البراء من النصارى وبيان عقيدتهم وحرمة الاستغفار لمن مات منهم
البراء من النصارى وبيان عقيدتهم وحرمة الاستغفار لمن مات منهم
  | 3572   |   طباعة الصفحة


  • خطبة بعنوان: البراء من النصارى وبيان عقيدتهم وحرمة الاستغفار لمن مات منهم.
  • ألقاها لشيخ الدكتور: خالد بن ضحوي الظفيري - حفظه الله تعالى.
  • المكان: خطبة في يوم 12 شوال 1443هـ في مسجد السعدي بالجهرا.

 
  • الخطبة الأولى:
إِنَّ الحَمْدَ لِلَّهِ، نَحْمَدُهُ ونَسْتَعِينُهُ ونَسْتَغْفِرُهُ، ونَعُوذُ بِاللهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا ومِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، ومَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وأَشْهَدُ أَن لَّا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ،  ) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ( [آل عمران:102].
  • أَمَّا بَعْدُ:
فإنَّ على صاحب العقيدة والتوحيد أن يعرف للتوحيد قدرَه ويعطيَهُ منزلتَه، ويعرفَ الشركَ وخطرَه، ووضَاعَتَه ووضاعَة أهله، فالتوحيدُ أعظمُ الحسنات، والشركُ بالله تعالى أظلم الظلم وأكبر السيئات، (إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ). ومن حقق التوحيد وأطاع الرسول ، وعرف دناءَة الشرك وخبثَه، تجب عليه البراءةُ من الشرك وأهلِه، فالولاءُ لله والبراء لأجل الله، فيتولَّى العبدُ أهلَ الإيمان، ويعادي ويبغض أهلَ الكفر والطغيان، ، قال تعالى: {لَا تَجِد قوما يُؤمنُونَ بِاللَّه وَالْيَوْم الآخر يوادون من حاد الله وَرَسُوله وَلَو كَانُوا آبَاءَهُم أَو أَبْنَاءَهُم أَو إخْوَانهمْ أَو عشيرتهم أُولَئِكَ كتب فِي قُلُوبهم الْإِيمَان وأيدهم بِروح مِنْهُ ويدخلهم جنَّات تجْرِي من تحتهَا الْأَنْهَار خَالِدين فِيهَا رَضِي الله عَنْهُم وَرَضوا عَنهُ أُولَئِكَ حزب الله أَلا إِن حزب الله هم المفلحون}.
  • عبدالله:
هذا هو أصل الولاء والبراء الذي لا يقوم التوحيد إلا به، ولا يثبت الإسلام إلا عليه، فعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ  لأَبِي ذَرٍّ رضي الله عنه: «أَيُّ عُرَى الإِيمَانِ أَوْثَقُ؟» قَالَ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: «الْمُوَالاةُ فِي اللَّهِ، وَالْمُعَادَاةُ فِي اللَّهِ، وَالْحُبُّ فِي اللَّهِ، وَالْبُغْضُ فِي اللَّهِ» [رواه الطبراني وحسنه الألباني]. وهذا إبراهيم عليه السلام قال لأبيه وقبيلته: (قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ)، وعلى هذا سار جميع الرسل والأنبياءِ والصحابةِ والأولياء، متمسكين بأصل الولاء والبراء، ولاءِ أهلِ الإيمان والبراءِ من أهل الكفران. قال ابن عباس رضي الله عنهما: (من أحب في الله، وأبغض في الله، ووالى في الله، وعادى في الله، فإنما يَنَال ولاية الله بذلك، ولن يجد عبد طعم الإيمان -وإن كثرت صلاته وصومه- حتى يكون كذلك، وقد صارت عامة مؤاخاة الناس على أمر الدنيا، وذلك لا يجدي على أهله شيئا). [رواه الطبري].
  • عباد الله:
حين لا يَعرف العبد الموحّد حقيقةَ ما وقع فيه الكفار من الأقوال والأعمال والاعتقادات، فقد تأخذُه العاطفة فيواليهم أو يحبَّهم أو يستغفرَ لمن مات منهم، وهذا أمر منهي عنه في الشرع، فمن مات على الكفر فالنار مثواه، ولا تناله رحمة مولاه، فالكفار لا تنفعهم شفاعة الشافعين، وما هم من النار بمخرجين، ومن الأديان المنتشرة دين النصارى المليء بالكفر والتحريف والجور والتزييف، ولانتشاره وجب على المسلم أن يعرف شيئًا من اعتقادهم لتبقى عقيدة البراء منهم ثابتة، ويكون على معرفة بشيء من أقوالهم وطعونهم في حق الله وأنبيائه وكتبه، وقد ذمّهم الله في كتابه وبيّن كثيرًا من ضلالهم وخبثهم، وصرح بكفرهم وخلود من مات منهم على معتقده في النار. قال تعالى: (لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرائيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ ).
