الوصايا النبوية في التعامل مع ولاة الأمور
الوصايا النبوية في التعامل مع ولاة الأمور
  | 994   |   طباعة الصفحة


  • خطبة بعنوان: الوصايا النبوية في التعامل مع ولاة الأمور.
  • ألقاها: الشيخ الدكتور خالد بن ضحوي الظفيري حفظه الله تعالى.
  • المكان: خطبة في يوم 7 شعبان 1442هـ في مسجد السعدي بالجهرا.

 
  • الخطبة الأولى:
إِنَّ الحَمْدَ لِلَّهِ، نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِاللهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَن لَّا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، ] يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [.
  • عِبَادَ اللهِ:
يجب أن نعلم أن الله سبحانه قد أرشدنا إلى كل خير، ووضح لنا نبينا ﷺ طرقه وأبوابه، وحذرنا الله ورسوله من كل ما يؤدي إلى ذهاب ديننا وإخلال أمننا ودنيانا، ومن أعظم الوصايا التي تكاثرت فيها النصوص وتعددت فيها الأدلة والشواهد: قضيةُ علاقتنا مع ولاتنا إن عدلوا أو جاروا، وأن الأخذ بهذه النصوص هو عنوان السعادة وسبيل الأمن والهداية، نحن أيها الإخوة الكرام لسنا بمنأى عن كثير من هذه البلدان التي وقع فيها الإخلال في هذا الباب فخرجوا على حكامهم أو ولاة أمورهم بدعوى إنكار المنكر أو رد المظالم أو أخذ الحقوق المسلوبة أو الإصلاح السياسي فكان ماذا؟ النتيجة -عباد الله- ذهاب الأمن والأمان، ذهبت ديارهم وأعمالهم وأموالهم وأعراضهم، فلا للدين نصروا، ولا للدنيا حازوا، فخسروا الدنيا والآخرة، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: «ولعله لا يكاد يعرف طائفة خرجت على ذي سلطان؛ إلا وكان في خروجها من الفساد ما هو أعظم من الفساد الذي أزالته»، فقلب طرفك في تلك البلدان التي أصبحت سرابًا بعد أن كانت عمارًا، كم تمنى أعداء الإسلام وحسدة الأوطان أن تكون بلادُنا كحال تلك البلدان، ليصلوا فقط إلى غرضهم السياسي أو حصولهم للكراسي، ولو على ظهور آلاف بل ملايين من القتلى، ولو مشوا في بحار من دماء الأمة، لا يهمهم ذلك بقدر أهمية انتصار أحزابهم أو وصولهم إلى سدة الحكم والرئاسة، فَسِرْ أيها المسلم على طريق السنة، واقتد بسلفك الصالح، ولا تكن إمَّعة تسير خلف سراب هؤلاء، فيكون لك يدٌ في ذهاب استقرارنا وأماننا، وانتشار الفوضى وحلول الدمار.
  • عباد الله:
تدبر معي هذه الوصايا النبوية، وانظر في حال مدعي الإصلاح والزاعمين محاربة الفساد،  هل هم موافقون لهذه الوصايا أم ضدها وحربا عليها، فقد كَانَ رَسُولُ اللهِ  ﷺ يُوصِي بِالسَّمْعِ وَالطَّاعَةِ لِلْأَئِمَّةِ بِالمَعْرُوفِ، وَيَحُثُّ عَلَى الصَّبْرِ عَلَى جَوْرِهِمْ، وَيُرَغِّبُ فِي إِكْرَامِهِمْ وَتَوْقِيرِهِمْ، وَالدُّعَاءِ لَهُمْ، وَتَوْجِيهِ النَّصِيحَةِ إِلَيْهِمْ بِالرِّفْقِ وَالسِّرِّ مَعَ جَمْعِ القُلُوبِ عَلَيْهِمْ، حَتَّى يَكُونَ المُسْلِمُونَ يَدًا وَاحِدَةً، فَمَنْ تَمَسَّكَ بِهَذِهِ الوَصَايَا سَلِمَ وَغَنِمَ، وَمَنْ أَخَلَّ بِشَيْءٍ مِنْهَا خَابَ وَغَرِمَ، فَعَنْ وَائِلِ بْنِ حُجْرٍ رَضِّيَّ اللهُ عَنْهُ قَالَ: سَأَلَ سَلَمَةُ بْنُ يَزِيدَ الجُعْفِيُّ رَسُولَ اللهِ r فَقَالَ: يَا نَبِيَّ اللهِ، أَرَأَيْتَ إِنْ قَامَتْ عَلَيْنَا أُمَرَاءُ يَسْأَلُونَا حَقَّهُمْ وَيَمْنَعُونَا حَقَّنَا، فَمَا تَأْمُرُنَا؟ فَأَعْرَضَ عَنْهُ، ثُمَّ سَأَلَهُ فَأَعْرَضَ عَنْهُ، ثُمَّ سَأَلَهُ فِي الثَّانِيَةِ أَوْ فِي الثَّالِثَةِ، فَجَذَبَهُ الأَشْعَثُ بْنُ قَيْسٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِr  : «اسْمَعُوا وَأَطِيعُوا؛ فَإِنَّمَا عَلَيْهِمْ مَا حُمِّلُوا وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ» [رَوَاهُ مُسْلِمٌ]. وَلَقَدْ أَمَرَ  ﷺ أُمَّتَهُ بِالصَّبْرِ عَلَيْهِمْ، وَعَلَى طَاعَتِهِمْ فِي المَعْرُوفِ؛ لِمَا فِي ذَلِكَ مِنَ المَصْلَحَةِ العَامَّةِ لِلْمُسْلِمِينَ؛ فَعَنْ حُذَيْفَةَ رَضِّيَّ اللهُ عَنْهُ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّا كُنَّا بِشَرٍّ فَجَاءَ اللَّهُ بِخَيْرٍ فَنَحْنُ فِيهِ، فَهَلْ مِنْ وَرَاءِ هَذَا الْخَيْرِ شَرٌّ؟ قَالَ:»نَعَمْ«. قُلْتُ: هَلْ وَرَاءَ ذَلِكَ الشَّرِّ خَيْرٌ؟ قَالَ: «نَعَمْ». قُلْتُ: فَهَلْ وَرَاءَ ذَلِكَ الْخَيْرِ شَرٌّ ؟قَالَ: «نَعَمْ». قُلْتُ :كَيْفَ؟ قَالَ:« يَكُونُ بَعْدِي أَئِمَّةٌ لَا يَهْتَدُونَ بِهُدَايَ وَلَا يَسْتَنُّونَ بِسُنَّتِي، وَسَيَقُومُ فِيهِمْ رِجَالٌ قُلُوبُهُمْ قُلُوبُ الشَّيَاطِينِ فِي جُثْمَانِ إِنْسٍ، قَالَ: قُلْتُ: كَيْفَ أَصْنَعُ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنْ أَدْرَكْتُ ذَلِكَ؟ قَالَ: «تَسْمَعُ وَتُطِيعُ لِلْأَمِيرِ، وَإِنْ ضُرِبَ ظَهْرُكَ وَأُخِذَ مَالُكَ، فَاسْمَعْ وَأَطِعْ» [رَوَاهُ مُسْلِمٌ]، واعجب بعد ذلك لمن يلزم أهل السنة بقوله: (جماعة اسمع وأطع، وإن جلد ظهرك) وهذا من الاستهزاء بالسنة، فقائلها والناصح للأمة بها هو المصطفى r، لعلمه أن بالخروج على الولاة، الفاسد العريض، والفوضى العارمة. وأما مناصحة الولاة فلم يهمل بيان طريقتها نبينا ﷺ، فتَكُونُ بِإِخْلَاصٍ وَرِفْقٍ وَلِينٍ، نَصِيحَةٌ سِرِّيَّةٌ فِيمَا بَيْنَكَ وَبَيْنَهُمْ، لَا عَلَى المَلَأِ وَفِي النَّدَوَاتِ، وَعَلَى المَنَابِرِ وَالقَنَوَاتِ، فَتَمْتَلِئَ قُلُوبُ الرَّعِيَّةِ عَلَى وَلِيِّ أَمْرِهَا فَتَخْرُجَ عَلَيْهِ، فَيَجُرَّ ذَلِكَ البَلَاءَ وَالْفِتَنَ، وَالدَّمَارَ وَالمِحَنَ؛ فَعَنْ عِيَاضِ بْنِ غَنْمٍ رَضِّيَّ اللهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ  ﷺ: «مَنْ أَرَادَ أَنْ يَنْصَحَ لِسُلْطَانٍ بِأَمْرٍ فَلَا يُبْدِ لَهُ عَلَانِيَةً، وَلَكِنْ لِيَأْخُذْ بِيَدِهِ فَيَخْلُوَ بِهِ، فَإِنْ قَبِلَ مِنْهُ فَذَاكَ، وَإِلَّا كَانَ قَدْ أَدَّى الَّذِي عَلَيْهِ لَهُ» [رَوَاهُ الإِمَامُ أَحْمَدُ وَصَحَّحَهُ الأَلْبَانِيُّ]، وقال عبدالله بن أبي أوفى t لسعيد بن جمهان: «ويحك يا ابن جمهان، عليك بالسواد الأعظم، عليك بالسواد الأعظم، إن كان السلطان يسمع منك فأته في بيته، فأخبره بما تعلم فإن قبل منك، وإلا فدعه فإنك لست بأعلم منه»، فالواجب عليك أداء النصيحة السرية لمن يقدر عليها، فإن لم يقبل فإن الله لم يكلفك بفضحه والتشهير به ونشر ذلك على مواقع التواصل والندوات والقنوات، إظهارا لشجاعتك وفتلا لعضلاتك. فاحذر يا عبدالله من كل ما هو سبيل لنشر الدمار والفوضى، واعرف ما أنت فيه من النعم، وانظر إلى من حُرِمها من البلدان، ولا تكن فتيلَ حربٍ ومسعرَ فتنةٍ. والحمد لله رب العالمين.
