رمضان جاء يا باغي الخير
رمضان جاء يا باغي الخير
  | ,, 1502   |   طباعة الصفحة


  • خطبة الجمعة : رمضان جاء يا باغي الخير.
  • القاها: الشيخ الدكتور خالد بن ضحوي الظفيري حفظه الله تعالى.
  •  المكان: خطبة جمعة في يوم 29شعبان - عام 1438هـ في مسجد السعيدي بالجهراء.

   
  • الخطبة الأولى:
إنّ الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيِّئات أعمالنا، من يهده الله فلا مُضلّ له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أنْ لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أنَّ محمَّداً عبده ورسوله. أمَّا بعد... فإنّ أصدق الحديث كلام الله، وخير الهدي هدي محمّدٍ -صلّى الله عليه وسلّم-، وشرّ الأُمور مُحدثاتها، وكُلَّ مُحدثة بِدعة، وكُلَّ بِدعة ضلالة، وكُلَّ ضلالة في النّار. أمَّا بعد... عباد الله، يظلنا ضيفٌ عزيزٌ على قلوبنا له منزلته العالية في نفوسنا، الأعمال فيه عظيمة، والأجور فيه كريمة، تكاثرت فيه وجوه الخير والإحسان، وتواصلت فيه أسباب العفو والغفران، حتى إن المرء ليتقاصر عن إحصاء فوائده، ويعجز عن الإحاطة بعوائده، إنه شهرٌ كان رسول الله –صلى الله عليه وسلم- يهنأ أصحابه بوصوله، ويبشرهم بحلوله، ويحثهم على صيامه وقيامه، واغتنام ساعاته وأيامه، فيقول –صلى الله عليه وسلم-: «قَدْ جَاءَكُمْ شَهْرُ رَمَضَانَ، شَهْرٌ مُبَارَكٌ افْتَرَضَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ صِيَامَهُ، تُفْتَحُ فِيهِ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ، وَتُغْلَقُ فِيهِ أَبْوَابُ الْجَحِيمِ، وَتُغَلُّ فِيهِ الشَّيَاطِينِ، وَفِيهِ لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ مَن حُرِمَ خَيْرَها فقد حُرِمَ»، والموفق حقًّا من اغتنم أيامه بحسن الصيام، وقام لياليه حق القيام، وصان جوارحه عن الخطأ أو الآثام وعمر بالطاعات كل أوقاته، واغتنم بالأعمال الصالحة ساعاته، فطوبى لمن شمر فيه مخلصًا! يا حسرةً علن من يكون فيه مفلسًا. عباد الله، قد جعل الله –عزَّ وجلَّ- باب الريَّان للصابرين فيه على ظمأ الهواجر، وأعدَّ أجرًا لا حساب له لكل صائمٍ صابر، فعن سهلٍ –رضي الله عنه- عن النبي –صلى الله عليه وسلم- أنه قال: «إِنَّ فِي الْجَنَّةِ بَابًا يُقَالُ لَهُ الرَّيَّانُ، يَدْخُلُ مِنْهُ الصَّائِمُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا يَدْخُلُ مِنْهُ أَحَدٌ غَيْرُهُمْ، يُقَالُ: أَيْنَ الصَّائِمُونَ فَيَقُومُونَ لَا يَدْخُلُ مِنْهُ أَحَدٌ غَيْرُهُمْ فَإِذَا دَخَلُوا أُغْلِقَ فَلَمْ يَدْخُلْ مِنْهُ أَحَدٌ». ويا قرة عيون عباد الله الصائمين بما أعدَّ لهم ربهم من الأجور يوم الدِّين، فعن أبو هريرة –رضي الله عنه-، أنَّ النبي –صلى الله عليه وسلم- قال: «كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ لَهُ إِلَّا الصَّوْم»، «كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ يُضَاعَفُ الْحَسَنَةُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا إِلَى سَبْعمِائَة ضِعْفٍ، قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ : "إِلَّا الصَّوْمَ فَإِنَّهُ لِي، وَأَنَا أَجْزِي بِهِ، يَدَعُ شَهْوَتَهُ وَطَعَامَهُ مِنْ أَجْلِي». هو شهر البر والجود والبذل والعطاء، فقد كان رسول الله –صلى الله عليه وسلم- أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان، قال نبينا –عليه الصلاة والسلام-: «رَمَضَانُ شَهْرٌ مُبَارَكٌ، تُفْتَحُ فِيهِ أَبْوَابُ الجنَّة، وَتُغْلَقُ فِيهِ أَبْوَابُ الْسَعِير، وَتُصفَّدُ فِيهِ الشَّيَاطِينِ، وَينَادِي مُنَادِي كُلْ لَيْلة، يَا بَاغِي الْخَير هُلُم، ويَا بَاغِي الْشَّر اقصر». إنَّ شهرًا بهذه المثابة، وموسمًا بهذا القدر حريٌ بأن نستعد له أحسن استعداد، بالتوبة والرجوع إلى الله –سبحانه وتعالى-، وأن خير ما يُستقبل به شهر رمضان