موت العالم ثُلمة في الإسلام
موت العالم ثُلمة في الإسلام
  | 4941   |   طباعة الصفحة


  • خطبة بعنوان: موت العالم ثُلمة في الإسلام .
  • ألقاها الشيخ الدكتور: خالد بن ضحوي الظفيري - حفظه الله تعالى.
  • المكان: خطبة في يوم 4  جمادي الثاني 1443هـ في مسجد السعدي بالجهرا.

 
  • الخطبة الاولى:
إِنَّ الحَمْدَ لِلَّهِ، نَحْمَدُهُ ونَسْتَعِينُهُ ونَسْتَغْفِرُهُ، ونَعُوذُ بِاللهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا ومِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، ومَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وأَشْهَدُ أَن لَّا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:102].
  • عباد الله:
لِلْعُلَمَاءِ في ديننا مَكَانَةٌ عَظِيمَةٌ، وَمنزلة جليلة، وقد ورد في فَضْلهم والثناء عليهم الكثير من آيات الكتاب المبين وسنة سيد المرسلين، فَالعُلَمَاءُ شُهُودُ اللهِ عَلَى تَوْحِيدِهِ جَلَّ فِي عُلَاهُ، قَالَ تَعَالَى: )شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ( [آل عمران: 18]، قال سفيان بن عيينة رحمه الله: "أرفع الناس منزلة عند الله من كان بين الله وبين عباده، وهم الرسل والعلماء"، كيف؟! وهم ورثة الأنبياء، ويستغفر لهم -لجميل فضلهم وعظيم أثرهم- من في السموات والأرض حتى الحيتان في البحر، والنملة في جحرها، وفضل العالم على العابد كفضل القمر على سائر الكواكب، يدعون من ضل إلى الهدى، ويصبرون منهم على الأذى، يحيون بكتاب الله الموتى، ويُبَصِّرون بنور الله أهل العَمَى، فكم من قتل لإبليس فقد أحيوه، وكم من ضالٍ تائهٍ قد هدوه، فما أحسن أثرهم على الناس! وأقبح أثر الناس عليهم! ينفون عن كتاب الله تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين.
  • عباد الله:
لما كان العلماء بهذه المنزلة العالية والمكانة السامية كان فقدُهم من أعظم المُصاب، وأشد المصائب، إذ بذهابهم يذهب العلم ويُنسى، وبفقدهم يَقلُّ الخيرُ وتكثرُ الفتن، وذاك حين يجد أهلُ الجهل والأهواء سبيلاً للظهور والتصدر، فينخدع بهم العوام، ويسير على أقوالهم من لم يميزهم من أهل الإسلام، فيَضلّون ويُضلّون، فعبد اللَّهِ بن عَمْرِو بن الْعَاصِ رضي الله عنهما قال سمعت رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يقول: (إِنَّ اللَّهَ لَا يَقْبِضُ الْعِلْمَ انْتِزَاعًا يَنْتَزِعُهُ من الْعِبَادِ وَلَكِنْ يَقْبِضُ الْعِلْمَ بِقَبْضِ الْعُلَمَاءِ حتى إذا لم يُبْقِ عَالِمًا اتَّخَذَ الناس رؤوسا جُهَّالًا فَسُئِلُوا فَأَفْتَوْا بِغَيْرِ عِلْمٍ فَضَلُّوا وَأَضَلُّوا). [متفق عليه]. وعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: (عليكم بالعلم قبل أن يقبض وقبضه ذهاب أهله). وقال ابن عباس لما مات زيد بن ثابت: (من سَرَّه أن ينظر كيف ذهاب العلم فهكذا ذهابه)، وقال: (لَقَدْ دُفِنَ الْيَوْمَ عِلْمٌ كَثِيرٌ)، وقد قيل لسعيد بن جبير: (ما علامة الساعة وهلاك الناس؟ قال: إذا ذهب علماؤهم). فموت العالم ثلمة كبيرة خصوصا مع قلّة العلماء، ولا يسدها إلا أن يخلفه غيره من أهل العلم، قال الحسن البصري: (كانوا يقولون: موت العالم ثُلمة في الإسلام، لا يسدها شيء ما اختلف الليل والنهار).
  • عباد الله:
موت العلماء من أشراط الساعة وسبب لظهور الفتن وانتشار الشر والمحن، عن عبد الله بن مسعود، أنه قال: ليس عام إلا الذي بعده شر منه، لا أقول: عام أمطر من عام، ولا عام أخصب من عام، ولا: أمير خير من أمير، ولكن ذهاب خياركم وعلمائكم، ثم يحدث قوم يقيسون الأمور برأيهم فيهدم الإسلام ويثلم)، والله سبحانه يقول في كتابه: (أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا) قال ابن عباس: (خرابها بموت علمائها وفقهائها وأهل الخير منها)، وكذا قال مجاهد أيضا: (هو موت العلماء).
