حر الصيف يذكرنا النار وعذابها
حر الصيف يذكرنا النار وعذابها
  | 3634   |   طباعة الصفحة


  • خطبة بعنوان: حر الصيف يذكرنا النار وعذابها.
  • ألقاها الشيخ الدكتور: خالد بن ضحوي الظفيري حفظه الله تعالى.
  • المكان: خطبة في يوم 1 ذي القعدة 1442هـ في مسجد السعدي بالجهرا.

 
  • الخطبة الاولى:
إِنَّ الحَمْدَ لِلَّهِ، نَحْمَدُهُ ونَسْتَعِينُهُ ونَسْتَغْفِرُهُ، ونَعُوذُ بِاللهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا ومِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، ومَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وأَشْهَدُ أَن لَّا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ،  ) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ( [آل عمران:102].
  • أَمَّا بَعْدُ:
لا زالت مواعظ الله للناس تترى، وتذكيره لعباده يتوالى، في آياته الكونية وما نعيشه ونراه، ومن ذلك ما نكابده من الحر والسموم في هذا الصيف الذي هو عبرة وعظة لمن تذكر وتاب ورجع وأناب، فهو يذكرنا بأنواع العذاب وأصناف العقاب لأهل النار من العصاة وأهل الفساد وأصحاب الكفر والعناد، أجارنا الله وإياكم من النيران، (وَأَصْحَابُ الشِّمَالِ مَا أَصْحَابُ الشِّمَالِ *فِي سَمُومٍ وَحَمِيمٍ * وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ *لا بَارِدٍ وَلا كَرِيمٍ )،  ويزيد ذلك إذا عرفنا أن شدة الحر والسموم إنما هو من نَفَسِ جهنَّم لنتذكرها فنعمل على الهرب منها، فقد قال : (إذا اشتد الحر، فأبردوا بالصلاة، فإن شدة الحر من فيح جهنم)، وقال : (اشتكت النار إلى ربها فقالت يا رب أكل بعضي بعضا فجعل لها نَفَسَين، نَفَسٌ في الشتاء، ونَفَسٌ في الصيف، فشدة ما تجدون من البرد من زَمهريرها، وشدة ما تجدون من الحر من سَمُومها).
  • عباد الله:
كم ذَكَّرنا وحذَّرنا الله تعالى من النار وعذابِها وتنوعِه وأشكالِه وصورِه، بما تَتَفَطَّرُ منه الأكبادُ وتتفجرُ منه القلوب، لنرجع إليه ونتوب، ونستغفر الله ونؤوب، فوجب علينا أن نعمل بتقوى الله وطاعته لنجعل بيننا وبين النار وقاية وسترًا، فندخل الجنَّة ونَسلَمَ منها، فاسمع لوقودها (فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ)، واعرف قَعْرَها وعُمْقَهَا البعيد، فعن عتبة بن غزوان رَضِّيَّ اللهُ عَنْهُ أنه قال على منبر البصرة عن النبي قال: (إن الصخرة العظيمة لتلقى من شفير جهنم فتهوي فيها سبعين وما تقضِ إلى قرارها). قال: وكان عمر رضي الله عنه يقول: (أكثروا ذكر النار, فإن حرها شديد, وإن قعرها بعيد, وإن مقامعها من حديد). تلك الدار التي تنزع اللحم وتشوي الوجوه وتحرق الجلود، {كلا إنها لظى نزاعةً للشوى} أي: تنزع اللحم والجلد عن العظم، حتى لا تترك منه شيئًا، طعامُهُم فيها الزقوم {إن شجرة الزقوم طعام الأثيم، كالمهل يغلي في البطون كغلي الحميم خذوه، فاعتلوه إلى سواء الجحيم، ثم صبوا فوق رأسه من عذاب الحميم، ذق إنك أنت العزيز الكريم}، وفاكهتُهُم طَلْعِ هذه الشجرة، (طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُؤُوسُ الشَّيَاطِينِ *فَإِنَّهُمْ لَآكِلُونَ مِنْهَا فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ *ثُمَّ إِنَّ لَهُمْ عَلَيْهَا لَشَوْباً مِنْ حَمِيمٍ*ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لَإِلَى الْجَحِيمِ) تجري فيهم أودية القيح والصديد والدم، منها يشربون فشرابهم الحميم وردغة الخبال؛ وهي عصارة وصديد أهل النار، (مِنْ وَرَائِهِ جَهَنَّمُ وَيُسْقَى مِنْ مَاءٍ صَدِيدٍ*يَتَجَرَّعُهُ وَلا يَكَادُ يُسِيغُهُ وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ وَمِنْ وَرَائِهِ عَذَابٌ غَلِيظٌ)، كلما استغاثوا وصاحوا يطلبون الماء والشراب زاد عليهم العذاب، (وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقا).