  • عباد الله:
أتعلمون أنّ النصارى يطعنون في ربكم تعالى الله عما يقولون علوا كبيرًا، فنسبوا إليه الولد والشريك والزوجة، (مَا كَانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ سُبْحَانَهُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ)، وقالوا بأن الله ثالث ثلاثة، وهو قول لا يقبله دين ولا عقل ولا فطرة سليمة، (لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة، وما من إله إلا إله واحد، وإن لم ينتهوا عما يقولون ليمسن الذين كفروا منهم عذاب أليم). أتعلمون أن النصارى زعموا أن الله تعالى تعب من خلق السماوات والأرض فاستراح في اليوم السابع. أتعلمون أن النصارى وصفوا الله تعالى بالجهل، والندم، والبكاء، والعنصرية. أتعلمون أن النصارى وصفوا أنبياء الله بأقبح الأوصاف، فزعموا أن نوحًا عليه السلام شرب الخمر وتعرى، ولوطًا عليه السلام زعموا أنه زنى بابنتيه، بعد أن أنجاه الله من القرية التي كانت تعمل الخبائث، وأن البنتين أنجبتا من الزنى. وزعموا أن يعقوب عليه السلام احتال لأخذ النبوة، وأن هارون عليه السلام هو الذي صنع لهم العجل ودعاهم إلى عبادته. وأنّ داود عليه السلام زنى بامرأة أحد جنوده، وأنجبت منه سليمان عليه السلام، وأن  سليمان عليه السلام: تزوج بنساء مشركات، يعبدن الأصنام ثم هو عبدها معهن. هذه نظرة النصارى لأنبياء الله تعالى. أتعلمون أن النصارى يعتقدون أن المسيح عليه السلام قتل على الصليب، فداء لخطيئة آدم وذريته، فيعبدون ربا قتل ابنَه، وابنُه هو الربُّ نفسُهُ، والربُّ هو الروح القدس، ثلاثةٌ في واحدٍ وواحدٌ في ثلاثةٍ، ثم يعبدون ويقدسون هذا الصليب الذي قتل عليه إلههم، عقول فارغة، ودين ظاهر البطلان.
  • أَعُبّاد المسيح لنا سؤالٌ *** نريدُ جوابه ممّن وّعاهُ  إذا مات الإله بصنع قومٍ *** أماتوه فما هذا الإله؟
حرّفوا دين عيسى، وغيروا كلام الله، واشتروا به ثمنا قليلاً، تركوا التوحيد، ولازموا الشرك ودعوا إليه، فما بال أهل التوحيد لا يقيمون أصل الولاء لله، والبراء من الشرك وأهله، فأقيموا أصل الولاء والبراء في قلوبكم يَقُمْ لكم توحيدُكم، فمن وحَّد الله وأطاع الرسول وجبت عليه موالاة الله ورسوله، ووجب عليه بغض أعداء الله وأعداء رسوله. أَقُولُ مَا تَسْمَعُونَ وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ العَظِيمَ لِي وَلَكُمْ مِنْ كُلِّ ذَنْبٍ فَاسْتَغْفِرُوهُ، إِنَّهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ.
  • الخطبة الثانية
الحَمْدُ لِلَّهِ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى رَسُولِ اللهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَمَنِ اتَّبَعَ هُدَاهُ، وَأَشْهَدُ أَن لَّا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ. أَمَّا بَعْدُ: فَأُوصِيكُمْ -عِبَادَ اللهِ- وَنَفْسِي بِتَقْوَى اللهِ؛ فَمَنِ اتَّقَى اللهَ وَقَاهُ، وَنَصَرَهُ وَكَفَاهُ.
  • عباد الله:
من لوازم أصل البراء من الكفار، ترك الترحم على من مات منهم على دينه، وعدم الاستغفار لهم والصلاة عليهم، وهذا الأمر لا ينبغي أن تأخذنا فيه العاطفة، بل يجب أن نكون متَّبعين لكتاب ربنا وسنة نبينا ، وقد وردت النصوص في النهي عن الاستغفار والترحم للكفار من اليهود والنصارى وغيرهم، فعَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ : «اسْتَأْذَنْتُ رَبِّى أَنْ أَسْتَغْفِرَ لأُمِّي فَلَمْ يَأْذَنْ لِي» [رواه مسلم]، ولما مات عمّه أبو طالب قال : « أَمَا وَاللَّهِ لأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ مَا لَمْ أُنْهَ عَنْكَ ». فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ (مَا كَانَ للنبي وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِى قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ)، وعلى هذا إجماع علماء المسلمين، قال النووي رحمه الله: (وأما الصلاة على الكافر، والدعاء له بالمغفرة: فحرام بنص القرآن، والإجماع). فكونوا عباد الله عند حدود الشرع وقافين، ولا تتعدوا شرعه فتكونوا من الظالمين.