  • الأرضُ تَحيَا إذا مَا عَاشَ عَالِمُهَا *** مَتَى يَمُتْ عَالِمٌ مِنهَا يَمُتْ طَرَفُ
  • كالأرضِ تَحيَا إذا مَا الغَيثُ حَلَّ بِها *** وإِنْ أَبَى عَادَ في أَكنَافِهَا التَّلَفُ
وقد كان السلف لعلمهم بخطورة موت العلماء وفقدهم وقلّتهم، إذا بلغهم موتُ العالم من علماء السنة حزنوا الحزن الشديد خصوصا إن كان من المنافحين عن السنة الذَّابين عن حياضها، قال أيوب: (إنه ليبلغني موت الرجل من أهل السنة فكأنما أفقد به بعض أعضائي)، وقال عبد الله بن المبارك: (اعلم أني أرى أن الموت اليوم كرامة لكل مسلم لقي الله على السنة، فإنا لله وإنا إليه راجعون، فإلى الله نشكو وحشتنا، وذهاب الإخوان، وقلة الأعوان، وظهور البدع، وإلى الله نشكو عظيم ما حل بهذه الأمة من ذهاب العلماء وأهل السنة ، وظهور البدع).
  • عباد الله:
فاحرصوا يا عباد الله وطلاب العلم على العلماء الباقين ففيهم الخير البركة واجتهدوا في سدّ هذا الثَّغر بالتَّعلم والاجتهاد فيه، فعن أبي الدرداء رضي الله عنه قال : (ما لي أرى علماءكم يذهبون ، وجهالكم لا يتعلمون ، فتعلموا قبل أن يرفع العلم ، فإن رفع العلم ذهاب العلماء)، وعزاؤنا عباد الله فيما أخبرنا عنه r من بقاء أهل الحق وظهورهم، كما في قوله r: (لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين)، فاللهم اغفر لمن مات من علمائنا وأسكنهم فسيح جناتك واجزهم يا رب عنا خيراً، وبارك ربنا فيمن بقي، واحفظهم بحفظك واكلأهم برعايتك. أَقُولُ مَا تَسْمَعُونَ وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ العَظِيمَ لي ولكم، فَاسْتَغْفِرُوهُ إِنَّهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ.
  • الخطبة الثانية
الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ، وَأَشْهَدُ أَن لَّا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ وَلِيُّ الصَّالِحِينَ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ الأَمِينُ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَالتَّابِعِينَ وَمَنْ تَبِعَهُمْ بِإحْسَانٍ، وَسَلَّمَ تَسْلِيماً مَزِيدًا إِلَى يَوْمِ الدِّينِ. أَمَّا بَعْدُ: فَأُوصِيكُمْ وَنَفْسِي بِتَقْوَى اللهِ تَعَالَى؛ فَمَنِ اتَّقَى اللهَ وَقَاهُ، وَنَصَرَهُ وَكَفَاهُ.
  • عباد الله:
ها نحن نرى عودة الوباء إلينا وارتفاع عدد الإصابات مما يدعونا إلى الالتجاء إلى الله تعالى والتضرع إليه أن يرفع عنا وعن المسلمين هذا البلاء والمرض، فإن الأمر إلى الله، والدنيا والآخرة ملكه وحده، وهو ربنا لا ربّ لنا سواه، ولا كاشف للبلاء إلا هو، (وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو وإن يردك بخير فلا راد لفضله يصيب به من يشاء من عباده وهو الغفور الرحيم)، ومن أعظم ما يدفع البلاء قبل وقوعه ويرفعه حين وقوعه: العودة إلى الله تعالى، والتزام تقواه، والخوف من الجليل، والعمل بالتنزيل، قال تعالى: (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ(42) فَلَوْلا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ)، وأن نرجع إليه بالتوبة من الذنوب والتخلص من العصيان، فما نزل بلاء إلا بذنب ولا رفع إلا بتوبة، وأكثروا من الاستغفار فهو للخير مدرار، (فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا *  يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا * وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا). عباد الله: ومن أسباب السلامة اتباع الإرشادات الصحية والإجراءات الوقائية التي أمر بها الجهات المسؤولة، من لبس الكمامة وإحضار سجادة خاصة للصلاة، والبعد عن التجمعات، وعدم السفر إلا لضرورة، وأخذ التطعيمات المقررة، والأخذ بالأسباب من تمام التوكل على اللطيف الوهاب.