إضاءة من ترجمة شيخ الإسلام ابن تيمية
إضاءة من ترجمة شيخ الإسلام ابن تيمية
  | 813   |   طباعة الصفحة


  • خطبة بعنوان: إضاءة من ترجمة شيخ الإسلام ابن تيمية .
  • ألقاها الشيخ الدكتور: خالد بن ضحوي الظفيري - حفظه الله تعالى.
  • المكان: خطبة في يوم 11  جمادي الثاني 1443هـ في مسجد السعدي بالجهرا.

 
  • الخطبة الاولى
إِنَّ الحَمْدَ لِلَّهِ، نَحْمَدُهُ ونَسْتَعِينُهُ ونَسْتَغْفِرُهُ، ونَعُوذُ بِاللهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا ومِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، ومَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وأَشْهَدُ أَن لَّا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:102].
  • عباد الله:
لقد قيّض الله تعالى لدينه رجالا من أهل العلم يَذبُّون عنه وينافحون، ويَدعُون إليه ويجاهدون، (رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه)، فَكَتَب الله لهم القبولَ والأجر، لِما كابدوا من مشقةٍ وصبر، فكانوا لهذا الدين من المجدِّدين، وكل من جاء بعدهم من علومهم من المستفيدين، (وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ)، ومن هؤلاء الأعلام الأئمة العظام: شيخ الإسلام ومجدد الدين والملّة أحمد تقي الدين أبو العباس بن عبد الحليم ابن تيمية الحراني رحمه الله تعالى، فَكَمْ كَتَبَ الله على يديه من خيرٍ، وكَمْ نَفَعَ اللهُ به من خلق، لا يَستغني أهلُ العلم والسنة عن علمِهِ، ولا يمَلّ صاحب الحق من مطالعة ما خطّه من كتبه بقلمِهِ. نشأ من صغره على العلم وفي عائلة دينٍ وفضلٍ وعلمٍ، فمن صغره سمع مسند الإمام أحمد بن حنبل مرات، وسمع الكتب الستة الكبار والأجزاء، ومن مسموعاته معجم الطبراني الكبير، وعني بالحديث وقرأ ونسخ، وتعلم الخط والحساب، وحفظ القرآن، وأقبل على الفقه، وقرأ العربية، ثم فهمها، وأخذ يتأمل كتاب سيبويه حتى فهم في النحو، وأقبل على التفسير إقبالاً كلياً، حتى حاز فيه قَصَبَ السَّبق، وأَحْكَمَ أصولَ الفقه وغير ذلك، هذا كله وهو بعد ابنُ بضعَ عشرةَ سنةٍ، فانبهر أهل دمشق من فرط ذكائه، وسيلان ذهنه، وقوة حافظته، وسرعة إدراكه. وقلّ كتاب من فنون العلم إلا وقف عليه، كأن الله قد خَصَّه بسرعة الحفظ، وإبطاء النسيان، لم يكن يقف على شيء أو يستمع لشيء - غالباً - إلا ويبقى على خاطره، إما بلفظه أو معناه، وكان العلم كأنه قد اختلط بلحمه ودمه.
  • عباد الله:
ولم يزل رحمه الله في ازدياد من العلوم وملازمة الاشتغال والإشغال، وبث العلم ونشره، والاجتهاد في سبل الخير حتى انتهت إليه الإمامة في العلم والعمل، والزهد والورع، والشجاعة والكرم، والتواضع والحلم والإنابة، والجلالة والمهابة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وسائر أنواع الجهاد مع الصدق والعفة والصيانة، وحسن القصد والإخلاص، والابتهال إلى الله وكثرة الخوف منه، وكثرة المراقبة له وشدة التمسك بالأثر، والدعاء إلى الله وحسن الأخلاق، ونفع الخلق، والإحسان إليهم والصبر على من آذاه، والصفح عنه والدعاء له، وسائر أنواع الخير. كان إذا سئل عن فَنٍّ من العلم ظَنَّ الرَّائي والسامعُ أنه لا يَعرفُ غيرَ ذلك الفنَّ، وحَكَمَ أن أحداً لا يعرفُهُ مثلُه، وكان الفقهاءُ من سائر الطوائف إذا جلسوا معه استفادوا في مذاهبهم منه ما لم يكونوا عرفوه قبل ذلك، ولا يُعرف أنه ناظر أحداً فانقطع معه، ولا تكلم في علم من العلوم، سواء أكان من علوم الشرع أم غيرها إلا فاق فيه أهلَهُ، والمنسوبين إليه، وكانت له اليد الطُّولى في حسن التصنيف، وجودة العبارة والترتيب والتقسيم والتبيين. قال العلامة ابن دقيق العيد رحمه الله: (لما اجتمعت بابن تيمية رأيتُ رجلاً العلومُ كلُّها بين عينيه، يأخذ منها ما يريد، ويَدَعُ ما يريد).
  • عباد الله:
كان لشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله دور عظيم رحمه الله في نُصرةِ الدين بالسِّنَان واللِّسان والبَنَان، فقد جاهد التتار وكان له دورٌ بارزٌ في انتصار المسلمين عليهم، وعَلَّمهم التوحيدَ وأرشدَهم إليه، وبَيَّن أنَّه أعظمُ أسبابِ النصر، كما أنه جاهد بقلمه وكتبه وردوده أهل الكفر والإلحاد كردوده على النصارى واليهود والزنادقة من الفلاسفة وأهل الحلول من غلاة المتصوفة، وردوده على أهل البدع وبيان ضلالهم وانحرافهم، فرد على الجهمية والمعطلة والأشعرية والرافضة والمتصوفة، ونقض أباطيلهم، وناظروه فأفحمهم، فهو حقًّا سيفُ الله المسلول على المبتدعة والملحدين، وحين لم يجدوا حجةً وعَجزوا عنها كَادُوهُ رحمه الله عند الولاة وكذبوا عليه وشوّهوا دعوته، وهذا حال أهل البدع حين يُفلسون من الحجج والبينات، يلجؤون إلى الكذب والسب والافتراءات، فتَقَلَّبَ رحمه الله بين السجون قرابة خمس سنوات في سبع مرات، ما إن يخرج من سجن إلا ويدخل في غيره، في القاهرة ودمشق، حسدا وبغيا وظلما وجورا، حتى مات رحمه الله في سجن القلعة في دمشق، وكان يقول: ما يصنع أعدائي بي أنا جنتي وبستاني في صدري، أين رحت فهي معي لا تفارقني أنا حبسي خلوة، وقتلي شهادة، وإخراجي من بلدي سياحة، ومع هذا فقد أبقى الله ذِكرَهُ وأعلا شأنه، وأخزَى أعداءَه وأخملَ ذكرَهُم، فاشتُهر هو بالسنة والعلم، واشتُهروا هم بالبدعة والظلم، وكانت وفاته رحمه الله عام سبعمائة وثمان وعشرين للهجرة، وشهد جنازته جمع غفير وخلق كثير. فرحمه الله رحمة واسعة، وجزاه الله عنا خيرا، فمن حقه علينا ذكره بالخير والجميل، والدعاء له بالأجر والثواب الجزيل. أَقُولُ مَا تَسْمَعُونَ وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ العَظِيمَ لي ولكم، فَاسْتَغْفِرُوهُ إِنَّهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ.
  • الخطبة الثانية
الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ، وَأَشْهَدُ أَن لَّا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ وَلِيُّ الصَّالِحِينَ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ الأَمِينُ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَالتَّابِعِينَ وَمَنْ تَبِعَهُمْ بِإحْسَانٍ، وَسَلَّمَ تَسْلِيماً مَزِيدًا إِلَى يَوْمِ الدِّينِ. أَمَّا بَعْدُ: فَأُوصِيكُمْ وَنَفْسِي بِتَقْوَى اللهِ تَعَالَى؛ فَمَنِ اتَّقَى اللهَ وَقَاهُ، وَنَصَرَهُ وَكَفَاهُ.
  • عباد الله:
إنَّ الْمُسْلِمَ ليَتَقَرَّبُ إِلَى اللهِ عَزَّ وَجَلَّ بِاحْتِرَامِ الْعُلَمَاءِ وَتَوْقِيرِهِمِ بِلَا غُلُوٍّ وَلَا جَفَاءٍ، وَلَا انْتِقَاصٍ وَلَا ازْدِرَاءٍ، قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ المُبَارَكِ رَحِمَهُ اللهُ: (مَنِ اسْتَخَفَّ بِالْعُلَمَاءِ ذَهَبَتْ آخِرَتُهُ، وَمَنِ اسْتَخَفَّ بِالأُمَرَاءِ ذَهَبَتْ دُنْيَاهُ). وَمَنْ يُعَادِ العُلَمَاءَ الرَّبَّانِيِّينَ يُعَرِّضْ نَفْسَهُ لِحَرْبِ اللَّهِ تَعَالَى، فَفِي الحَدِيثِ القُدْسِيِّ «مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا فَقَدْ آذَنْتُهُ بِالْحَرْبِ » [رَوَاهُ البُخَارِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ]. وَإِنَّ الْوَقِيعَةَ فِيهِمْ بِمَا هُمْ مِنْهُ بَرَاءٌ أَمْرٌ عَظِيمٌ، وَالتَّنَاوُلَ لِأَعْرَاضِهِمْ بِالزُّورِ وَالِافْتِرَاءِ مَرْتَعٌ وَخِيمٌ. وَلْنَحْذَرْ -عِبَادَ اللهِ- مِنَ الطَّاعِنِينَ فِي العُلَمَاءِ مِنْ أَهْلِ الأَهْوَاءِ وَالْبِدَعِ؛ فَالعُلَمَاءُ يَحُولُونَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ نَشْرِ الفَسَادِ وَالِابْتِدَاعِ فِي الدِّينِ، والطعن في العلماء وأهل السنة الأتقياء من علامة أهل البدع والأهواء، قال أبو حاتم: (علامة أهل البدع الوقيعة في أهل الأثر). ومن هؤلاء شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله فقد كثر فيه الطاعنون وتَعَدَّدَ لدعوته المناوؤن؛ بسبب فضحه لباطلهم ونقضه لشبهاتهم، أما أهل السنة فقد عرفوا له قدره، واستفادوا من علمه وكتبه، فمن رأيتموه يذكر شيخ الإسلام ابن تيمية بسوء فاعلموا أنه على غير السبيل ومن أهل البدع والتضليل.