  • الخطبة الثانية:
الْحَمْدُ لِلَّهِ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى رَسُولِ اللهِ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَمَنِ اتَّبَعَ هُدَاهُ، وَأَشْهَدُ أَن لَّا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ.
  • أَمَّا بَعْدُ فيا عباد الله:
لم يقصر أصحاب النبي ﷺ ورضي الله عنهم في وصية الأمة ونصحهم، فَسَدُّوا أَبْوَابَ الْفِتَنِ وأغلقوا نوافذهاِ، وَعَاشُوا عَلَى خَيْرٍ وَأَمْنٍ وَأَمَانٍ؛ فَعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِّيَّ اللهُ عَنْهُ قَالَ: (أَمَرَنَا أَكَابِرُنَا مِنْ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ ﷺ أَنْ لَا نَسُبَّ أُمَرَاءَنَا، وَلَا نَغُشَّهُمْ، وَلَا نَعْصِيَهُمْ، وَأَنْ نَتَّقِيَ اللهَ وَنَصْبِرَ، فَإِنَّ الأَمْرَ قَرِيبٌ)، وَعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ رَضِّيَّ اللهُ عَنْهُ قَالَ: ( إِنَّ أَوَّلَ نِفَاقِ المَرْءِ طَعْنُهُ عَلَى إِمَامِهِ، وَلَقَدْ كَانَ السَّلَفُ الصَّالِحُ - عِبَادَ اللهِ- يَحُثُّونَ عَلَى الدُّعَاءِ لِوَلِيِّ الأَمْرِ بِالصَّلَاحِ؛ لِيَكُونَ ذَلِكَ سَبَبًا فِي الأَمْنِ وَالِاسْتِقْرَارِ وَالفَلَاحِ،  يَقُولُ الفُضَيْلُ بْنُ عِيَاضٍ رَحِمَهُ اللهُ: (لَوْ أَنَّ لِي دَعْوَةً مُسْتَجَابَةً مَا جَعَلْتُهَا إِلَّا فِي السُّلْطَانِ)، فَقِيلَ لَهُ: يَا أَبَا عَلِيٍّ فَسِّرَ لَنَا هَذَا، قَالَ: (إِذَا جَعَلْتُهَا فِي نَفْسِي لَمْ تَعْدُنِي، وَإِذَا جَعَلْتُهَا فِي السُّلْطَانِ صَلُحَ، فَصَلُحَ بِصَلَاحِهِ العِبَادُ وَالبِلَادُ). فانتبهوا -عباد الله- لمن يستغل عواطفكم في نصرة الدين أو محاربة الفساد، فالعاطفة عاصفة، وشعار ذهاب الحقوق والأموال وأن الولاة يريدون ظلمكم وأخذ أموالكم هو شعار الخوارج من قديم لخدمة أغراضهم وأحزابهم، نحن في بلد نعيش فيه في رغد عيش وأمن وأمان وعبادة لله تعالى من دون أي مضايقة، وكفى بهذه نعمة، نسأل الله تعالى أن يزيدنا من فضله، مع العلم أن الكلام في شؤون المسلمين والأمور العامة لا يكون لعامة الناس، فانشغالك بها في المجالس وفي مواقع التواصل، لا يخلوا من مخالفة شريعة وغيبة وإسقاط لهيبة الولاة، ولا فائدة منه لمن تدبر، وإنما هو انحراف عن طريق السنة ووصايا نبي الرحمة ﷺ، انشغل باصلاح نفسك وأولادك وحاسب نفسك، فكثيرون لا لعبادتهم أحسنوا ولا عملهم اتقنوا ويصيحون على الآخرين بأنهم أهل فساد، فكما تكونوا يول عليكم وأحسنوا إن الله يحب المحسنين (وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لاَ تُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ قَالُواْ إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ * أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِن لاَّ يَشْعُرُونَ). اللهم آمنا في أوطاننا، واجعل بلادنا وبلاد المسلمين بلاد خير ورخاء وأمن وإيمان، .....