التفقه في الأحكام المتعلقة به، حتى يؤدي المسلم هذا الركن العظيم، على الصفة الشرعية المطابقة لكتاب الله، ولسُّنَّة رسوله –صلى الله عليه وسلم-، فإن العبادات مبناها على التوقيف، أي على إتباع الكتاب والسُّنَّة. قال –صلى الله عليه وسلم-: «مَنْ عَمِل عَمَلًا ليس عليه أمْرُنَا فهو رَد». إنَّ الأحكام المتعلقة بالصوم كثيرة، ومنها على سبيل الإيجاز: أولًا: أن الله تعالى فرض الصيام في السنة الثانية من الهجرة، قال -عزَّ وجلَّ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾[البقرة:183]، ففرضه علينا وأخبر أنه قد فرضه على من قبلنا، تنبيهًا على شرف الصيام وجلالته، وتسليةً لأهل الإيمان بأنَّ من قبلهم صاموا، فتخف وطأة الجوع والعطش بسبب ذلك، ثم بيَّن العلة التي لأجلها شُرِع الصيام، وهي تحقيق تقوى الله تعالى بفعل أوامره، واجتناب نواهيه، تنبيهًا على أن القصد منه ليس مجرد الاقتصار على صورة ترك الطعام، والشراب، والشهوة، دون اجتناب المعاصي وفعل الطاعات. ‚والثانية: يجب صوم رمضان على كل مسلمٍ بالغٍ عاقلٍ قادرٍ رجلٌ كان أو امرأة، فالكافر لا يقبل منه الصيام حتى يسلم، والمجنون مرفوعٌ عنه قلم التكليف حتى يفيق، والصغير الذي لم يبلغ لا يجب عليه صيامٌ، لكن إذا صار قادرًا عليه فيأمر به تمرينًا عليه وتعويدًا، حتى لا يبلغ إلا وقد ألف الصيام وأحبه، وقد كان السلف يعودون صبيانهم على الصيام ويأمرونهم به. ƒوالثالثة: أن له لا يثبت دخول شهر رمضان شرعًا إلا بأحد أمرين: ،رؤية هلاله بعد غروب الشمس من اليوم التاسع والعشرين من شعبان، فإن لم يُرى فبإتمام شعبان ثلاثين، للأحاديث الصحيحة في هذا الموضوع، وتكفي شهادة مسلمٍ واحدٍ عدلٍ في إثبات دخول شهر رمضان، وإمَّا الحساب الفلكي أو الرؤية بالمراصد فلا يتلفت إليها؛ لأنَّ ديننا دين يسرٍ وسماحةٍ لا تعنت فيه، وقد أرشدنا نبينا –صلى الله عليه وسلم- إلى الرؤية، فإن عدمنا صرنا إلى إكمال شهر شعبان ثلاثين. „والرابعة: لا يجوز للمسلم أن يتقدم رمضان بصوم يومٍ ولا يومين، كما ثبت بذلك الحديث، لكن يجوز له أن يصوم قضاء؛ بل يجب إذا لم يتبقَ من شعبان إلا بقدر أيام القضاء، ويجوز له أن يصوم صومه المعتاد ،كمن اعتاد أن يصوم الاثنين أو الخميس، في آخر شعبان فلا حرج عليه أن يصوم. …والخامسة: من الأحكام يجب على المسلم أن يبيت الصوم الواجب قبل طلوع الفجر، وإذا دخل رمضان وحدَّث المسلم نفسه عازمًا أنه يصوم الشهر كله فهذا يكفي –إن شاء الله-، وإن جدد نية الصوم كل ليلة فهو أحسن، وتسحره يدل على نيته، والنية محلها القلب ولا يجوز التلفظ بها. †والسادسة: من الأحكام من رحمة الله تعالى، أن جعل للمسلم أعذارًا تبيح له الفطر، وهي الأعذار التالية: - المرض: وهو المرض الذي يشقُّ معه الصوم، أمَّا المرض اليسير فليس بعذرٍ. - والسفر: بأي وسيلةٍ كانت إذا كان السفر مسافة قصرٍ ولم يقصد به التحايل على الصيام. - وكذلك الحيض والنفاس. - والحمل والرضاع، فإن خافت الحامل والمرضع على نفسيهما أو خافت الحامل على جنينها، أو خافت المرضع على رضيعها أفطرت ثم قضت على خلافٍ بين أهل العلم. - والعذر السابع، الكبر الذي يشق معه الصوم مشقةً بالغة. - والعذر الثامن، أن يحتاج إلى إنقاذ نفسٍ معصومة من غرقٍ أو حريقٍ أو حادث سيرٍ ولا يتمكن من إنقاذه إلا إذا أفطر. ‡والمسألة السابعة: عباد الله، يفسد الصيام بحصول أحد المفسدات التالية، وهي التي تسمى مفطرات الصيام: Ÿالأول: الجماع. Ÿوالثاني: إخراج المني عمدًا بمباشرةٍ أو استمناء، أمَّا لو خرج في النوم احتلامًا فصومه صحيح. Ÿوالثالثة: الأكل والشرب عمدًا، فإن أكل أو شرب ناسيًا فليس عليه شيء. Ÿوالربعة: استعمال الإبر المغذية، والأدوية المأكولة أو المشروبة. Ÿ والخامسة: الحجامة ومثلها التبرع بالدم، إمَّا خروج الدم من جرحٍ بغير إرادته، أو رعافٍ من أنفه، أو إخراج الدم اليسير للتحليل، أو خروج من بخلع ضرسٍ فهذا كله لا