قد جاءكم رمضان
قد جاءكم رمضان
  | 1910   |   طباعة الصفحة


  • خطبة بعنوان: قد جاءكم رمضان.
  • ألقاها: الشيخ الدكتور خالد بن ضحوي الظفيري حفظه الله تعالى.
  • المكان: خطبة في يوم 27 شعبان 1442هـ في مسجد السعدي بالجهرا.

 
  • الخطبة الأولى
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، ] يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون [.
  • عباد الله:
أيام ونستظل بظل شهر مبارك، شهر الخيرات والبركات من رب الأرض والسموات، شهر تفتح فيه أبواب الجنان، وتضاعف في الحسنات، وتُغَلَّق أبواب النيران، وتُكفر فيه السيئات، شهر نزل فيه الفرقان، وكان جبريل عليه السلام يدارس النبي فيه القرآن، كَانَ رَسُولُ اللهِ   يُبَشِّرُ أصحابه بِحُلُوْلِهِ، وَيَحُثُّهُمْ عَلَى صِيَامِهِ وَقِيَامِهِ، وَاغْتِنَامِ سَاعَاتِهِ وَأَيَّامِهِ؛ فَيَقُولُ: «قَدْ جَاءَكُمْ رَمَضَانُ، شَهْرٌ مُبَارَكٌ، افْتَرَضَ اللهُ عَلَيْكُمْ صِيَامَهُ، تُفْتَحُ فِيهِ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ، وَتُغْلَقُ فِيهِ أَبْوَابُ الْجَحِيمِ، وَتُغَلُّ فِيهِ الشَّيَاطِينُ، فِيهِ لَيْلَةٌ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ، مَنْ حُرِمَ خَيْرَهَا فَقَدْ حُرِمَ». [رواه أحمد والنسائي وصححه الألباني]. شهر أعد الله فيه لمن أتعب نفسه بظمأ الهواجر، وأعد الله فيه لكل صائم صابر، بابا خاصا من أبواب الجنة، فَعَنْ سَهْلٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنهُ عَنِ النَّبِيِّ  قَالَ: «إِنَّ فِي الْجَنَّةِ بَابًا يُقَالُ لَهُ الرَّيَّانُ، يَدْخُلُ مِنْهُ الصَّائِمُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، لاَ يَدْخُلُ مِنْهُ أَحَدٌ غَيْرُهُمْ، يُقَالُ: أَيْنَ الصَّائِمُونَ؟ فَيَقُومُونَ لَا يَدْخُلُ مِنْهُ أَحَدٌ غَيْرُهُمْ، فَإِذَا دَخَلُوا أُغْلِقَ فَلَمْ يَدْخُلْ مِنْهُ أَحَدٌ» [رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ].
  • عباد الله:
كيف أجر الصائم وثوابه؟! وكم عدد حسناته؟! إذا كان قد تكفل بها الجواد الكريم المنان، ذو الجود والفضل والإحسان، فاختصاص الصيام من بين العبادات أنه لله دليل على عظيم فضله وكبير شرفه، فَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ : «كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ يُضَاعَفُ، الْحَسَنَةُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا إِلَى سَبْعِمِائَةِ ضِعْفٍ، قَالَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: إِلاَّ الصَّوْمَ، فَإِنَّهُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ، يَدَعُ شَهْوَتَهُ وَطَعَامَهُ مِنْ أَجْلِي» [رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ ]. فأعدوا العدّة -عباد الله- في هذا الشهر للبذل والإحسان، والعبادة والصدقة وقراءة القرآن، فهو شهر الجود والعطاء، فعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ أَجْوَدَ النَّاسِ، وَكَانَ أَجْوَدُ مَا يَكُونُ في رَمَضَانَ حِينَ يَلْقَاهُ جِبْرِيلُ، وَكَانَ يَلْقَاهُ في كُلِّ لَيْلَةٍ مِنْ رَمَضَانَ فَيُدَارِسُهُ الْقُرْآنَ، فَلَرَسُولُ اللَّهِ  أَجْوَدُ بِالْخَيْرِ مِنَ الرِّيحِ الْمُرْسَلَةِ) [متفق عليه]، وجوده عامٌّ في أنواع البر والقربات والإحسان والطاعات، كيف لا؟! وأسباب العبادة ميسرة، والشياطين مصفدة، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنهُ قَالَ: قَالَ رَسُوْلُ اللهِ :«إِذَا كَانَ أَوَّلُ لَيْلَهٍ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ صُفِّدَتِ الشّيَاطِينُ وَمَرَدَةُ الْجِنِّ، وَغُلِّقَتْ أَبْوَابُ النَّارِ فَلَمْ يُفْتَحْ مِنْهَا بَابٌ، وَفُتِّحَتْ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ فَلَمْ يُغْلَقْ مِنْهَا بَابٌ، وَيُنَادِي مُنَادٍ: يَا بَاغِيَ الْخَيْرِ أَقْبِلْ، وَيَا بَاغِيَ الشّرِّ أقْصِرْ، وَللهِ عُتَقَاءُ مِنَ النَّارِ وَذَلِكَ كُلَّ لَيْلَهٍ» [رواه الترمذي وصححه الألباني].
  • عباد الله:
إن خير ما يستقبل به العبد هذا الشهر بتجديد التوبة من جميع الذنوب والخطايا، فهو فرصة العمر، ونعمة عظمى حين بلغك الله الشهر، فاحرص على اغتنامه بالتوبة النصوح، فالله يفرح بتوبة العبد إذا تاب وأقبل إليه وأناب، فلن يبقى أحد في هذه الدنيا، وكلنا مقبلون على جنة أو نار، فاعمل لمعادك، تسعد في دنيا وآخرتك، والصيام ليس المقصود منه ترك الأكل والشرب، بل المقصود الأسمى هو تقوى الله تعالى، فمَنْ لَمْ يَحْفَظْ جَوَارِحَهُ عَنِ الْمُحَرَّمَاتِ، وَقلبه ولسانه عن الْمُنْكَرَاتِ، وَيُنَزِّهَ عَيْنَهُ عَنْ نَظْرَةِ الْحَرَامِ، وَيَنْأَى بِأُذِنِهِ وَسَائِرِ جَوَارِحِهِ عَنِ الآثَامِ، فَلَيْسَ للهِ حَاجَةٌ فِي مِثْلِ هَذَا الصِّيَامِ؛ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ : «مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ وَالعَمَلَ بِهِ؛ فَلَيْسَ لِلَّهِ حَاجَةٌ فِي أَنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ» [رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنهُ]. وهذا ليس له حظ من صيامه، ولا فائدة من قيامه، إِلَّا الجوع والنصب والسَّهَرُ وَالتَّعَبُ؛ قَالَ رَسُولُ اللهِ : «كَمْ مِنْ صَائِمٍ لَيْسَ لَهُ مِنْ صِيَامِهِ إِلَّا الْجُوعُ، وَكَمْ مِنْ قَائِمٍ لَيْسَ لَهُ مِنْ قِيَامِهِ إِلَّا السَّهَرُ» [رَوَاهُ أَحْمَدُ وَابْنُ مَاجَهْ وَالنَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنهُ]. واعلم أن أهل الشر والفجور، قد أعدوا العدة في هذا الشهر، لنشر فجورهم وإفساد صيام الناس بمسلسلاتهم وبرامجهم، فلا تكن من الغافلين السائرين خلفهم، وتفسد عليك فرصة عظيمة، وحسنات كثيرة، واصبر نفسك وجاهد، فالعمر قصير، والدنيا مزرعتك لآخرتك، قَالَ جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا: «إِذَا صُمْتَ فَلْيَصُمْ سَمْعُكَ وبَصَرُكَ وَلِسَانُكَ عَنِ الْكَذِبِ وَالْمَحَارِمِ، وَدَعْ أَذَى الْخَادِمِ، وَلْيَكُنْ عَلَيْكَ وَقَارٌ وَسَكِينَةٌ يَوْمَ صِيَامِكَ، وَلاَ تَجْعَلْ يَوْمَ فِطْرِكَ وَصَوْمِكَ سَوَاءً» اللهم اجعلنا من المقبولين، ولا تجعلنا من الخاسرين المردودين، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
  • الخطبة الثانية
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن اتبع هداه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله الذي أرسله ربه رحمة للعالمين.
  • أما بعد:
فأوصيكم – عباد الله - ونفسي بتقوى الله تعالى؛ فإن تقوى الله خير الزاد ليوم المعاد.
  • معاشر المؤمنين:
إن خير ما يستقبل به شهر رمضان هو التفقه في الأحكام المتعلقة به، حتى يؤدي المسلم هذا الركن العظيم على الصفة الشرعية، المطابقة لكتاب الله ولسنة رسوله ، ومن هذه الأحكام أنّ الصيام فرض على كل مسلم بالغ عاقل قادر رجلاً كان أو امرأة. وينبغي تعويد الصغير عليه ليتعود ويتعلم. ولا يثبت دخول شهر رمضان إلا برؤية هلاله بعد غروب الشمس من اليوم التاسع والعشرين من شعبان. فإن لم يُرَ فبإتمام شعبان ثلاثين، وأما الحساب الفلكي فلا يلتفت إليه في شرعنا. ولا يجوز للمسلم أن يتقدم رمضان بصوم يوم ولا يومين، إلا إذا كان عليه قضاء، أو وافق صيامه المعتاد، ويجب على المسلم أن يبيت الصوم الواجب قبل طلوع الفجر، وإذا دخل رمضان وحدث المسلم نفسه عازماً أنه يصوم الشهر كله فهذا يكفي إن شاء الله، وإن جدد نية الصوم كل ليلة فهو أحسن وتسحره دليل على نيته، والنية محلها القلب ولا يجوز أن يتلفظ بها. وعليه أن يبتعد عما يفسد صيامه من المفطرات، كالجماع، وإخراج المني عمدا بمباشرة أو استمناء والأكل والشرب عمداً، واستعمال الإبر المغذية، والحجامة ومثلها التبرع بالدم، وتعمد إخراج القيء، والحيض والنفاس للمرأة. والأحكام عباد الله كثيرة ولا تبخل على نفسك في التعلم والسؤال عما يشكل عليك حفاظا على صيامك ودينك.