احذروا دعاة المظاهرات والفتن
احذروا دعاة المظاهرات والفتن
  | 1674   |   طباعة الصفحة


  • خطبة بعنوان: احذروا دعاة المظاهرات والفتن.
  • ألقاها الشيخ الدكتور: خالد بن ضحوي الظفيري حفظه الله تعالى.
  • المكان: خطبة في يوم 16 شوال 1442هـ في مسجد السعدي بالجهرا.

 
  • الخطبة الأولى:
إِنَّ الحَمْدَ لِلَّهِ، نَحْمَدُهُ ونَسْتَعِينُهُ ونَسْتَغْفِرُهُ، ونَعُوذُ بِاللهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا ومِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، ومَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وأَشْهَدُ أَن لَّا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ،  ) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ( [آل عمران:102].
  • أَمَّا بَعْدُ:
فإنَّ المؤمن حقًا هو من يُسلِّم لأمر الله تعالى وأمر نبيه ، ويَعلم علم اليقين أنَّ السعادةَ في العمل بالكتاب والسنة، وأن الله تعالى أعلم بما يَصلح للعباد ويُصلحهم في شؤون دينهم ودنياهم، فشعارهم في جميع أمورهم وتعاملاتهم مع الناس جميعًا حاكمِهم ومحكومِهم هو الأخذ بما قال الله وقال رسوله ، ويكونون كما أدبهم ربهم في قوله تعالى: (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا)، فلا تتشكك قلوبهم في حكمة أوامر ربهم، وأنها أنفع للناس وأصلح، وأن رسولنا أنصح للناس وأعلم وأفصح، (فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا)، فلا حكم أحسن من حكم الله ولا أعدل ولا أرحم منه (ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون).
  • عِبَادَ اللهِ:
إن مما يَغلط فيه كثير ممن لم يلتفت لما ذكرناه من تسليم الأمر لله واتباع حكم رسول الله، هو طريقتهم في معالجة أخطاء ولاتهم ونوابه، فيسلكون مسالك الخوارج الذين حذرنا منهم رسولنا ، وبين خطرهم على الملّة والأمّة، وذلك بذكرها علنا على المنابر وفي المجالس والمحافل، لكي يوصفوا بالشجاعة والإقدام، وكسب قلوب الناس والعوام، أو بدعوة الناس إلى المظاهرات والاعتصامات، يزعمون بذلك محاربة الفساد ورد الحقوق إلى أهلها، وهذا والله من اتباع خطوات الشيطان وسلوك سبيل أهل البدع والبهتان، فالله الذي أمرك بعدم الرضا بالفساد ومحاربته، هو الذين أمرك بالسمع والطاعة بالمعروف، ورسوله الذي أخبرك بحرمة الظلم، هو الذين أمرك بالصبر على جورهم وعدم الخروج عليهم وتهييج الناس، (أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض)، بل إن الخروج على الولاة أعظم إثما وخطرا من السرقة والفساد، لذلك ذم الشرع الخوارج أشد الذم، وأمر بالصبر على جور الولاة، فالبدعة ومنها الخروج أعظم من المعصية ومنها الفساد، قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-: (ولهذا اتفق أئمة الإسلام على أن البدع المغلظة شر من الذنوب التي يعتقد أصحابها أنها ذنوب. وبذلك مضت سنة النبي : حيث أمر بقتال الخوارج عن السنة، وأمر بالصبر على جور الأئمة وظلمهم، والصلاة خلفهم مع ذنوبهم).
  • عِبَادَ اللهِ:
حقيقةٌ يجب أن يستوعبها النَّاس وهم يشاهدون عواقبها أمام أعينهم ويسمعون أخبارها في كثير من البلدان، أن من يدعو إلى المظاهرات والخروج على الولاة، لا يريد لبلده أمنا، ولا لأهله خيرا، ولا لدينه رفعة وظهورا، إنما هي الدنيا يتقاتلون عليها، مات من مات وأوذي من أوذي وهُجّر من هُجّر، المهم هو الوصول لما يسعون من دنياهم وكراسيهم، تدبروا أحوال كثير من البلدان التي سلك أهلها هذا السبيل بحجة أنها مظاهرات سليمة وهي أكذوبة عصرية، فماذا حصل لبلادهم؟، أين هم أهل تلك البلدان؟ شُرّد أهلها وهُدّمت بيوتهم، فلا الفَساد ردّوه، ولا الأمن حازوه، وإنما هي ديار خاوية، وعيشة مهلكة، يتمنون بها الرجوع إلى ما كانوا عليه، ويلعنون من كان سببا فيما هم فيه، وهذا ما يقرره علماء الإسلام من قديم، يقول العلامة ابن القيم -رحمه الله- وهو يتحدّث عن الخروج على الولاة: ((فإنّه أساس كل شرّ، وفتنة إلى آخر الدهر، وقد استأذن الصحابة رسول الله في قتال الأمراء الذين يؤخرون الصلاة عن وقتها، وقالوا: أفلا نقاتلهم؟ فقال: ((لا، ما أقاموا الصلاة))، وقال: ((من رأى من أميره ما يكرهه فليصبر ولا ينزعن يداً من طاعته))، ومن تأمّل ما جرى على الإسلام في الفتن الكبار والصغار، رآها من إضاعة هذا الأصل، وعدم الصبر على منكر فطلب إزالته فتولد منه ما هو أكبر منه) انتهى كلامه رحمه الله. فكونوا عباد الله صابرين محتسبين متبعين لكتاب ربكم ولسنة نبيكم ، ولا تلتفتوا إلى نداءات أهل الفتن، ومججي نيرانها، فتذهب عنكم النعم، وتستبدلوها بالبلاء والنقم. أَقُولُ مَا تَسْمَعُونَ، وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ العَظِيمَ لِي وَلَكُمْ مِنْ كُلِّ ذَنْبٍ، فَاسْتَغْفِرُوهُ إِنَّهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ.  
  • الخطبة الثانية:
الحَمْدُ لِلَّهِ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى رَسُولِ اللهِ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَمَنِ اتَّبَعَ هُدَاهُ، وَأَشْهَدُ أَن لَّا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ.
  • عِبَادَ اللهِ:
من تدبر هذه المظاهرات التي يدعون لها، وما فيها من المفاسد؛ عَلِم يقينًا حرمتها، وضررها وخطرها، فَلَزِم الشرعَ واتَّبعْ، وتَرَك الإِحداثَ والبِدع، فَمَعَ مخالفتها للنصوص الشرعية، والوصايا النبوية، وكونِها من الخروج على ولاة أمر الرعية، فإنَّ فيها من التشبه بالكفار فما جائتنا إلا منهم، وفيها من الاختلاط المحرم بين الرجال والنساء، وترك الصلاة في المساجد، والسب والتجريح واللعن والصياح، وقد يتدرج الأمر إلى المواجهة والتدمير، واستغلالها من المتربصين والحاسدين، وكل ذي غرض مشين، لنشر الفوضى والدمار في بلاد المسلمين.
  • عِبَادَ اللهِ:
من وصايا النبي الظاهرة الواضحة في هذا الباب وهو مناصحة الولاة والصبر عليهم وعدم الخروج عليهم، تدبرها وقِسْ عليها أفعال دعاة الفتن، قال : (من أراد أن ينصح لسلطان بأمر، فلا يُبدِ له علانية، ولكن يأخذ بيده، فيخلو به، فإن قبل منه، فذاك، وإلا كَانَ قد أدَّى الَّذِي عليه له)، ومن القواعد الشرعية أن الولاة كما عليهم واجبات تجاه الرعية، فالرعية كذلك عليهم واجبات تجاه الولاة ولو ظلموا، ولا ربط بينهما، فكلٌّ مؤاخذ بما قصّر فيه، فعن ابن مسعود رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قال: قال رسول الله : (ستكون أثرة  وأمور تنكرونها)، قالوا: يا رسول الله فما تأمرنا؟ قال:(تؤدون الحق الذي عليكم، وتسألون الله الذي لكم)، وقال : (اسمعوا وأطيعوا فإنما عليهم ما حُمِّلوا، وعليكم ما حُمِّلتم)، وقال : (ألا من ولي عليه وال فرآه يأتي شيئًا من معصية الله، فليكره ما يأتي من معصية الله، ولا ينزعن يدًا من طاعة). وهذه الأحاديث الصحيحة يتلقاها أهل السنة بقلوب مطمئنةٍ وصدور منشرحةٍ، لا يعترضون عليها بآرائهم ولا بعاطفتهم، ولا يطعنون في نصائح رسول الله بأنها تربي على الذل والهوان والخنوع، ولا يطعنون فيمن تمسك بها، بل الحكمة والسلامة والعلم فيما جاء به القرآن والسنة، وهكذا عمل الصحابة وأجمع عليه السلف قولا وعملا.