ختام شهر رمضان
ختام شهر رمضان
  | , 7046   |   طباعة الصفحة


  • العنوان: ختام شهر رمضان
  • القاها: الشيخ الدكتور خالد بن ضحوي الظفيري حفظه الله تعالى
  • المكان: خطبة جمعة في مسجد السعيدي بالجهراء 27 رمضان 1435هـ ونقلت مباشراً على إذاعة موقع ميراث الأنبياء.

 
  • الخطبة الأولى:
نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا. من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله وأما بعد.. فإن أصدق الحديث كلام الله، وخير الهدي هدي محمدٍ -صلى الله عليه وسلم-، وشر الأمور محدثاتها وكل محدثةٍ بدعة وكل بدعةٍ ضلالة وكل ضلالة في النار أما بعد.. فإننا عباد الله، فإننا اليوم نترقب محزونين انتهاء شهر رمضان كما كنَّا بالأمس القريب نتقرب قدومه فرحين، وحُقَّ لكل مسلم أن يفرح بقدومه، وأن يأسى ويحزن لفراقه؛ لأنه شهر البركة، وموسمٌ عظيم تفتح فيه أبواب الجنة، وتغلق فيه أبواب النيران، وتصفد فيه الشياطين، وفيه ليلةٌ هي خيرٌ من ألف شهر. من صام هذا الشهر إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه. موسمٌ تضاعف فيه الحسنات، وتكفر فيه السيئات، وتغفر فيه الذنوب. شهر الصيام والقيام، وإطعام الطعام، وقراءة القرآن، والمبادرة إلى فعل الخير، شهر العتق من النار. عباد الله، إن كان الشهر قد انقضت أيامه مسرعة فهذه سنة الله في خلقه، فترقب لكل موجودٍ زوالًا ولكل مقيمٍ انتقالاً، إنها ذكرى لمن يتذكر، وعظةٌ لمن يتعظ أن الأعمار سريعة الانقضاء والانتهاء فكل ما مضى من العمر وإن طال فإنه كحلم، وإذا انقضى الشيء فكأنه ما كان. فلا تغرنكم هذه الحياة بزخرفها وزهرتها فإنها حياةٌ فانيةٌ عن قريب، ثم تصيرون إلى دار الخلود الذي لا موت فيه، تجتهدوا أن تكونوا في الحياة الآخرة من أهل دار السرور والحبور دار القصور المنيفة، والدرجات الشريفة، دار الجنان والأنهار، دار التلذذ بالنظر إلى وجه الله الكريم، دار النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقًا فاللهم اجعلنا من أهلها. واحذروا ثم احذروا من المصير إلى دار الأحزان والحسرات، دار الأغلال والسعير، دار الضريع والزقوم، دار الخزي والهوان فبئست الدار وبئس القرار أعادنا الله وإياكم منها. عباد الله، إن طريق الجنة الإيمان والعمل الصالح، وإن طريق النار الكفر بالله ومعصيته فاتقوا الله في أنفسكم وتزودوا في دنياكم لمعادكم، واسلكوا سبيل الجنة واحذروا سبل النار. عباد الله، إن المتبقي من شهر رمضان وإن كان قليلًا إلا أنه عظيم الشأن فبادروا بالتوبة النصوح، بادروا إلى الاستغفار والذكر والدعاء والتضرع إلى الله. جاء في الحديث الصحيح عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: «رمضان إلى رمضان كفارةٌ لما بينهما إذا اجتنبت الكبائر». فيا أيها المصرون على الصغائر، ويا أيها الواقعون في الكبائر بادروا بالتوبة والإقلاع لعلَّ الله أن يشملكم برحمته وغفرانه ورضوانه فإنها فرصة قد لا تدركونها بعد عامكم هذا. عباد الله، يا من وفقتم لصيام الشهر وقيامه، ويا من وفقتم إلى تلاوة القرآن والمبادرة إلى كثيرٍ من الأعمال الصالحة لا تركنوا إلى أعمالكم، ولا تغتروا بما قدمتم فما وفقتم إلى عملٍ صالح إلا بتوفيق الله لكم وإعانته إياكم فاحمدوا الله واشكره له على إنعامه، وسلوا ربكم القبول فإن المؤمن الصادق هو الذي يجمع بين العمل الصالح والخوف من الله –عزَّ وجلَّ- ألا يقبل منه عمله كما قال -سبحانه-: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ﴾ [المؤمنون:60]. روى أحمد عن عائشة –رضي الله عنها- أنها سألت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عن أهل هذه الآية أهم الذين يزنون ويسرقون ويشربون الخمر؟ فقال: «لا يا ابنة الصديق، ولكنَّهم الذين يصلون ويتصدقون، ويخافون ألا يقبل منهم». فابتهلوا إلى الله وتضرعوا إليه أن يتقبل منكم عملكم الصالح . عباد الله، إن من الناس من يرى شهر رمضان شهرًا للعبادة، وأن ما عداه من الشهور شهور تقصيرٍ وتفريطٍ ومعصية؛ ولهذا فهم في رمضان من أهل صلاة الجماعة، ومن أهل قيام الليل، ومن أهل قراءة القرآن، ومن أهل البر والصدقة والإحسان يصون البصر، ويصون السمع فإذا انتهى رمضان هدم ما بنا ونقض ما عقد، وأفسد ما أصلح، وهجر القرآن فلا يقرؤه إلا قليلًا وهجر صلاة الجماعة فلا يشهدها أو لا يشهدها إلا قليلًا، وإذا قام إليها قام كسلانًا ثقيلًا يطلق العنان لبصره ولسمعه فلا يبالي أصرفها في حلالٍ أم حرام. يلغ في أكل الحرام كأن ما حلَّ بيده فهو حلالٌ فهذا الصنف على خطرٍ عظيم؛ لأنهم ما فهموا حقيقة العبادة التي خلقوا لأجلها؛ لأن الله خلق الثقلين لعبادته وأمرهم بها إلى أن يلقونه كما قال –عزَّ وجلَّ-: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ [الحجر:99]. يقول الحسن البصري –رحمه الله-: "إن الله لم يجعل لعمل المؤمن أجلًا دون الموت". إن هذا الصنف من الناس لم يفهم أن رمضان موسم للازدياد من العبادة والطاعة والبر ولكنَّه فهم أن موسم رمضان موسمٌ للطاعة، وأن ما عداه مواسم للغفلة والتضييع والتفريط. راجعوا أنفسكم وراجعوا فهمكم لحقيقة دينكم، راجعوا أنفسكم وتذكروا أنكم تعبدون رب رمضان ولا تعبدون رمضان وبئس القوم الذين لا يعرفون ربهم إلا في رمضان، راجعوا أنفسكم وتذكروا أن العبرة بالخواتيم، والذي يحسن في رمضان ويسيء بعده لم يختم عمله بخير وإنما يَختم بخير من كان عمله كله خيرًا؛ لأنه متى جاء الأجل صادفه على عملٍ صالح. فداوموا على فعل الخيرات وترك المنكرات تفوزوا وتسعدوا . عباد الله، إن مواسم ربنا ونفحاته ليست خاصةً برمضان فلله مواسم أخرى جعلها لعباده حتى يتزودوا فيها من الصالحات؛ ولذا شرع لهم صيام ستٍ من شوال بعد رمضان، وشرع لهم صيام الاثنين والخميس، وصيام ثلاثة أيامٍ من كل شهر، وصيام يوم عرفة ويوم عاشوراء، ورتب لهم على صومهم الأجر والثواب الجزيل. وينزل ربنا في كل ليلة في الثلث الأخير من الليل إلى السماء الدنيا فينادي عباده يدعوهم إلى التوبة وإلى الاستغفار، وإلى سؤاله الحاجات وذلك في كل ليلة، وفي يوم الجمعة ساعةٌ لا يوافقها عبدٌ يدعو الله إلا استجاب الله دعاءه. وشرع لعباده: الاستكثار من الأذكار، ورتب على الذكر رفع الدرجات وزيادة الحسنات، وتكفير السيئات ولو كانت مثل زبد البحر . وشرع لعباده: نوافل الصدقات وقراءة القرآن وغير ذلك من أبواب الطاعة فمن شاء فليتزود فإن السفر بعيدٌ، والرحلة شاقة وخير الزاد التقوى . اللهم تقبل صيامنا وقيامنا وطاعاتنا واغفر لنا ذنوبنا وسيئاتنا وتجاوز عنا يا رب العالمين. أقول ما تسمعون، وأستغفر الله العظيم لي ولكم من كل ذنبٍ فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.  
  • الخطبة الثانية:
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن اتبع هداه أما بعد.. عباد الله، إنَّ مما شرع الله لعباده في ختام هذا الشهر زكاة الفطر، وقد شرعت لحكمٍ بالغة ومن حكمها: - أنها طهرةٌ للصائم من اللغو والرفث الذي حصل منه في هذا الشهر. - وهي كذلك شكرٌ لله على نعمة إتمام صيام الشهر. - ومن حكمها أنها مواساةٌ للفقراء والمساكين في يوم العيد فإن الجائع لا فرحة له. وصدقة الفطر واجبةٌ، وحكا بعضهم الإجماع على وجوبها، وإنما تجب على من ملك صاعًا من طعامٍ زائدًا عن حاجته وحاجة من تلزمه نفقتهم يوم العيد وليلته. والدليل على وجوبها ما ثبت في الصحيحين من حديث ابن عمر -رضي الله عنهما- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- أو أنه قال: «فرض رسول الله -صلى الله عليه وسلم- زكاة الفطر صاعًا من تمرٍ أو صاعًا من شعيرٍ على الحر والعبد، والذكر والأنثى، والصغير والكبير من المسلمين وأمر بها أن تؤدى قبل خروج الناس إلى الصلاة». فقوله: «فرض» دليلٌ على وجوبها؛ لأن (الفرض) معناه: الإيجاب والإلزام. وتخرج صدقة الفطر من قوت البلد سواءً من الأصناف المذكورة في الحديث أو من غيرها إذا كان غالب قوت أهل البلد من غير هذه الأصناف، ولا يجوز إخراجها نقودًا أو ملابس أو نحو ذلك، ومن كان فقيرًا حقًا ينتفع بالطعام ولا بد. والسبب في عدم إجزاء غير الطعام أن النبي -صلى الله عليه وسلم- فرضها من الطعام فلا تترك سنته –عليه الصلاة والسلام-؛ لقول أحدٍ، يقول الإمام أحمد –رحمه الله-: "لا يعطي القيمة" أي: (لا يخرج زكاة الفطر نقودًا أو مالًا). قيل له: "قوم يقولون: إن عمر بن عبد العزيز كان يأخذ القيمة؟ فقال –رحمه الله-: "يدعون قول رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، ويقولون: قال فلان، وقد قال ابن عمر: «فرض رسول الله -صلى الله عليه وسلم- زكاة الفطر صاعًا من طعامٍ»". ووقت وجوبها: غروب الشمس آخر ليلة من شهر رمضان، فمن ولد له ولدٌ قبل غروبها أخرج عنه وجوبًا، وكذا إذا أسلم الكافر قبل غروبها أخرجها عن نفسه. وأما إذا أسلم بعد الغروب أو ولد المولود بعد الغروب أو مات المسلم قبل الغروب فلا تلزمهم؛ لأنهم لم يدركوا وقت وجوبها لكن يستحب إخراجها عن الجنين في بطن أمه كما نقل ذلك عن السلف. وتؤدى زكاة الفطر قبل الخروج لصلاة العيد؛ لحديث ابن عمر –رضي الله عنهما- أنه قال: «أمر بها أن تؤدى قبل خروج الناس إلى الصلاة». ولا حرج أن تؤدى قبل العيد بيومٍ أو يومين وأول أيامها هو اليوم الثامن والعشرين، وأما إخراجها أول الشهر أو وسطه أو قبل ثلاثة أيامٍ من العيد فهذا خلاف المشروع، ومن فعل ذلك أخرجها مرةً أخرى في موعدها الشرعي. عباد الله، لقد شرع الله تعالى التكبير ليلة عيد الفطر إلى الصلاة، ﴿لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾ [الحج:37]، ويرفع صوته فيه ولو كان في مجامع الناس والأسواق من غير تلحينٍ ولا تكبيرٍ جماعي بل كلٌ يكبر وحده. عباد الله، إن الله جعل عيد الفطر يومًا يفرح فيه المسلمون بإتمام نعمة الصيام الذي هو رابع أركان الإسلام، كما جعل عيد الأضحى يومًا يفرح فيه المسلمون بأداء الركن الخامس من أركان الإسلام وهو "حج بيت الله الحرام". والعيد يوم فرحٍ بنعمة الله وشكرٍ لله، وقد شرع الله فيه لعباده صلاةً عظيمة هي صلاة العيد، وكثيرٌ من المسلمين يتهاون في أدائها وحضورها مع أن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان يأمر الناس بالخروج إليها حتى كان يأمر بخروج الحيض إلى المصلى فيكنَّ من وراء الناس يشهدنَّ الخير ودعوة المسلمين كما يستحب التجمل للعيد، ولبس أحسن الثياب، وإذا خرج من طريقٍ رجع من طريقٍ آخر، ويأكل تمراتٍ قبل الخروج للصلاة ويأكلهنَّ وترًا. وصلاة العيد ليس لها أذانٌ ولا إقامة ولا سنةٌ قبلية لكن إذا صلى في المسجد يركع ركعتين قبل الجلوس، والسنة أداء الصلاة في المصلى خارج البلد. عباد الله، كثيرٌ من المسلمين صيروا العيد يوم لهوٍ وغفلة ومعصية فلا يعرفون فيه إلا المعازف والأغاني، وتضييع الجماعة وهذا غلطٌ عظيم فالمعازف محرمةٌ في يوم العيد وقبله وبعده كما ثبت في النصوص الشرعية فافرحوا في يوم عيدكم بفضل الله ونعمته بإتمام الصيام ولا تفعلوا وتقيموا شهركم بما يسخط عليكم ربكم. اللهم تقبل منَّا، اللهم تقبل منَّا إنك أنت السميع العليم، واغفر لنَّا إنك أنت الغفور الرحيم. ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار، اللهم اغفر اختم لنّا هذا الشهر يا رب العالمين بخير، اللهم اجعله شهر مغفرةً ورحمة لنَّا يا رب العالمين. اللهم تقبل منَّا فيه الصيام، وتقبل منَّا فيه القيام، وتقبل منَّا فيه قراءة القرآن. اللهم ثبتنا على دينك يا رب العالمين، اللهم إنَّا نعوذ بك من مضلات الفتن، اللهم إنَّا نعوذ بك من الفتن ما ظهر منها وما بطن، اللهم ثبت قلوبنا على دينك يا مصرف القلوب صرف قلوبنا إلى طاعتك. اللهم أعن إخواننا في سوريا، اللهم أعنهم يا رب العالمين، اللهم أعن إخواننا في غزَّة وفي العراق وفي بلاد الإسلام جميعًا يا رب العالمين. اللهم أعز دينك وأعلي كلمتك، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.