مكائد أعداء الدين وحقيقة دعاة الحرية
مكائد أعداء الدين وحقيقة دعاة الحرية
  | 2384   |   طباعة الصفحة


  • خطبة بعنوان: مكائد أعداء الدين وحقيقة دعاة الحرية.
  • ألقاها لشيخ الدكتور: خالد بن ضحوي الظفيري - حفظه الله تعالى.
  • المكان: خطبة في يوم 17 رجب 1443هـ في مسجد السعدي بالجهرا.

 
  • الخطبة الأولى: 
إِنَّ الحَمْدَ لِلَّهِ، نَحْمَدُهُ ونَسْتَعِينُهُ ونَسْتَغْفِرُهُ، ونَعُوذُ بِاللهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا ومِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، ومَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وأَشْهَدُ أَن لَّا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:102]. أَمَّا بَعْدُ:
  • عِبَادَ اللهِ:
فَإِنَّ مِنْ أَعْظَمِ نِعَمِ اللهِ تَعَالَى عَلَيْنَا أَنْ هَدَانَا إِلَى التَّوْحِيدِ وَالْإِسْلَامِ، وَجَعَلَنَا مِنْ أَتْبَاعِ سُنَّةِ سَيِّدِ الْأَنَامِ عليه الصلاة والسلام، قَالَ تَعَالَى: (قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ)، قَالَ ابْنُ القَيِّمِ رَحِمَهُ اللهُ: (وَقَدْ دَارَتْ أَقْوَالُ السَّلَفِ عَلَى أَنَّ فَضْلَ اللهِ وَرَحْمَتَهُ: الْإِسْلَامُ وَالسُّنَّةُ)، وَقَدْ أَتَمَّ اللهُ تَعَالَى عَلَيْنَا نَعْمَتَهُ بِأَنْ جَعَلَنَا فِي مُجْتَمَعٍ عَرَفَ قَدْرَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَنَشَأَ عَلَى الْإيمَانِ، فِي بَلَدٍ مَظَاهِرُ التَّوْحِيدِ فِيهِ بَارِزَةٌ، وَمَعَالِمُ الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ فِيهِ ظَاهِرَةٌ، نَسْأَلُ اللهَ أَنْ يَزِيدَنَا مِنْ خَيْرِهِ وَيُثَبِتَّنَا عَلَى تَوْحِيدِهِ.
  • عِبَادَ اللهِ:
وَمِنْ سُنَنِ اللهِ تَعَالَى أَنْ يَبْتَلِيَ عِبَادَهُ وَأهْلَ تَوْحِيدِهِ بأعداءٍ حَسَدَةٍ مِنْ شَيَاطِينِ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ، يُحَاوِلُونَ إِضْلَالَهُمْ عَنِ الْحَقِّ وَصَرْفَهُمْ عَنِ الطَّرِيقِ الْمُسْتَقِيمِ إِلَى كُلِّ طَرِيقٍ ضَالٍّ وَخِيمٍ، وَإبْعَادَهُمْ عَنْ سُبُلِ السَّلَامِ وَالْهُدَى، إِلَى طَرَائِقِ الضَّلَالِ وَالرَّدَى، قَالَ تَعَالَى: (يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ) وَقَدْ حَذَّرَنَا رَسُولُنَا صلى الله عليه وسلم مِنْ هَذِهِ الطَّرَائِقِ الْمُحْدَثَةِ وَمِنْ أهْلِهَا، فَقَال صلى الله عليه وسلم: (سَيَكُونُ في آخِرِ أُمَّتِي أُنَاسٌ يُحَدِّثُونَكُمْ مَا لَمْ تَسْمَعُوا أَنْتُمْ وَلاَ آبَاؤُكُمْ فَإِيَّاكُمْ وَإِيَّاهُمْ).رَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيرَة. وَمِنْ تَدَبَّرَ أَحْوَالَ الْأُمَمِ السَّابِقَةِ وَجَدَ أَنَّهُمْ بَعْدَ أَنْ أَنَعَمَ اللهُ عَلَيْهِمْ بِالدِّينِ الصَّحِيحِ انْحَرَفُوا عَنْهُ وَاتَّبَعُوا الشَّيَاطِينَ، وَقَدْ حَذَّرَنَا اللهُ تَعَالَى مَنِ اِتِّبَاعِ سَبِيلِهِمْ وَالسَّيْرِ عَلَى طَرِيقِهِمْ. عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيّ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّه صلى الله عليه وسلم: (لَتَتَّبِعُنَّ سَنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ، شِبْرًا بِشِبْرٍ، وَذِرَاعًا بِذِرَاعٍ، حَتَّى لَوْ دَخَلُوا في جُحْرِ ضَبٍّ لاتَّبَعْتُمُوهُمْ ». قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ آلْيَهُودَ وَالنَّصَارَى؟، قَالَ « فَمَنْ » [مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ].
  • عِبَادَ اللهِ:
ها نحن نسمع ونرى بين الحين والآخر، من المكائد الضالة، والشبهات الخطافة، التي يحاول بها أعداء الدين والإسلام، إبعاد المسلمين عن دينهم، وإضعاف تمسكهم بسنة نبيهم؛ ليَخْلُوا لهم الجوُّ فينشروا الإلحاد والفساد، وكل ما يخالف أوامر رب العباد. خصوصا مع انتشار وسائل التواصل وسهولة الدخول علينا في بيوتنا وهواتفنا ووصولهم بسهولة إلى مسامع وعقول أولادنا ونسائنا، فاحذروا غاية الحذر، فالأمر جِدُّ خطير والشبهات خطافة.
