ماذا بعد رمضان؟
ماذا بعد رمضان؟
  | , 4261   |   طباعة الصفحة


  • العنوان: ماذا بعد رمضان؟
  • القاها: الشيخ الدكتور خالد بن ضحوي الظفيري حفظه الله تعالى
  • المكان: خطبة جمعة في مسجد السعيدي بالجهراء 5 شوال 1435هـ ونقلت مباشراً على إذاعة موقع ميراث الأنبياء.

 

الخطبة الأولى

إن الحمد لله، نعبده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يُضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، أما بعد:- فإن أصدق الحديثِ كلام الله، وخير الهدي هديُ محمد- صلى الله عليه وسلم-، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، أما بعد:- عباد الله، فإنه وإن انقضى شهر رمضان بما يحمله كل إنسان من عمل إن خيرًا فخير، وإن شرًا فلا يلومن إلا نفسه، إنه وإن انقضى هذا الشهر فإن عمل المؤمن لا ينقضي قبل الموت يقول -عز وجل-: {وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ} [الحجر: 99]، ويقول سبحانه وتعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} [آل عمران: 102]، ويقول نبينا -عليه الصلاة والسلام-: ((إذا مات ابن آدم أنقطع عمله إلا من ثلاث)) فلم يجعل لانقطاع العمل غاية إلا الموت، فلله -عز وجل- عبادات تؤدى في مواقيتها يوميًا، واسبوعيًا، وسنويًا، وهذه العبادات منها ما هو من أركان الإسلام، وواجباته العظام، ومنها ما هو من مستحباته ومكملاته؛ فلا إن انقضى صيام شهر رمضان فإن المؤمن لن ينقطع عنه عبادة الصيام بذلك، فالصيام لا يزال مشروعًا ولله الحمد في العام كله مثل صيام الأيام البيض، وهي: الثالث عشر، والرابع عشر، والخامس عشر من كل شهر هجري، يقول نبينا -صلى الله عليه وسلم-: ((ثلاث من كل شهر، ورمضان إلى رمضان فهذا صيام الدهر كله)) رواه مسلم. وقال أبو هريرة -رضي الله عنه-: ((أوصاني خليلي -صلى الله عليه وسلم- بثلاث)) وذكر منها صيام ثلاثة أيام من كل شهر. فهذه عبادة الصيام مستمرة للعبد المؤمن، وكذلك صيام شهر محرم، وأكثر شهر شعبان، ويوم الاثنين والخميس، فإنه ورد عن النبي -صلى الله عليه وسلم- في حديث عائشة -رضي الله عنها- أنها قالت: ((كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يتحرى صيام الاثنين والخميس))، وعن أبي هريرة -رضي الله عنه-، قال نبينا -عليه الصلاة والسلام-: ((تعرض الأعمال يوم الاثنين والخميس فأحب أن يعرض عملي وأنا صائم)) رواه الترمذي. ولئن انقضى قيام شهر رمضان فإن القيام وصلاة الليل لا تزال مشروعة ولله الحمد في كل ليلة من ليالي السنة ثابتًا من  فعله -عليه الصلاة والسلام- لكن قصد الجماعة لها لا يكون إلا في رمضان، ففي صحيح البخاري عن المغيرة بن شعبة -رضي الله عنه- قال: ((إن كان النبي -صلى الله عليه وسلم- ليقوم أو ليصلي حتى ترم قدماه)) أي تتفطر قدماه ((فيقال له: فيقول: أفلا أكون عبدا شكورا))، وعن عبد الله بن سلام -رضي الله عنه- أنا النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: ((أيها الناس، أيها الناس أفشوا السلام، و أطعموا الطعام، وصلوا الأرحام، وصلوا وبالليل والناس نيام تدخلوا الجنة بسلام)) رواه الترمذي. وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة -رضي الله عنه-، أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: ((أفضل الصلاة بعد الفريضة صلاة الليل))، وفي الصحيحين عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال نبينا -صلى الله عليه وسلم-: ((ينزل الله -تبارك وتعالى- كل ليلة إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الأخر، فيقول: من يدعوني فأستجيب له، من يسألني فأعطيه، من يستغفرني فأغفر له)). عباد الله، إن للقبول والربح في هذا الشهر علامات، وللخسارة والرد علامات واضحة يعرفها كل إنسان من نفسه، ففكروا في أنفسكم فمن كان حاله في الخير والاستقامة بعد رمضان أحسن من حاله قبله، ومن حسن سلوكه وعظمت رغبته في الطاعة، وابتعد عن المعاصي ونفر منها بعد رمضان فهذا دليل على قبول أعماله الصالحة في رمضان، ودليلٌ على ربح تجارته في رمضان، ومن كان بعد رمضان كحاله قبله، أو أسوء منه مقيمٌ على المعاصي بعيدٌ عن الطاعة، يرتكب ما حرم الله ويترك ما أوجب الله، يترك الصلاة ولا يحضر الجمعة ولا الجامعات، يسمع النداء فلا يجيب، ويعصي فلا يتوب، لا يدخل مع المسلمين في بيوت الله، ولا يتلوا كتاب الله، ولا يتأثر بالوعد والوعيد، ولا يخاف من التهديد، سماعه للأغاني والمزامير، ونطقه قول الزور وغير ذلك من أنواع الفجور، فهذا لم يستفد من رمضان وعلامة على الآثام والخسران كما أخبر النبي -صلى الله عليه وسلم- أن جبريل عليه السلام قال له: ((ومن أدركه شهر رمضان فلم يُغفر له فمات فدخل النار فأبعده الله، قل : أمين، فقلت: أمين)) فهذا خبر عن جبريل -عليه السلام- أن من أدركه رمضان فلم يُغفر له فيه، ومات على هذه الحال أنه في النار ودعا عليه جبريل بالبعد عن رحمه الله، وأمن على ذلك رسول الله -صلى الله عليه وسلم-. فيا عظم الخسارة، ويا فداحة المصيبة، ويا هول العقوبة، فيا من عرفت ربك في رمضان كيف نسيته بعد رمضان لقد كانت المساجد في رمضان تغص بالمصلين في الأوقات الخمسة برجال لم ينزلوا من السماء، ولم يقدموا من سفر بل يسكنون بجوار المسجد طوال السنة، ويملئون البيوت لكنهم لا يعرفون المساجد في غير رمضان، ولا يعرفون الصدقة والمساكين إلا في رمضان، فاجتهدوا عباد الله في طاعة الله، وذكروا أولادكم وأهاليكم بمداومة العبادة لله، ولا تنسوا إخوانكم وأقاربكم، وجيرانكم الفقراء المحتاجين، صلوهم وأطعموهم واكسوهم، وأنفقوا عليهم تحوزوا بذلك الأجر العظيم، فرب صدقة صغيره لا تُلقي لها بالًا تكون حرزًا لك من النار جهنم، وسببا في دخول الجنة، روى الترمذي، والنسائي عن أبي هريرة -رضي الله عنه-، أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: ((ما تصدق أحد بصدقه من طيب ولا يقبل الله إلا الطيب إلا  أخذها الرحمن بيمينه، وإن كانت تمرة فتربوا في كف الرحمن حتى تكون أعظم من الجبل، كما يربي أحدكم فلوة أو فصيله)) فهذا دليل على عظم أجر الصدقة، وإن كانت يسيرة. أقول ما تسمعون، واستغفر الله العظيم لي ولكم من كل ذنب، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.  

