قصة هود عليه السلام فوائد وعبر
قصة هود عليه السلام فوائد وعبر
  | 2111   |   طباعة الصفحة


  • خطبة بعنوان: قصة هود عليه السلام فوائد وعبر.
  • ألقاها الشيخ الدكتور: خالد بن ضحوي الظفيري حفظه الله تعالى.
  • المكان: خطبة في يوم 13 ذي الحجة 1442هـ في مسجد السعدي بالجهرا.

 
  • الخطبة الأولى:
إِنَّ الحَمْدَ لِلَّهِ، نَحْمَدُهُ ونَسْتَعِينُهُ ونَسْتَغْفِرُهُ، ونَعُوذُ بِاللهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا ومِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، ومَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وأَشْهَدُ أَن لَّا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ).
  • أما بعد فيا عباد الله:
لقد بعث الله هودا عليه الصلاة والسلام إلى قومِه عادًا الأولى المقيمين بالأحقاف - من رمال حضرموت- لما كثر شرهم، وتجبروا على عباد الله وقالوا : {مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً}. مع شركهم بالله وتكذيبهم لرسل الله، فأرسله الله إليهم هودًا عليه السلام يدعوهم إلى عبادة الله وحده، وينهاهم عن الشرك، وهي دعوة الرسل كلهم وبها يبدأون، {يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره}، ونهاهم عن التجبُّر على العباد، وأخبرهم إن رجعوا إلى الله زادهم من فضله، {ويا قوم استغفروا ربكم ثم توبوا إليه يرسل السماء عليكم مدرارا ويزدكم قوة إلى قوتكم}، ويذكرهم ما أنعم الله عليهم به من خير الدنيا والبسطة في الرزق والقوة، {واذكروا إذ جعلكم خلفاء من بعد قوم نوح وزادكم في الخلق بسطة}، وأنهم إن لم يستجيبوا لله سلب منهم هذه النعم، وأبدلهم بها العذاب الأليم، {أمدَّكم بأنعام وبنين * وجنات وعيون * إني أخاف عليكم عذاب يوم عظيم}، وبين أنه يريد لهم الخير ويسعى لهم بالنجاة، وأنه ناصحٌ لهم كمالَ النُّصح فقال: {أبلغكم رسالات ربي وأنا لكم ناصح أمين}، وأنه لا يريد منهم جزاءً ولا شكورًا، حاله حال الأنبياء جميعًا، {ويا قوم لا أسألكم عليه مالاً إن أجريَ إلا على الله}،
  • عِبادَ اللهِ:
فما كان من هؤلاء المتجبّرين الكافرين إلا أن ردُّوا دعوته وتكبروا عن إجابته، وقالوا : { مَا أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا فَأْتِ بِآيَةٍ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ }. وهم كاذبون في هذا الزعم ، فإنه ما من نبي إلا أعطاه الله من الآيات ما على مثله يؤمن البشر، ولو لم يكن من آيات الرسل إلا أن نفس الدين الذي جاءوا به، هو أكبر دليل أنه من عند الله؛ لإِحْكَامِهِ وانتظَامِهِ للمَصالح في كلِّ زمان بِحَسَبِه وصِدقِ أخبارِه، وأَمرِهِ بكلِّ خيرٍ، ونهيه عن كلِّ شرِّ، وأنَّ كل رسول يُصدِّق مَن قبلَه ويشهدُ له، ويُصَدِّقُهُ مَن بَعدَه ويَشهدُ لَهُ. ومن آيات هود عليه السلام الخاصّة أنَّه متفردٌ وحدَه في دعوته وتسفيه أحلامهم وتضليلهم والقدح في آلهتهم، وهم أهلُ البطش والقوة والجبروت، وقد خوَّفوه بآلهتهم إن لم ينتهِ أن تمسَّه بجنون أو سوء فتحدَّاهم علنًا ، وقال لهم جهارًا: {إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ * مِنْ دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لَا تُنْظِرُونِي * إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ } فلم يصلوا إليه بسوء. فأيُّ آية أعظم من هذا التحدي لهؤلاء الحريصين على إبطال دعوته بكل طريق ؟ فلما انتهى طغيانهم تولَّى عنهم وحذَّرهم نزول العذاب، قالوا: {قالوا أجئتنا لتأفِكَنَا عن آلهتنا فأتنا بما تعدنا إن كنت من الصادقين}، فجاءهم العذاب معترضًا في الأفق، وكان الوقتُ وقتَ شِدَّةٍ عظيمةٍ وحاجةٍ شديدة إلى المطر، فلما استبشروا وقالوا: {هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا}. قال الله: {بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ}. بقولكم فأتنا بما تعدنا إن كنت من الصادقين، فجاءتهم: { رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ* تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ }. تمر عليه: {سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَى كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ }، فكانت عاقبتهم، { فَأَصْبَحُوا لَا يُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ }.
  • عِبادَ اللهِ:
هكذا عاقبة الظالمين، ونهاية المخالفين، فبعدما كانت الدنيا لهم ضاحكة، والعز بليغ، ومطالب الحياة متوفرة، وقد خضع لهم من حولهم من الأقطار والقبائل، إذ أرسل الله إليهم ريحا صرصرا في أيام نحسات؛ {فصب عليهم ربك سوط عذاب}، ليذيقهم الله تعالى عذاب الخزي في الدنيا، ولعذاب الآخرة أخزى وهم لا ينصرون: {وَأُتْبِعُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا إِنَّ عَادًا كَفَرُوا رَبَّهُمْ أَلَا بُعْدًا لِعَادٍ قَوْمِ هُودٍ } . ونجى الله هودا ومن معه من المؤمنين، {فأنجيناه والذين معه برحمة منا وقطعنا دابر الذين كذبوا بآياتنا وما كانوا مؤمنين}. أَقُولُ مَا تَسْمَعُونَ وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ العَظِيمَ لِي وَلَكُمْ مِنْ كُلِّ ذَنْبٍ فَاسْتَغْفِرُوهُ، إِنَّهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ.
  • الخطبة الثانية
الحَمْدُ لِلَّهِ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى رَسُولِ اللهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَمَنِ اتَّبَعَ هُدَاهُ، وَأَشْهَدُ أَن لَّا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ.
  • أَمَّا بَعْدُ:
فَأُوصِيكُمْ وَنَفْسِي بِتَقْوَى اللهِ، فَمَنِ اتَّقَى اللهَ وَقَاهُ، وَنَصَرَهُ وَكَفَاهُ.
  • عِبادَ اللهِ:
هذه القصة وغيرها من قصص الأمم السابقة لآية عظيمة على كمال قدرة الله، وإكرامه الرسلَ وأَتْباعَهُم، ونصرِهم في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد، وآية على البعث والنشور. وفيها فائدة جليلة وآية عظيمة على إبطال الشرك، وأن عواقبَه شرُّ العواقب وأشنَعُهَا، وأنَّ الله هو الإله الحق، وأن المعبودات من دونه لا تنفع عابديها بل تخذُلُهم وتلعنُهُم وتكفُرُ بهم، ولا تنفعُهُم لا في الدنيا ولا في الآخرة، {فَلَوْلَا نَصَرَهُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ قُرْبَانًا آلِهَةً بَلْ ضَلُّوا عَنْهُمْ وَذَلِكَ إِفْكُهُمْ وَمَا كَانُوا يَفْتَرُونَ}. وفيها من التذكير بعاقبة المخالفين للرسل، المتكبرين على عباد الله، وخصوصًا وأن مساكنهم ليست ببعيدة عنا، وعذاب الله ليس ببعيد عن القوم الظالمين، فيجب علينا أن نتذكر ونرجع، ونعود ونتوب، قال تعالى: {وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا مَا حَوْلَكُمْ مِنَ الْقُرَى وَصَرَّفْنَا الْآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ}. ومن الفوائد: أن العقول والأذهان والذكاء وما يتبع ذلك من القوة المادية، فإنها لا تنفع صاحبها إلا إذا قارنها الإيمان بالله ورسله. وأما الجاحد لآيات الله المكذب لرسل الله، فإنه وإن استُدرج في الحياة وأُمهل فإن عاقبتَهُ وخيمةٌ، وسمعُهُ وبصرُهُ وعقلُهُ لا يُغني عنه شيئًا إذا جاء أمر الله، كما قال الله عن عاد :{ وَلَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ فِيمَا إِنْ مَكَّنَّاكُمْ فِيهِ وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعًا وَأَبْصَارًا وَأَفْئِدَةً فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلَا أَبْصَارُهُمْ وَلَا أَفْئِدَتُهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِذْ كَانُوا يَجْحَدُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ}.