التحذير من أهل البدع والرد عليهم من الجهاد في سبيل الله
التحذير من أهل البدع والرد عليهم من الجهاد في سبيل الله
  | 1681   |   طباعة الصفحة


  • خطبة بعنوان: التحذير من أهل البدع والرد عليهم من الجهاد في سبيل الله.
  • ألقاها الشيخ الدكتور: خالد بن ضحوي الظفيري حفظه الله تعالى.
  • المكان: خطبة في يوم 19 محرم 1443هـ في مسجد السعدي بالجهرا.

 
  • الخطبة الأولى:
إِنَّ الحَمْدَ لِلَّهِ، نَحْمَدُهُ ونَسْتَعِينُهُ ونَسْتَغْفِرُهُ، ونَعُوذُ بِاللهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا ومِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، ومَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وأَشْهَدُ أَن لَّا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ).
  • أما بعد فيا عباد الله:
فإن الاعتصامَ بالكتابِ والسنةِ والتمسكَ بهما أعظمُ أصولِ الإسلامِ ودعائِمِه العِظام، الذي من تركه ضَلَّ السَّبيلَ وأدَّى ذلك به إلى الهلاك، فيجب على الأمةِ الاعتصامُ بكتابِ ربها وبسنةِ نبيها، وهو حبلُهُ الذي أمر -تعالى- بالتَّمسكِ والاعتصامِ به، ونهى عن ضدِّ ذلك من التفرق والتنازع والتشتت، فقال تعالى: (واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا)، وقال تعالى: (وأن هذا صراطي مستقيماً فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله ذلكم وصاكم به لعلكم تتقون) والآيات في هذا المعنى كثيرة. وكذلك حث الرسول على الاعتصام ونهى عن التفرق، فقال في حديث أبي هريرة: (إن الله يرضى لكم ثلاثاً: يرضى لكم أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئاً وأن تعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا، وأن تناصحوا من ولاه الله أمركم) [رواه مسلم]، وقد أخبر صلوات الله وسلامه عليه أن الاختلاف والتفرق في الأمة حاصل مع ذمه له، فأوصاهم وصية نافعة جامعة فقال كما في حديث العرباض بن سارية: (قد تركتكم على المحجةِ البيضاءِ، ليلُها كنهارها، لا يزيغ عنها إلا هالك، ومن يعشْ منكم فسيرى اختلافاً كثيراً، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، تمسكوا بها وعضُّوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة) [رواه أصحاب السنن]. وفي هذا الحديث فوائد عظيمة ونصائح جليلة بين فيه أن الاختلاف واقع في الأمة والتفرق حاصل، وأن واجب العبد تجاهه أن يتمسك بسنة النبي ، وسنة خلفائه الراشدين، وأن يحذر من المحدثات في الدين والابتداع فيه. والبدعة وأهلها عباد الله من أعظم أسباب اختلاف الأمة وتشتتها ، يقول ابن تيمية :(الفرقة ملازمة للبدعة، كما أن الاجتماع ملازم للسنة)، فالمبتدعة والابتداع داء خطير في الأمة سبب لها كثيراً من الفتن والبلاء، وكان مصدراً لتفريقها وتشتيتها، حتى كانت ثلاثاً وسبعين فرقة، منها واحدةٌ ناجيةٌ فقط، فعن معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه أن النبي قال: (وستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة، فقيل ما هي يا رسول الله؟ قال: ما كنت عليه أنا اليوم وأصحابي) وفي لفظ (الجماعة)، ولما كانت البدع من أعظم أسباب تفرق الأمة وتشتتها جاءت النصوص الكثيرة في التحذير منها ومن أهلها، واتفق السلف الصالح على التحذير منها، وقرروا هجرَ أهلها ومنابذتَهم وبغضَهم واجتنابَهم والتحذيرَ منهم، بل نقلوا الإجماع على ذلك، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله : (سيكون في آخر أمتي ناس يحدثونكم بما لم تسمعوا أنتم ولا آباؤكم؛ فإياكم وإياهم) [رواه مسلم]، أي احذروا أهل البدع ، وقال في حديث عائشة: (فإذا رأيتم الذين يتبعون ما تشابه منه فأولئك الذين سمى الله فاحذروهم) [متفق عليه].