الخطبة الثانية

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى أله وصحبه ومن اتبع هداه، أما بعد:- عباد الله، اعلموا أن من هدي النبي -صلى الله عليه وسلم- في هذا الشهر ألا وهو شهر شوال انه كان يصوم فيه ستة أيام، ففي صحيح مسلم عن أبي أيوب الأنصاري -رضي الله عنه-، أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: ((من صام رمضان ثم أتبعه ستًا من شوال كان صيام الدهر))، وذلك أن الحسنة بعشر أمثالها، فصيام رمضان يقابل صيام عشرة أشهر، وصيام ستة أيام من شوال يقابل صيام شهرين فكان ذلك تمام السنة، وكأنما صام الدهر. وقد رتب النبي -صلى الله عليه وسلم- هذا الثواب على إتمام صيام رمضان، فمن كان عليه قضاء، فالأفضل أن يقضي ما عليه أولًا ثم يصوم ستة من شوال، وسواء صام هذه الست متقطعة أو متصلة فكل ذلك جائز. وليس من ذلك صيام يوم الفطر، فإن صيام يوم العيد محرم ومنهي عنه، ومن صام اليوم يوم الجمعة فليتبعه بيوم بعده ألا وهو السبت، فإن صيام يوم الجمعة وحده منهي عنه لكن إن صام معه يوم قبله، أو يوم بعده فلا حرج في ذلك. فاجتهدوا عباد الله في فعل الطاعات، واجتنبوا الخطايا والسيئات لتفوزوا بالحياة الطيبة في الدنيا والأجر الكثير بعد الممات، يقول -عز وجل-: {مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [النحل: 97]. اللهم ثبتنا على الإيمان، اللهم ثبتنا على الإيمان والعمل الصالح، وأحينا حياة طيبة وألحقنا بالصالحين، اللهم اغفر لنا ولوالدينا وللمؤمنين والمؤمنات، الأحياء منهم والأموات، اللهم احفظنا بحفظك، واكلأنا برعايتك، اللهم من أرادنا وأرد المسلمين بسوء فأشغله في نفسه، ورد كيده في نحره، اللهم أعن إخواننا في سوريا، اللهم أعن إخواننا في غزة، اللهم فرج عن المسلمين يا رب العالمين، الله فرج عنهم في كل مكان، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.