يفطر. Ÿوالسادس: تعمد إخراج القئ، إمَّا أن رجَّع أو قاء بغير إرادته فلا شيء عليه. Ÿوالسابع والثامن: الحيض والنفاس، فإذا حاضت المرأة أو نَفُسَت بَطُل صومها، ولو رأت الدم قبل الغروب بلحظة. ˆوالمسألة الثامنة: عباد الله، من أحكام القضاء من أفطر بسبب سفرٍ أو مرضٍ أو حيضٍ أو نفاسٍ فليس عليه إلا القضاء، ومن أفطر بسبب عذرٍ دائمٍ لا يزول كالكبير أو المريض مرضًا لا يُرْجى شفاؤه، فيطعم عن كل يومٍ مسكينًا لكل مسكين نصف صاع، وإن جمع المساكين وأطعمهم بقدر أيامه حتى أشبعهم أجزأه ذلك، ومن أفطر بسبب الجماع فعليه التوبة؛ لأنَّ هذا من كبائر الذنوب، فعليه التوبة والقضاء والكفارة المغلظة، وهي عتق رقبةٍ، فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين، فمن لم يستطع فإطعام ستين مسكينًا، ومن أفطر متعمدًا بلا عذرٍ فعليه القضاء، فعليه مع القضاء التوبة إلى الله تعالى. فالأحكام عباد الله كثيرة، ولا تبخل على نفسك في التعلم والسؤال، عما يُشْكِل عليك حفاظًا على صيامك وعبادتك، ودينك. بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعنا وإيَّاكُم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقول ما تسمعون، واستغفر الله العظيم لي ولكم من كل ذنبٍ فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.  
  • الخطبة الثانية:
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن أتبع هداه. أمَّا بعد.. عباد الله، إن من لم يحفظ جوارحه عن المحرمات والمنكرات،فيصون قلبه عن الحقد والحسد وسائر الأدواء، ويعفُّ لسانه عن القيل والقال والشتائم والسباب، وينزه عينه عن النظر الحرام، وينأى بأذنه وسائر جوارحه عن الآثام، فليس لله حاجة في مثل هذا الصيام، قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: «مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ وَالْعَمَلَ بِهِ وَالْجَهْل فَلَيْسَ لِلَّهِ حَاجَةٌ فِي أَنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ»، وليس له من صيامه إلا مكابدة الجوع والعطش، ولا من قيامه إلا السهر والتعب، قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: «كَمْ مِنْ صَائِمٍ لَيْسَ لَهُ مِنْ صِيَامِهِ إِلاَّ الْجُوعُ، وَكَمْ مِنْ قَائِمٍ لَيْسَ لَهُ مِنْ قِيَامِهِ إِلاَّ السَّهَرُ». فحافظ على صومك يا عبد الله من الزلل، واحذر ذهاب أجر العمل، فأنت أولى بحسناتك من أن يذهبها لصوص الحسنات، ودعاة الشر والفساد الذين أعدوا في رمضان مسلسلات الفجور وبرامج العهر والخنع، فاحذر كل الحذر أن تصوم عما أحل الله لك في غير رمضان، وتفطر على ما حرمه عليك في رمضان وفي غيره من الأزمان. قال جابر بن عبد الله- رضي الله تعالى عنه-: "إذا صمت فليصم سمعك وبصرك ولسانك عن الكذب والمحارم، ودع أذى الجار، وليكن عليك وقارٌ وسكينة يوم صيامك، ولا تجعل يوم فطرك وصومك سواء"، عباد الله، لا تنسوا إخوانكم من الفقراء والمحتاجين، من جيرانكم وأقاربكم ومن تعرفونهم، فأعينوهم على مصاريف هذا الشهر، وجهزوهم صدقةً لله تعالى بما تجهزون به أنفسكم، يكتب الله –عزَّ وجلَّ- لكم أجر صيامكم وصيامهم، فكم من أهل بيتٍ يأكلون ويسرفون في الطعام وجيرانهم لا يجدون ما يطعمون به أولادهم!. وإني لاقترح عباد الله، على من كان لديه مؤجرين أن يخفف عليهم شيئًا من قيمة الإيجار، صدقةً لله تعالى في هذا الشهر، إعانةً لأخيه على ما هو مقبلٌ عليه من مصاريف الشهر والعيد والإجازة. اللهم تقبل منَّا، اللهم تقبل منَّا، اللهم أعنَّا على ذكر وشكرك وحُسْن عبادتك، اللهم اجعلنا ممن يصوم رمضان ويقومه، اللهم وفقنا لصيام رمضان وقيامه، اللهم اجعلنا فيه من المقبولين، واجعلنا فيه من العتقاء من النيران يا رب العالمين، اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات، والمسلمين والمسلمات، الأحياء منهم والأموات. وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد.