ليلةُ القدر خير من ألف شهر
ليلةُ القدر خير من ألف شهر
  | 831   |   طباعة الصفحة


  • خطبة بعنوان: ليلةُ القدر خير من ألف شهر.
  • ألقاها لشيخ الدكتور: خالد بن ضحوي الظفيري - حفظه الله تعالى.
  • المكان: خطبة في يوم 21 رمضان 1443هـ في مسجد السعدي بالجهرا.

 
  • الخطبة الأولى:
إِنَّ الحَمْدَ لِلَّهِ، نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِاللهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَن لَّا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، ] يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [[آل عمران 102].
  • عِبَادَ اللهِ:
ها قد منّ الله تعالى علينا وعليكم ببلوغ العشر الأواخر من رمضان، فأدوا حقّها من العمل الصالح والاجتهاد في الإحسان، فقد كان نبيكم صلى الله عليه وسلم إذا دخل العشر اجتهد فيها أيما اجتهاد، وحث على ذلك الأهل وجميع العباد، فَعَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا قَالَتْ: «كَانَ رَسُولُ اللهِ  يَجْتَهِدُ فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ، مَا لَا يَجْتَهِدُ فِي غَيْرِهِ» [رَوَاهُ مُسْلِمٌ].  وَعَنْهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، قَالَتْ: «كَانَ النَّبِيُّ إِذَا دَخَلَ العَشْرُ شَدَّ مِئْزَرَهُ، وَأَحْيَا لَيْلَهُ، وَأَيْقَظَ أَهْلَهُ» [مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ]، فالمبادرة المبادرة إلى اغتنام ما بقي من الليالي والأيام، فقد تكون فيها من عتقاء الله الكرام، ويا سعادة من عتقه الله من الجحيم، وكان من أهل النعيم المقيم. فعَنْ جَابِر بْنِ عَبْدِ اللهِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُما قَالَ: قَالَ رَسُوْلُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ للهِ عَزَّ وَجَلَّ عِنْدَ كُلِّ فِطْرٍ عُتَقَاءَ، وَذَلِكَ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ» [رواه ابن ماجه وصححه الألباني].
  • أيها المسلمون:
نحن في ليال عظيمة هي خير ليالي السنة في الأجر والمنزلة، يجتهد في لياليها غاية الاجتهاد المؤمنون، ويتنافس في العمل فيها المتنافسون، حرصًا منهم على إدراك ليلة القدر، فالعمل فيها مضاعف خير من ألف شهر، فيا غنيمة من أدركها، ويا حرمان من فرط فيها وتركها، عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال دخل رمضان فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن هذا الشهر قد حضركم، وفيه ليلة خير من ألف شهر، من حرمها فقد حرم الخير كله، ولا يحرم خيرها إلا محروم) [رواه ابن ماجه وحسنه الألباني]. فَهِي لَيْلَةٌ مُبَارَكَةٌ لِكَثْرَةِ خَيْرِهَا وَبَرَكَتِهَا وَفَضْلِهَا، وَمِنْ بَرَكَتِهَا: أَنَّ هَذَا الْقُرْآنَ الْمُبَارَكَ أُنْزِلَ فِيهَا، قَالَ تَعَالَى: )إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ( [الدخان:3]، بَلْ أَنْزَلَ اللهُ عَنْهَا سُورَةً كَامِلَةً وبين فيها مزاياها وفضلها، )إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ (1) وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ (2) لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ (3) تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ (4) سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ (5)( [القدر:1-5]، من قامها إيمانا واحتسابا بما أعد الله للقائمين فيها كان ذلك من أسباب تكفير ذنوبه ومحو سيئاته،  فَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه عَنِ النَّبِيِّ قَالَ: «مَنْ قَامَ لَيْلَةَ القَدْرِ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ» [مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ]، ولهذا كان من أفضل الأدعية فيها سؤال الله العفو والمغفرة، فَقَدْ سَأَلَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا النَّبِيَّ : يَا نَبِيَّ اللَّهِ، أَرَأَيْتَ إِنْ وَافَقْتُ لَيْلَةَ الْقَدْرِ، مَا أَقُولُ؟ قَالَ: «تَقُولِينَ: اللَّهُمَّ إِنَّكَ عَفُوٌّ تُحِبُّ الْعَفْوَ، فَاعْفُ عَنِّي» [رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَصَحَّحَهُ الْأَلْبَانِيُّ].