  • عباد الله:
أهون أهلها عذابا لرجل توضع في أخمص قدميه جمرة يغلي منها دماغه، فكيف بمن هو أشد منه عذابا وأعظم عقابا؟!، فراشهم ولحافهم من النيران، (لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ)، وثيابهم من قَطِرَان، يزيد النارَ عليهم اشتعالاً ويلتصق بجلودهم، (سَرَابِيلُهُمْ مِنْ قَطِرَانٍ وَتَغْشَى وُجُوهَهُمُ النَّارُ)، يُصَبُّ عليهم العذاب صَبًّا ويَحرقهم حَرْقًا، (هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِنْ نَارٍ يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُؤُوسِهِمُ الْحَمِيمُ*يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ)، فيتفحمون ثم تُبَدَّلُ جلودهم جلودًا غَيرها ليزداد عليهم العذاب ويتجدد عليهم العقاب، (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًا)، تنادي النار هل من مزيد، لها زفير وشهيق يخلع قلوب المعذبين، {وَلِلَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ إِذَا أُلْقُوا فِيهَا سَمِعُوا لَهَا شَهِيقاً وَهِيَ تَفُورُ تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظ}، وينادي أهلها مالكاً أن يميتهم الله لكي يرتاحوا ولكن من جاء بالكفر الأكبر فلا يخرج منها أبدا، (إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي عَذَابِ جَهَنَّمَ خَالِدُونَ * لَا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ * وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا هُمُ الظَّالِمِينَ * وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ * لَقَدْ جِئْنَاكُمْ بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ)، بل ينادون بتخفيف ولو يومٍ واحدٍ منها، ولكن وقت التوبة قد ذهب، وهذا أوان العذاب والعَطَب، (وَقَالَ الَّذِينَ فِي النَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِنَ الْعَذَابِ * قَالُوا أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا بَلَى قَالُوا فَادْعُوا وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ * إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ * يَوْمَ لَا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ). فلا ينفع العبد يومئذ إلا عمله وما قدمه لنفسه، فالدنيا مزرعة الآخرة، إن قضيتها في طاعة الله نسيت في الجنة كل الهموم والغموم، وإن قضيتها في معصية الله -ولو كنت من أغنى وأرفع أهل الدنيا منزلة- فإنك تنساه بغمسة واحدة في النار، فعن أنس بن مالكٍ رَضِّيَّ اللهُ عَنْهُ أنَّ النبيَّ قالَ: «يُؤتَى بأنْعَم أهل الدنيا مِنْ أهل النار فيُصْبَغُ في النارِ صَبْغَةً ثم يُقَال: يا ابنَ آدمَ هل رأيتَ خيراً قطُّ هل مَرَّ بكَ نعيمٌ قط؟ فيقولُ لا والله يا ربِّ، ويؤْتَى بأشَدِّ الناسِ بؤساً في الدنيا مِنْ أهل الجنة فيصبغُ صبغةً في الجنة فيقال: يا ابن آدمَ هل رأيتَ بؤساً قط؟ هل مَرَّ بك من شدة قط؟ فيقولُ: لا والله يا ربِّ ما رأيتُ بؤساً ولا مرّ بِي مِنْ شدةٍ قَطُّ» فاتقوا النار عباد الله ولو بشق تمرة، اللهم أجرنا من النيران واجعلنا من أهل الجنان. أَقُولُ مَا تَسْمَعُونَ، وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ العَظِيمَ لِي وَلَكُمْ مِنْ كُلِّ ذَنْبٍ، فَاسْتَغْفِرُوهُ إِنَّهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ.
  • الخطبة الثانية
الحَمْدُ لِلَّهِ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى رَسُولِ اللهِ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَمَنِ اتَّبَعَ هُدَاهُ، وَأَشْهَدُ أَن لَّا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ.
  • عِبَادَ اللهِ:
تذكروا إن رأيتم الشمس الحارة موقف الناس يوم القيامة للحساب حتى تعملوا لهذا اليوم فعن المقداد بن الأسود رَضِّيَّ اللهُ عَنْهُ أن النبي قال: (تدنوا الشمس يوم القيامة من الخلق؛ حتى تكون منهم كمقدار ميل فيكون الناس على قدر أعمالهم في العرق فمنهم من يكون إلى كعبيه، ومنهم من يكون إلى ركبتيه ومنهم من يكون إلى حقويه ومنهم من يلجمه العرق إلجاما)،  كل ذلك في يوم مقداره خمسين ألف سنة، وهم تحت لهيب شمس قريبة من الرؤوس حتى إنهم من شدة عرقهم ليغوص العرق في الأرض سبعين زراعا، ثم يرتفع حتى يصل عند بعض الناس إلى رؤوسهم، فماذا أعددنا عباد الله؟ لذلك الكرب الشديد من عمل؟ وماذا أعددنا له من الطاعات؟ إن على العبد المؤمن أن يجتهد غاية الاجتهاد حتى يقي نفسه من حر ذلك اليوم، وعرق ذلك الوقت، ويكون في ظل عرش الرحمن، وفي ظل عمله وصدقته، فالعمر مزرعتك التي تجني ثمارها يوم القيامة، إن خيرا فخير وإن شرا فلا تلومن إلا نفسك.