  • عِبَادَ اللهِ:
حاول أعداء الدين إظهار إلحادهم وإنكارهم لمسلمات ديننا بصورة التنوير والعقل، فزعموا أن الشرع يخالف العقل، وما علموا أن الله هو خالق العقل، وأن الله هو الحكيم الذي لا يأمر ولا ينهى إلا بما فيه مصالح العباد، ولا تأتي أبدا الشرائع بما يخالف العقول السليمة، فإن زعموا أن هناك تعارضًا مع ما صحّ من الدين ومخالفة، فالبلاء في عقولكم يا من تدَّعون التنوير والعقلانية، فما عقولكم إلا عقول فاسدة، وأفهامكم أفهام كاسدة. فديننا دين المحاسن والحكم، فكل خير في اتباعه، وكل شر في الابتعاد عنه. ومرة يظهرون بلباس الحرية والليبرالية، وأن الإسلام يقيد الحرية، وهو يقصدون بحرياتهم انتشار الخمور والفساد، والدعوة إلى حرية التدين والكفر بالله، فترك الدين حرية!، وسب الله حرية!، واستغلال المرأة وتبرجها وسفورها وسلخها من خلق الحياء والعفة!، والدعوة إلى الاختلاط، والاجتماع في حفلات الرقص والغناء، كل ذلك عندهم حريّة، نعم!! هم يريدون فقط التخلص من دين الإسلام بهذه الدعاوى؛ ليَسلَم لهم فسادُهم وفجورُهم وتركُهم لكل تعاليم الإسلام. هذه الحرية الحقيقية عندهم!!. حتى وصل الأمر عندهم إلى الدعوة إلى الحرية في التشبه بالجنس الآخر والشذوذ وفعل الفواحش، كل ذلك تقليدًا للغرب الكافر وخُلُقه الفاجر. ومرة يأتونك بالشرك والغلو أو بالبدع والأهواء بصورة محبة الصالحين والغلو في الأنبياء، كما سيحصل من احتفالاتهم البدعية فيما سيأتي من الأيام، كاحتفالهم بالإسراء والمعراج أو بغير ذلك، والبدعُ وانتشارُها من أعظم أنواع الفساد والطغيان، التي تضر الدين والأبدان والبلدان. فَلَا تَغُرَّنَّـكُمْ- يَا عِبَادَ اللهِ- مِثْلُ هَذِهِ الدَّعَاوَى الزَّائِفَةِ, وَلَا تَخْدَعَنَّـكُمْ هَذِهِ الزَّخَارِفُ الشَّيْطَانِيَّةُ؛ فَكُلُّهَا طَرِيقٌ إِلَى الْكُفْرِ وَالْاِنْحِرَافِ أو الضلال والاختلاف, وَعَلَيْكُمْ بِالْوَحْيَيْنِ: الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ، تَمَسَّكُوا بِهِمَا، وَعَضُّوا عَلَيْهِمَا بِالنَّوَاجِذِ تَسْلَمُوا, فَبِهِمَا السَّعَادَةُ وَالرَّشَادُ, وَبِغَيْرِهِمَا الْهَلَاكُ وَالْفَسَادُ، (قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ (15) يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ). أَقُولُ مَا تَسْمَعُونَ وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ العَظِيمَ لي ولكم، فَاسْتَغْفِرُوهُ إِنَّهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ.
  • الخطبة الثانية
الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ، وَأَشْهَدُ أَن لَّا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ وَلِيُّ الصَّالِحِينَ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ الأَمِينُ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَالتَّابِعِينَ وَمَنْ تَبِعَهُمْ بِإحْسَانٍ، وَسَلَّمَ تَسْلِيماً مَزِيدًا إِلَى يَوْمِ الدِّينِ.
  • أَمَّا بَعْدُ:
فَأُوصِيكُمْ وَنَفْسِي بِتَقْوَى اللهِ تَعَالَى؛ فَمَنِ اتَّقَى اللهَ وَقَاهُ، وَنَصَرَهُ وَكَفَاهُ.
  • عِبَادَ اللهِ:
إن حقيقة دعاة الحرية إنما هم عبيد للنفس والهوى والشيطان، تركوا عبودية الرحمن والتذلل لله ذي السلطان، واختاروا أن يكون عبيدا لما يمليه عليهم شياطين الإنس والجن، (أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ)، اختاروا الإلحاد على إفراد رب العباد، اختاروا أخلاق السفهاء والفجار على فضائل وأخلاق الدين وطهارته وحيائه، اختاروا أن يكونوا أذنابا للغرب على أن يكونوا أعزة بهذا الدين، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ - رضى الله عنه - عَنِ النَّبِىِّ - صلى الله عليه وسلم – قَالَ: « تَعِسَ عَبْدُ الدِّينَارِ وَالدِّرْهَمِ وَالْقَطِيفَةِ وَالْخَمِيصَةِ، إِنْ أُعْطِىَ رَضِىَ، وَإِنْ لَمْ يُعْطَ لَمْ يَرْضَ» رواه البخاري.
  • قال ابن القيم رحمه الله:
  • هربوا من الرِّقِّ الذي خُلقوا له*** فبُلُو بِرقِّ النَّفس والشيطان
  • لا ترضَ ما اختارُوهُ هم لنفوسهم*** فقد ارتَضَوْا بالذل والحرمان
  • لو سَاوت الدّنيا جناحَ بعوضة*** لم يَسقِ منها الربُّ ذا الكفران
  • لكنَّها والله أحقر عنده*** من ذي الجناح القاصر الطيران