  • مَعَاشِرَ الْمُؤْمِنِينَ:
ليلة القدر في العشر الأواخر من رمضان، فلا تغفل عن ليلة من لياليها، سواء في الأشفاع والأوتار، لعلك أن تكون من أهلها، يَقُولُ النَّبِيُّ :  «تَحَرَّوْا لَيْلَةَ القَدْرِ فِي العَشْرِ الأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ»  [مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ مِنْ حَديثِ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا]، وهي في الأوتار أقرب، لِحَديثِ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ : «تَحَرَّوْا لَيْلَةَ القَدْرِ فِي الوِتْرِ، مِنَ العَشْرِ الأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ» [مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ]، وهي لَا تَخْتَصُّ بِلَيْلَةٍ مُعَيَّنَةٍ فِي جَمِيعِ الْأَعْوَامِ، بَلْ تَتَنَقَّلُ تَبَعًا لِمَشِيئَةِ اللهِ وَحِكْمَتِهِ سُبْحَانَهُ؛ لِذَلِكَ قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تِيمِيَّةَ رَحِمَهُ اللهُ: (وَإِذَا كَانَ الْأَمْرُ هَكَذَا، فَيَنْبَغِي أَنْ يَتَحَرَّاهَا الْمُؤْمِنُ فِي الْعَشْرِ الأَوَاخِرِ جَمِيعِهِ).
  • يا رجال الليل جدوا ... رب داع لا يرد
  • ما يقوم الليل إلا ... من له عزم وجد
فَاجْتَهِدُوا رَحِمَكُمُ اللهُ فِي طَلَبِهَا، واحرصوا على الخير في هذه الأيام ولياليها، أقول ما تسمعون، وأستغفر الله لي ولكم من كل ذنب، إنه هو الغفور الرحيم.
  • الخطبة الثانية
الْحَمْدُ لِلَّهِ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامَ عَلَى رَسُولِ اللهِ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَمَنِ اتَّبَعَ هُدَاهُ، وَأَشْهَدُ أَن لَّا إلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ الَّذِي أَرْسَلَهُ رَبُّهُ رَحْمَةً لِلْعَالَمَيْنِ.
  • أَمَّا بَعْدُ:
فَأُوْصِيكُمْ – عِبَادَ اللهِ - وَنَفْسِي بِتَقْوَى اللهِ تَعَالَى؛ فَإِنَّ تَقْوَى اللهِ خَيْرُ الزَّادِ لِيَوْمِ الْمَعَادِ.
  • عباد الله:
مما يشرع في هذه الأيام والليالي: الاعتكاف في المساجد حرصا على طلب ليلة القدر ورغبة في الخير والأجر، والانقطاع عن الدنيا والإقبال على الآخرة،  فقد كان النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَعْتَكِفُ هَذِهِ الْعَشْرَ فِي المَسْجِدِ، يَتَفَرَّغُ لِطَاعَةِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَاعْتَكَفَ أَصْحَابُهُ وأَزْوَاجُهُ مَعَهُ وَبَعْدَهُ؛ فَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: «إِنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اعْتَكَفَ الْعَشْرَ الْأَوَّلَ مِنْ رَمَضَانَ، ثُمَّ اعْتكَفَ العَشْرَ الْأَوْسَطَ فِي قُبَّةٍ تُرْكِيَّةٍ عَلَى سُدَّتِهَا حَصِيرٌ، قَالَ فأَخَذَ الْحَصِيرَ بِيَدِهِ فَنَحَّاهَا فِي نَاحِيَةِ الْقُبَّةِ، ثُمَّ أَطْلَعَ رَأْسَهُ فَكَلَّمَ النَّاسَ، فَدَنَوْا مِنْهُ فَقَالَ: إِنِّي اعْتكَفْتُ العَشْرَ الأَوَّلَ؛ أَلْتَمِسُ هَذِهِ اللَّيْلَةَ، ثُمَّ اعْتَكَفْتُ العَشْرَ الأَوْسَطَ، ثمَّ أُتِيتُ فَقِيلَ لِي: إِنَّهَا فِي العَشْرِ الْأَوَاخِرِ، فَمَنْ أَحَبَّ مِنْكُمْ أَنْ يَعْتَكِفَ فَلْيَعْتَكِفْ» [مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ]. وَعَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا: «أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم كَانَ يَعْتَكِفُ العَشْرَ الْأَوَاخِرَ مِنْ رَمَضَانَ حَتَّى تَوَفَّاهُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ، ثُمَّ اعْتَكَفَ أَزْوَاجُهُ مِنْ بَعْدِهِ» [مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ]، قال ابن رجب رحمه الله: (فمعنى الاعتكاف وحقيقته: قطع العلائق عن الخلائق للاتصال بخدمة الخالق).