَوَاهُ مُسْلِمٌ]، وَالْحَوْرُ بَعْدَ الْكَوْرِ مَعَنَاهُ: الرُّجُوعُ إِلَى النُّقْصَانِ بَعْدَ الزِّيَادَةِ. وَعَنِ النَّوَّاسِ بْنِ سَمْعَانَ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ يَقُولُ: »يَا مُثَـبِّتَ الْقُلُوبِ، ثَـبِّتْ قُلُوبَنَا عَلَى دِينِكَ« [رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَصَحَّحَهُ الْأَلْبَانِيُّ]. فاحذروا عباد الله من ترك العبادة وهجر القرآن والمساجد، فترجعوا من الهداية إلى الغواية، ومن الإيمان إلى العصيان، فالعبرة بالخواتيم، وَلَا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكَاثًا. فاجتهدوا إخواني في فعل الطاعات، واجتنبوا الخطايا والسيئات؛ لتفوزوا بالحياة الطيبة في الدنيا، والأجر الكثير بعد الممات. ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾.