بر الوالدين فضله وصوره
بر الوالدين فضله وصوره
  | 2279   |   طباعة الصفحة


  • خطبة بعنوان: بر الوالدين فضله وصوره.
  • ألقاها لشيخ الدكتور: خالد بن ضحوي الظفيري - حفظه الله تعالى.
  • المكان: خطبة في يوم 26 شوال 1443هـ في مسجد السعدي بالجهرا.

 
  • الخطبة الأولى:
إِنَّ الحَمْدَ لِلَّهِ، نَحْمَدُهُ ونَسْتَعِينُهُ ونَسْتَغْفِرُهُ، ونَعُوذُ بِاللهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا ومِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، ومَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وأَشْهَدُ أَن لَّا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ،  ) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ( [آل عمران:102].
  • أَمَّا بَعْدُ:
فلقد أوصانا الله تعالى بوصية عظيمة، وكررها في آيات عديدة؛ ألا وهي الإحسان إلى الوالدين وبرهما، قال تعالى:  (وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا)، وقال سبحانه: (وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ)، وقال: (وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا)، أوصانا بمن كانا سببًا في وجودنا، أوصانا بمن أحسن إلينا بالتربية ونحن صغارٌ، فوجب علينا الإحسان إليهما ونحن كبارٌ، فبرُّهُما سبب لدخول الجنان، والإحسان إليهما سبيل لنيل رضى الرحمن، فما أعظم هذا العمل في الميزان، وما أجله بين بقية الأعمال، فعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ رضي الله عنه قَالَ: سَأَلْتُ رَسُوْلَ اللهِ : أَيُّ الأَعْمَالِ أَحَبُّ إِلَى اللهِ؟ قَالَ: «الصَّلاَةُ عَلَى وَقْتِهَا». قُلْتُ: ثُمَّ أَيٌّ؟ قَالَ: «ثُمَّ بِرُّ الْوَالِدَينِ» قُلْتُ: ثُمَّ أَيٌّ؟ قَالَ: «ثُمَّ الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللهِ». [متفق عليه]. فقدَّمَ بِرَّ الوالدين على الجهاد في السبيل الله الذي يبذل فيه المسلم نفسه وماله لله تعالى؛ وذاك أنَّ بر الوالدين من أعظم أنواع الجهاد، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو رضي الله عنهما قَالَ جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِي  يَسْتَأْذِنُهُ في الْجِهَادِ فَقَالَ: «أَحَيٌّ وَالِدَاكَ». قَالَ نَعَمْ. قَالَ: «فَفِيهِمَا فَجَاهِدْ» [متفق عليه]، وفي لفظ لمسلم قَالَ: أَقْبَلَ رَجُلٌ إِلَى نبي اللَّهِ فَقَالَ: أُبَايِعُكَ عَلَى الْهِجْرَةِ وَالْجِهَادِ أَبْتَغِى الأَجْرَ مِنَ اللَّهِ. قَالَ: «فَهَلْ مِنْ وَالِدَيْكَ أَحَدٌ حيٌّ؟». قَالَ: نَعَمْ، بَلْ كِلاَهُمَا. قَالَ: «فَتَبْتَغِي الأَجْرَ مِنَ اللَّهِ؟». قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: «فَارْجِعْ إِلَى وَالِدَيْكَ فَأَحْسِنْ صُحْبَتَهُمَا».
  • عباد الله:
من أراد أن يَرضى الله تعالى عنه فليحسن إلى والديه، فعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا: عَنِ النَّبِيِّ قَالَ: «رِضَى الرَّبِّ فِي رِضَى الْوَالِدِ، وَسَخَطُ الرَّبِّ فِي سَخَطِ الْوَالِدِ» [رواه الترمذي وصححه الألباني]، وبر الوالدين من أسباب استجابة الدعاء، وإعانة الله تعالى للعبد حال الضراء، فهذا أويس القرني رحمه الله من التابعين ذكره النبي لعمر رضي الله عنه وأنَّ من أعظم صفاته بره لوالدته حتى أصبح ممن لو أقسم على الله لأبرَّه، فعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ يَقُولُ: «يَأْتِي عَلَيْكُمْ أُوَيْسُ بْنُ عَامِرٍ مَعَ أَمْدَادِ أَهْلِ الْيَمَنِ مِنْ مُرَادٍ ثُمَّ مِنْ قَرَنٍ كَانَ بِهِ بَرَصٌ فَبَرَأَ مِنْهُ إِلاَّ مَوْضِعَ دِرْهَمٍ، لَهُ وَالِدَةٌ هُوَ بِهَا بَرٌّ، لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللَّهِ لأَبَرَّهُ، فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ يَسْتَغْفِرَ لَكَ فَافْعَلْ ». [رواه مسلم]. فهنيئا لمن أدرك والديه وأحسن إليهما غاية الإحسان، فذاك سبب لنيل الغفران، ودخول الجنان، فَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه عَنِ النَّبِيِّ قَالَ: (رَغِمَ أَنْفُهُ، ثُمَّ رَغِمَ أَنْفُهُ، ثُمَّ رَغِمَ أَنْفُهُ)، قِيلَ: مَنْ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: (مَنْ أَدْرَكَ وَالِدَيْهِ عِنْدَ الْكِبَرِ أَحَدَهُمَا أَوْ كِلَيْهِمَا ثُمَّ لَمْ يَدْخُلِ الْجَنَّةَ). [رَوَاهُ مُسْلِمٌ]. وعن أبي الدرداء رضي الله عنه سمع النبي يقول: (الوالد أوسط أبواب الجنة، فأضع ذلك الباب أو احفظه). [رواه الترمذي وصححه].
  • عباد الله:
من أدرك والديه أو أحدهما فليبادر إلى برهما والإحسان إليهما، وخصوصا حال كبرهما وحاجتهما إليك، فإنهما قد بذلا لك الغالي والنفيس لتسعد في دنياك، كانت سعادتهما حين يرون ابتسامتك، فلا تبخل على نفسك وعليهما بالإحسان بأنواعه وإدخال السرور عليها، فيا سعادة من رضي عنه والداه، بعد رضى ربه ومولاه، وخصوصا يا عبدالله أمك، فعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: (إني لا أعلم عملاً أقرب إلى الله عز وجل من بر الوالدة). أَقُولُ مَا تَسْمَعُونَ وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ العَظِيمَ لِي وَلَكُمْ مِنْ كُلِّ ذَنْبٍ فَاسْتَغْفِرُوهُ، إِنَّهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ.
  • الخطبة الثانية
الحَمْدُ لِلَّهِ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى رَسُولِ اللهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَمَنِ اتَّبَعَ هُدَاهُ، وَأَشْهَدُ أَن لَّا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ. أَمَّا بَعْدُ: فَأُوصِيكُمْ -عِبَادَ اللهِ- وَنَفْسِي بِتَقْوَى اللهِ؛ فَمَنِ اتَّقَى اللهَ وَقَاهُ، وَنَصَرَهُ وَكَفَاهُ.
  • عباد الله:
فلقد بيّن الله تعالى في كتابه جملة من أنواع البر بالوالدين وصوره، فإنه تعالى بعد أن أمر بعبادته وتوحيده أردف ذلك بالوصية بالإحسان إلى الوالدين فقال: {وَقَضَى رَبُّكَ أَلا تَعْبُدُوا إِلا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا)، ثم ذكر تعالى بلوغَهُما الكِبَرَ عند الولد، وهو إشارة إلى حاجتهما إليه بعد أن قد أدَّيَا ما عليهما من التربية والإحسان، فقال: (إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاهُمَا فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ)، فأمر بلين الكلام وطيب المقال، وأشار إلى أدنى مراتب الأذى وهو كلمة (أف) تنبيها على ما سواه من أنواع الأذى باليد واللسان، ثم نهى عما هو أعظم من ذلك فقال: (وَلا تَنْهَرْهُمَا)، أي: تزجرهما وتتكلم لهما كلاما خشنًا، {وَقُلْ لَهُمَا قَوْلا كَرِيمًا}، لا تتكلم معهما إلا بأدب واحترام، ولا تقل لهما إلا ما يُدخل عليهما الفرح والسرور، وجنبهما كل ما يؤذيهما ويدخل الحزن على قلوبهما من مشاكلك أو مشاكل إخوانك، لا تريهما إلا الابتسامة ولا يسمعان إلا الكلمة الطيبة، اجلس معهما وآنسهما، لا تقدم مجالس أصحابك على مجالستهما، فهذا كله مما يقربك إلى ربك زلفى، ويرفعك في الجنة نزلا، ويبرك بعد ذلك أبناؤك كما بررت بوالديك، ، قال ابن عمر لرجل: أتفرق النار، وتحب أن تدخل الجنة؟ قلت: إي، والله! قال: أحيٌّ والداك؟ قلت: عندي أمي. قال: فوالله! لو ألنت لها الكلام، وأطعمتها الطعام، لتدخلن الجنة ما اجتنبت الكبائر. ثم قال: {وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ } أي: تواضع لهما ذلاً لهما ورحمةً واحتسابا للأجر، فعن عروة قال في الآية: (لا تمتنع من شيء أحبَّاه). ثم بين أنَّ من أعظم حقوقهما وصور الإحسان إليهما الدعاء لهما بالرحمة والمغفرة، في حياتهما وبعد وفاتهما، {وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كما ربياني صغيرًا}. وصور بر الوالدين كثيرة متعددة. وجامِعُهُ: إيصَالُ مَا أَمْكَنَ مِنْ الْخَيْرِ، وَدَفْعُ مَا أَمْكَنَ مِنْ الشَّرِّ، بِحَسَبِ الطَّاقَةِ، أبصر أبو هريرة رضي الله عنه رجلين، فقال لأحدهما: ما هذا منك؟ فقال: أبي، فقال: لا تسمِّه باسمه، ولا تمشِ أمامه، ولا تجلِسْ قبله. أيها المسلمون: اعلموا أن حق الوالدين عظيم، فمهما أديت لهما من الحقوق والإحسان فلن تبلغ جزاء ما قدما لك، فَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ : (لَا يَجْزِي وَلَدٌ وَالِدًا إِلَّا أَنْ يَجِدَهُ مَمْلُوكًا، فَيَشْتَرِيَهُ فَيُعْتِقَهُ). وقد شهد بن عمر رجلا يمانيا يطوف بالبيت حمل أمه وراء ظهره يقول:  إني لها بعيرها المذلل *** إن أذعرت ركابها لم أذعر ، ثم قال: يا ابن عمر: أتراني جزيتها؟ قال: لا، ولا بزفرة واحدة. فاللهم اغفر لنا ولآبائنا وأمهاتنا، اللهم اجمعنا بهم في الفردوس الأعلى .....