الترغيب في تلاوة القرآن وقيام ليل رمضان
الترغيب في تلاوة القرآن وقيام ليل رمضان
  | 1644   |   طباعة الصفحة


  • خطبة بعنوان: الترغيب في تلاوة القرآن وقيام ليل رمضان.
  • ألقاها لشيخ الدكتور: خالد بن ضحوي الظفيري - حفظه الله تعالى.
  • المكان: خطبة في يوم  7 رمضان 1443هـ في مسجد السعدي بالجهرا.

 
  • الخطبة الأولى:
إِنَّ الحَمْدَ لِلَّهِ، نَحْمَدُهُ ونَسْتَعِينُهُ ونَسْتَغْفِرُهُ، ونَعُوذُ بِاللهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا ومِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، ومَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وأَشْهَدُ أَن لَّا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ،  ) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ( [آل عمران:102].
  • أَمَّا بَعْدُ:
إن شهر رمضان موسم عظيم من مواسم الطاعات، تضاعف فيه الحسنات، وتفتح فيه أبواب الجنات، وتغلق فيه أبواب النيران، وتصفد فيه مردة الشياطين، وتتهيأ النفوس للعبادة وتنشط فيها أكثر ما يكون في غيره، وإن من أحسن ما يستغل به المسلم وقته في شهر رمضان المبارك من نوافل العبادات تلاوة القرآن، فلتلاوته في هذا الشهر مزية خاصة حيث ابتدأ الله إنزال القرآن في شهر رمضان، قال تعالى: {شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان}. وقد كثر الترغيب في الكتاب والسنة في تلاوة القرآن الكريم، فمما جاء في فضل تلاوته قوله تعالى: {إن الذين يتلون كتاب الله وأقاموا الصلاة وأنفقوا مما رزقناهم سراً وعلانية يرجون تجارة لن تبور ليوفيهم أجورهم ويزيدهم من فضله إنه غفور شكور}. وكان مطرف إذا قرأ هذه الآية قال: هذه آية القراء. وفي الصحيحين عن أبي موسى الأشعري عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "مثل المؤمن الذي يقرأ القرآن مثل الأترجة، ريحها طيب وطعمها طيب ...". وفي صحيح مسلم عن أبي أمامة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "اقرؤوا القرآن فإنه يأتي يوم القيامة شفيعاً لأصحابه". وفي صحيح مسلم أيضاً عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم؛ إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وذكرهم الله فيمن عنده". فأين المجتهدون وأين السابقون، خصوصا وأن لكثرة قراءة القرآن المبارك في هذا الشهر مزية خاصة، فقد كان جبريل عليه يعارض النبي صلى الله عليه وسلم القرآن في رمضان كل سنة مرة، فلما كان العام الذي توفي فيه عارضه مرتين تأكيداً وتثبيتاً. وكان السلف الصالح يكثرون من تلاوة القرآن في رمضان في الصلاة وخارج الصلاة. وكان جماعة من السلف يختمون القرآن في شهر رمضان مرات عديدة، فاقتدوا بهم في الإقبال على تلاوة القرآن الكريم وتدبره.
  • وللتلاوة آداب كثيرة منها:
إخلاص النية لله تعالى فيها، قال الله تعالى {فادعوا الله مخلصين له الدين}، والتلاوة من أجل العبادات وأفضل القربات . وقال عليه الصلاة والسلام: " اقرؤوا القرآن وابتغوا به وجه الله عز وجل من قبل أن يأتي قوم يقيمونه إقامة القِدْحِ، يتعجلونه ولا يتأجلونه". رواه أحمد وحسنه الألباني، أي يتكلفون في قراءته ويطلبون به أجر الدنيا.
  • ومن آدابها: أن يقرأ بقلب حاضر، يتدبر ما يقرأ، ويتفهم معانيه، ويخشع عند ذلك قلبه، ويستحضر بأن الله يخاطبه، لأن القرآن كلام الله عز وجل.
  • ومن آدابها: أن يقرأ القرآن على طهارة، لأنه من تعظيم كلام الله عز وجل، ولا يقرأ القرآن وهو جنب حتى يغتسل.
  • ومن آدابها: الابتداء بالاستعاذة، لقوله تعالى: (فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم)، وأما البسملة فيبسمل أول كل سورة إلا في سورة التوبة.
  • ومن آدابها: أن يُحَسِّن صوته بالقرآن ويترنم به، لما في الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (ما أذن الله لشيء –أي: ما استمع-كما أذن لنبي حسن الصوت يتغنى بالقرآن يجهر به).
وإذا كان معك أحد حيث تقرأ، فلا تجهر بالقرآن جهراً يشوش عليه قراءته أو صلاته، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (ألا إنَّ كلَّكم مُناجٍ ربَّه ، فلا يُؤذِينَّ بعضُكم بعضًا ، ولا يرفعَنَّ بعضُكم على بعضٍ بالقراءةِ . أو قال : في الصلاةِ) رواه أحمد وصححه الألباني.
  • ومن آدابها أن يرتل القرآن ترتيلاً، لقوله تعالى (ورتل القرآن ترتيلاً)، فيقرأ بتمهل دون سرعة مفرطة، لأن ذلك أعون على تدبر معانيه، وتقويم حروفه وألفاظه، وفي صحيح البخاري عن أنس بن مالك رضي الله عنه أنه سئل عن قراءة النبي صلى الله عليه وسلم فقال: (كانت مداً، ثم قرأ بسم الله الرحمن الرحيم، يمد بسم الله، ويمد الرحمن، ويمد الرحيم). وسئلت أم سلمة عن قراءة النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: كان يقطع قراءته آية آية، بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، مالك يوم الدين) رواه أحمد وأبو داود والترمذي. وقال ابن مسعود: لا تنثروه نثر الرمل، ولا تهذُّوه هَذَّ الشِّعر، قفوا عند عجائبه، وحركوا به القلوب، ولا يكن همُّ أحدِكم آخر السورة).
  • ومن آدابها: السجود إذا مر بآية سجدة، فيكبر ويسجد، ويقول: سبحان ربي الأعلى، ويدعو، ثم يرفع رأسه بدون تكبير، إلا إذا كان في الصلاة، فيكبر لسجوده، ولرفعه منه.
فاجتهدوا عباد الله في تلاوة القرآن لا سيما في هذا الشهر الكريم. اللهم وفقنا لتلاوة كتابك على الوجه الذي يرضيك عنا، برحمتك يا أرحم الراحمين. بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم.
  • الخطبة الثانية
الحَمْدُ لِلَّهِ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى رَسُولِ اللهِ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَمَنِ اتَّبَعَ هُدَاهُ، وَأَشْهَدُ أَن لَّا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ.
  • أما بعد:
فأوصيكم – عباد الله - ونفسي بتقوى الله تعالى؛ فإن تقوى الله خير الزاد ليوم المعاد.
  • عباد الله:
ومن أحسن ما يتقرب به المسلم إلى ربه في هذا الشهر من نوافل الطاعات قيام هذه الليالي المباركات، قال تعالى يمدح أهل قيام الليل: (والذين يبيتون لربهم سجداً وقياماً)، وقال تعالى: (تتجافى جنوبهم عن المضاجع يدعون ربهم خوفاً وطمعاً ومما رزقناهم ينفقون. فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين جزاء بما كانوا يعملون). وقال صلى الله عليه وسلم: (أفضل الصلاة بعد الفريضة صلاة الليل) رواه مسلم. وقال صلى الله عليه وسلم (أيها الناس أفشوا السلام، وأطعموا الطعام، وصِلُوا الأرحام، وصَلُّوا بالليل والناس نيام، تدخلوا الجنة بسلام) رواه الترمذي وقال حسن صحيح. وقال صلى الله عليه وسلم في خصوص قيام رمضان: (من قام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه). ومن قيام الليل صلاة التراويح فينبغي للمسلم أن يعتني بها ويواظب عليها الشهر كله. والنبي صلى الله عليه وسلم هو أول من سن الجماعة في صلاة التراويح في المسجد ثم تركها خوفاً من أن تفرض على أمته وأحيا عمر هذه السنة الجليلة ولا يزال المسلمون على ذلك. وينبغي للمسلم أن يصلي مع الإمام التراويح كلها ولا يخرج قبل الوتر، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (إنه من قام مع الإمام حتى ينصرف كُتب له قيام ليلة). رواه أهل السنن بسند صحيح. ويجوز للنساء حضور التراويح في المساجد أذا أمنت الفتنة منهن وبهن، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (لا تمنعوا إماء الله مساجد الله)، ولأن هذا من عمل السلف الصالح. لكن يجب أن تأتي متحجبة متسترة غير متبرجة ولا متطيبة ولا مبدية زينة. والسنة للنساء أن يتأخرن عن الرجال ويبدأن بالصف المؤخر عكس الرجال، لقول النبي صلى الله عليه وسلم (خير صفوف الرجال أولها وشرها آخرها وخير صفوف النساء آخرها وشرها أولها) رواه مسلم. وهذا إذا كُنَّ يصلين وراء الرجال دون ستر. فإذا كان بينهن وبين الرجال ستر فحكم صفوفهن حكم صفوف الرجال. والسنة أن ينصرف النساء فور تسليم الرجال ولا يتأخرن إلا لعذر، وأن يتأخر الرجال قليلاً. عن أم سلمة رضي الله عنها قالت (كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا سلم قام النساء حين يقضيَ تسليمه وهو يمكث في مقامه يسيراً قبل أن يقوم. قالت: نرى والله أعلم أن ذلك كان لكي ينصرف النساء قبل أن يدركهن الرجال) رواه البخاري. فليراع الرجال هذا الهدي النبوي.