غزوة حنين دروس وعبر
غزوة حنين دروس وعبر
  | ,, 4226   |   طباعة الصفحة


  • العنوان: غزوة حنين دروس وعبر
  • القاها: الشيخ الدكتور خالد بن ضحوي الظفيري حفظه الله.
  • المكان: خطبة جمعة في مسجد السعيدي بالجهراء 14 جمادى الثانية عام 1436هـ،
  • ونقلت مباشراً على إذاعة موقع ميراث الأنبياء.

  الخطبة الأولى: إن الحمد لله نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يُضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله
  • أما بعد:
فإن أصدق الحديث كلام الله، وخير الهدي هدي محمدٍ -صلى الله عليه وسلم-، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثةٍ بدعة، وكل بدعةٍ ضلالة، وكل ضلالةٍ في النار أما بعد:
  • عباد الله:
إن من غزوات رسول الله -صلى الله عليه وسلم- التي فيها الكثير من العبر والعظات، والدروس المستفادة منها غزوة حنين فإنه لما تم فتح مكة اجتمعت أشراف قبائل قيس عيلان للشورى وفي مقدمتها: هوازن وثقيف، فقالوا: قد فرغ محمدٌ من قتال قومه، ولا ناهية له عنا، فلنغزوه قبل أن يغزونا، فاجمعوا أمرهم للحرب، واختاروا لقيادتهم مالك بن عوفٍ النصري فتحشد جمعٌ كبير، ونزلوا بأوطاس، ومعهم نساؤهم وذراريهم وأموالهم، وانتقل بالمقتالين إلى وادي حنين بجانب وادي أوطاس، ونصب فيه كمائن، وعلم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بتجمعهم. فخرج من مكة يوم السبت السادس من شهر شوال لسنة ثمانٍ من الهجرة، ومعه اثنا عشر ألف مقاتل، واستعار من صفوان ابن أمية مائة درعٍ بأداتها واستعمل على مكة عتاب بن أسيدٍ، وفي الطريق رأى المسلمون سدرةً عظيمةً كانت تعلق عليها العرب أسلحتهم، ويذبحون ويعكفون عندها يقال لها: ذات أنواطٍ، فقال حديثو العهد بالإسلام لرسول الله -صلى الله عليه وسلم-: اجعل لنا ذات أنواطٍ كما لهم ذات أنواط، فقال -صلى الله عليه وسلم-: «الله أكبر إنها السنن قلتم والذي نفسي بيده كما قالت بنو إسرائيل لموسى اجعل لنا آلهًا كما لهم آلهة لتركبن سنن من كان قبلكم» وهذا فيه تحريم التبرك بالأشجار، والأحجار، وأن على الجيش الإسلامي أن لا يتساهل في إقامة التوحيد والنهي عن الشرك بالله، وأن إقامة التوحيد من أعظم أسباب النصر على  الأعداء. وقال بعضهم: نظرًا لكثرة الجيش (لن نغلب اليوم من قلة). فشق ذلك على رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فلا يجوز الاعتماد على الكثرة والاغترار بها، بل العدة والعتاد من الأسباب والأمر بيد الله -عز وجل-، ولما كان في العيشة جاءه فارسٌ، وأخبره بخروج هوازن بظعنهم ونعمهم وشاههم فتبسم وقال -صلى الله عليه وسلم-: «تلك غنيمة المسلمين غدًا إن شاء الله». وفي الليلة العاشرة من شهر شوال سنة ثمانٍ للهجرة وصل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إلى وادي حنين فعبأ جيشه سحرًا قبل أن يدخل فأعطى لواء المهاجرين لعلي بن أبي طالب، ولواء الأوس لأسيدٍ بن حضير، ولواء الخزرج للحباب بن المنذر، وأعطى ألويةً لقبائل أخرى، ولبس درعين والبيضة والمغفر، ثم بدأت مقدمة الجيش تنحدر بالوادي، وهي لا تعلم بوجود كمائن العدو فيه، فينما هي تنحط فيه إذ العدو يمطر عليهم النبال كأنها جرادٌ منتشر، وشد عليها شدة رجلٌ واحدة، فاضطربت مقدمة الجيش بهذه المفاجأة، وانكشف عامة من كان فيها من المسلمين، وتبعهم من كان خلفهم، فصارت هزيمة عامة، وسر ذلك بعض المشركين، وبعض حديثي العهد بالإسلام، فقال بعضهم: لا تنتهي هزيمته دون البحر، وقال آخر: ألا بطل السحر اليوم. وانظر إلى أن من وسائل الأعداء استغلال الإشاعات لنشر الهزيمة في قلوب المسلمين، أما رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فثبت في قليلٍ من المهاجرين والأنصار، وطفق يركض ببغلته ليتقدم نحو العدو وهو يقول: «أنا النبي لا كذب أنا ابن عبد المطلب»  وأخذ أبو سفيان ابن الحارث بلجام بغلته، والعباس بركابه لئلا يسرع نحو العدو، وانظر إلى شجاعته -عليه الصلاة والسلام- التي لا نظير لها، فنزل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عن البغلة ودعا ربه واستنصره. وهذا فيه أثر الدعاء، وأنه من أعظم أسباب النصر، وأمر العباس وكان جهوري الصوت أن ينادي أصحابه فنادى وملأ الوادي بصوته (ألا أين أصحاب السمرة، ألا أين أصحاب السمرة) فعطفوا نحو الصوت عطفة البقرة على أولادها يقولون: لبيك لبيك، حتى إذا اجتمع منهم مائة استقبلوا العدو واقتتلوا وصرفت الدعوة والنداء إلى الأنصار ثم إلى بني الحارث الخزرج، وتلاحقت كتائب المسلمين، واحدةً تلو الأخرى حتى اجتمع حوله -صلى الله عليه وسلم- جمعٌ عظيم، ﴿ثُمَّ أَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا﴾[التوبة:26]، فكر المسلمون واحتدم القتال، فقال -صلى الله عليه وسلم-: «الآن حمي الوطيس» وأخذ قبضة من تراب فرمى بها وجوه القوم، وقال: «شاهت الوجوه»  فملأ أعينهم ترابًا فلم يزل حدهم كليلًا أمرهم مدبره حتى تفرقوا وهربوا، وتبعهم المسلمون يقتلون ويأسرون، حتى أخذوا النساء والذراري، وأسروا كثيرًا من المحاربين. وجرح يومئذٍ خالد بن الوليد جراحاتٍ بالغة، وأسلم كثيرٌ من مشركي مكة؛ لما رأوا من عناية الله برسوله -صلى الله عليه وسلم-، ولما فرقوا المسلمون تفرقوا ثلاث فرقٍ فرقة لحقت بالطائف، وهم الأكثر، وفرقٌ لحقت بنخلة، وفرقة عسكرت بأوطاس فأرسل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إلى أوطاس أبا عامرٍ الأشعري عم أبي موسى الأشعري -رضي الله عنه- في جماعة من المسلمين، فبددهم، وظفر بما معهم من الغنائم، وقد استشهد أبو عامرٍ الأشعري في تلك المعركة، وخلفه أبو موسى الأشعري رضي الله تعالى عنه فرجع مظفرًا منصورًا، وطاردت طائفة من فرسان المسلمين فلول المشركين المنهزمين إلى نخلةٍ فأدرك دريد بن الصمة وقتلته، وأمر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بجمع الغنائم والسبي، وكانوا نحو أربعة وعشرين ألف بعيرٍ، وأكثر من أربعين ألف شاةٍ، وأربعة آلاف أوقية من الفضة، وستة آلاف سبيٍ، فجمع ذلك كله بالجعرانة، وجعل عليها مسعود بن عمرٍ الغفاري، ثم تقدم إلى الطائف، ومر في الطريق بحصنٍ لمالكٍ بن عوفٍ النصرني فأمر بهدمه، ولما وصل إلى الطائف، وجد العدو قد تحصن به، ومعه قوت سنة، وطعام سنة، ففرض عليه الحصار، وكان المسلمون نازلين قريبين من العدو، فرشقهم بالنبال، حتى أصيب عددٌ من المسلمين بجراحاتٍ فارتفعوا إلى محل مسجد الطائف اليوم، واختار المسلمون عدة تدابير لإرغام العدو على النزول، ولكنها لم تنجح. وطال الحصار دون جدوى، فقد دام حوالي عشرين يومًا، وقيل شهرًا كاملًا، ثم أمر النبي -صلى الله عليه وسلم- بالرحيل، وطلب بعض المسلمين أن يدعو الرسول -صلى الله عليه وسلم- عليهم، فقال -عليه الصلاة والسلام-: «اللهم اهدي ثقيفًا وأتى بهم مسلمين» وتحقق دعاء رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بعد ذلك، أقول ما تسمعون واستغفر الله العظيم لي ولكم من كل ذنبٍ فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
  • الخطبة الثانية:
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن أتبع هداه أما بعد:
  • عباد الله:
عاد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- من الطائف إلى الجعرانة في مكة فمكث به بعضة عشر يومًا لا يقسم الغنائم، يبتغي أن يقدم هوازن تائبين فيحرزوا أموالهم وسباياهم، وهذا من رحمته -صلى الله عليه وسلم-، فما جاء أحدٌ منهم، فأخرج الخُمس من الغنيمة وأعطاها لأناسٌ ضعفاء الإسلام يتألفهم ولأناسٌ لم يسلموا بعد ليحبب إليهم الإسلام، فأعطى بعضهم مائة من الإبل، وأعطى آخرين خمسين، وأعطى آخرين أربعين، حتى شاع بين الناس أن محمدًا -صلى الله عليه وسلم- يعطي عطاء من لا يخشى الفقر فازدحم الأعراب يطلبون منه، حتى ألجئوه إلى شجرة فتعلق بها ردائه -صلى الله عليه وسلم-، فقال: «ردوا علي ردائي فوالذي نفسي بيده لو كان لي عدد شجر تهامة نعمًا لقسمته عليكم، ثم ما ألفيتموني بخيلًا، ولا جبانًا ولا كذابًا» ثم أخذ وبرة من سنام بعيرٍ وقال: «والله ما لي من فيئكم ولا هذه الوبرة إلا الخمس، والخمس مردود عليكم فأدوا الخياط والمخيط فإن الغلول يكون على أهله عارًا وشنارًا ونارًا يوم القيامة». فرد الناس ما كانوا أخذوه من الغنيمة ولو كان شيئًا يسيرًا، ثم أمر زيد بن ثابت بتقسيم الغنيمة، ثم رجع بعد ذلك وفدٌ من هوازن، فرد إليهم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- نسائهم، وأبنائهم فقط، ولما رأى الأنصار ما أعطاه الرسول -صلى الله عليه وسلم- للناس استغربوا ذلك، حيث أعطى المؤلفة قلوبهم عطايا جزيلة لا تقاس، ولم يعط الأنصار شيئًا. فقال بعضهم: (إن هذا لهو العجب يعطي قريشًا ويتركنا وسيوفنا تقطر من دمائهم) فأبلغه ذلك سعد بن عبادة رئيس الأنصار، فجمعهم وحده، فحمد الله وأثنى عيه، وقال: «يا معشر الأنصار مقالةٌ بلغتني عنك ووجدةٌ وجدتموها في أنفسكم ألم تكونوا ضلالًا فهداكم الله بي؟ وعالةً بأغناكم الله بي؟ وأعداء فألف الله بين قلوبكم قالوا: بل الله ورسوله أمن وأفضل قال: ألا تجيبوني يا معشر الأنصار؟ قالوا: وبماذا نجيبك يا رسول الله ولله ولرسوله المن والفضل؟ قال: أما والله لو شئتم لقلتم فلصدقتم وصُدقتم أتيتنا مكذبًا فصدقناك، ومخذولًا فنصرناك، وطريدًا فآويناك، وعائلًا فواسيناك فوجدتم في أنفسكم يا معشر الأنصار في لعاعة الدنيا تألفت قومًا ليسلموا ووكلتكم إلى إسلامكم، ألا ترضون يا معشر الأنصار أن يذهب الناس بالشاة والبعير وترجعون برسول الله -صلى الله عليه وسلم- في رحالكم؟ فوالذي نفس محمدٌ بيده أنه لولا الهجرة لكنت امرؤ من الأنصار، ولو سلك الأنصار شعبًا لسلكت شعب الأنصار، اللهم أرحم الأنصار، وأبناء الأنصار، وأبناء أبناء الأنصار». قال: (فبكى القوم حتى أخضبوا لحاهم، وقالوا: رضينا برسول الله -صلى الله عليه وسلم- قسمًا وحظًا) ثم انصرف رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وتفرقوا هكذا كان أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لا يقدمون على محبة الله، ومحبة رسوله -عليه الصلاة والسلام- شيئًا من حطام الدنيا، فاللهم أرضى عن أصحاب رسولك، اللهم انصر دينك، اللهم انصر دينك، وأعلي كلمتك، اللهم انصر دينك، وأعلي كلمتك، اللهم انصر إخواننا المجاهدين في اليمن، اللهم انصر إخواننا المجاهدين في اليمن، اللهم عليك بالحوثيين والنصريين يا رب العالمين، اللهم انصر إخواننا في كل مكان، اللهم اجعل الدائرة لهم، اللهم اجعل مكر أعدائهم يعود عليهم يا رب العالمين، اللهم نصرك وثباتك لجنودنا يا رب العالمين، اللهم نصرك وثباتك لجنودنا يا رب العالمين، اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات، والمسلمين والمسلمات، الأحياء منهم والأموات، ربنا آتنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار، اللهم اغفر لنا ولوالدينا، وارحمهم برحمتك يا أرحم الراحمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.