  • عباد الله:
ولأهمية الردّ على أهل البدع والأهواء بيّن علماء السنة أن الرد على أهل البدع من أعظم أنواع الجهاد في سبيل الله، قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: «ومثل أئمة البدع من أهل المقالات المخالفة للكتاب والسنة، أو العبارات المخالفة للكتاب والسنة، فإن بيان حالهم وتحذير الأمة منهم واجب باتفاق المسلمين، حتى قيل لأحمد بن حنبل: الرجل يصوم ويصلي ويعتكف أحب إليك أو يتكلم في أهل البدع؟ فقال: إذا قام وصلى واعتكف فإنما هو لنفسه، وإذا تكلم في أهل البدع فإنما هو للمسلمين، هذا أفضل. فبيّن أن نفع هذا عام للمسلمين في دينهم من جنس الجهاد في سبيل الله؛ إذ تطهير سبيل الله ودينه ومنهاجه وشرعته ودفع بغي هؤلاء وعدوانهم على ذلك - واجب على الكفاية باتفاق المسلمين، ولولا من يقيمه الله لدفع ضرر هؤلاء لفسد الدين، وكان فساده أعظم من فساد استيلاء العدو من أهل الحرب؛ فإن هؤلاء إذا استولوا لم يفسدوا القلوب وما فيها من الدين إلا تبعًا، وأما أولئك فهم يفسدون القلوب ابتداءً». وقال أيضًا: «الرادّ على أهل البدع مجاهد، حتى كان يحيى بن يحيى يقول: الذب عن السنّة أفضل الجهاد». ويقول العلامة ابن القيم في نونيته:
  • «هذا ونصر الدين فرض لازم        لا للكفاية بل على الأعيان
  • بيد وإما باللسان فإن عجز           ت فبالتوجه والدعا بجنان»
أَقُولُ مَا تَسْمَعُونَ وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ العَظِيمَ لِي وَلَكُمْ مِنْ كُلِّ ذَنْبٍ فَاسْتَغْفِرُوهُ، إِنَّهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ.
  • الخطبة الثانية
الحَمْدُ لِلَّهِ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى رَسُولِ اللهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَمَنِ اتَّبَعَ هُدَاهُ، وَأَشْهَدُ أَن لَّا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ.
  • أَمَّا بَعْدُ:
فَأُوصِيكُمْ وَنَفْسِي بِتَقْوَى اللهِ، فَمَنِ اتَّقَى اللهَ وَقَاهُ، وَنَصَرَهُ وَكَفَاهُ.
  • عِبادَ اللهِ:
لما علم أئمةُ السنة قيمةَ كتبِ الرُّدودِ على أهلِ البدعِ، وكونَها من أعظمِ أسبابِ دحرِ الباطل وأهلِه، جعلوا لكاتبها مقاما رفيعًا ومنزلة عظيمةً، حتى قال العلامة ابن القيم -رحمه الله-  في بيان أنواع الأقلام: «القلم الثاني عشر: القلم الجامع، وهو قلم الرد على المبطلين، ورفع سنّة المحقين، وكشف أباطيل المبطلين على اختلاف أنواعها وأجناسها، وبيان تناقضهم، وتهافتهم، وخروجهم عن الحق، ودخولهم في الباطل، وهذا القلم في الأقلام نظير الملوك في الأنام، وأصحابه أهل الحجة الناصرون لما جاءت به الرسل، المحاربون لأعدائهم. وهم الداعون إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة، المجادلون لمن خرج عن سبيله بأنواع الجدال. وأصحاب هذا القلم حرب لكل مبطل، وعدو لكل مخالف للرسل. فهم في شأن وغيرهم من أصحاب الأقلام في شأن». وإذا -يا عبدالله- رأيت من يحاربُ الردودَ على أهل الباطل، ويذمُّ أهلَها؛ فاعلم أنه يريد للبدع الانتشار وللسنة الانحسار، فما أقضّ مضاجعَ أهل الأهواءِ مثلُ ردودِ أهلِ السنة على البدع وأهلها، فأهلُ السنة أرحم بالأمة من غيرهم ممن يريد أن يزيغ الناس مع الزائغين، ويهلكوا مع المبتدعين، عن عاصم الأحول قال: جلست إلى قتادة فذَكَرَ عمرَو بنَ عبيدٍ فوَقَعَ فيهِ، فقلتُ: لا أرى العلماءَ يَقَعُ بعضُهم في بعض! فقال: "يا أحول! أَوَ لا تدري أنَّ الرَّجل إذا ابتدعَ فينبغي أن يُذْكَرَ حتى يُحذَرَ". فاحذروا -عباد الله- البدع والأهواء، وتمسكوا بسنة سيد الأتقياء، وسيروا على درب صحابته النجباء، تكونوا من السعداء، في الدنيا ودار البقاء...