الإحسان إلى الجيران والصبر على أذاهم
الإحسان إلى الجيران والصبر على أذاهم
  | 1975   |   طباعة الصفحة


  • خطبة بعنوان:الإحسان إلى الجيران والصبر على أذاهم.
  • ألقاها الشيخ الدكتور: خالد بن ضحوي الظفيري حفظه الله تعالى.
  • المكان: خطبة في يوم 17 صفر 1443هـ في مسجد السعدي بالجهرا.

   
  • الخطبة الأولى:
إِنَّ الحَمْدَ لِلَّهِ، نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِاللهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَن لَّا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، ] يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [ [آل عمران:102].
  • عِبَادَ اللهِ:
لقد جاءت هذا الدين بكلِّ خلقٍ جميلٍ، وأمرَ بكلِّ أدبٍ جليلٍ، فديننا دينٌ عظيمٌ جَمَعَ المحاسنَ كلَّها، والفضائلَ جميعَهَا، ومن هذه الأخلاق التي أمر بها وحثّ على العمل بها، حقوق الجار على جاره، فقد أمر الله بحق الجار، وحث عليه نبينا المختار ، قال تعالى: (وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ ...(، بل تكاثرت في ذلك الوصايا والأحاديث، فعَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا قَالَ: قَالَ رَسُوْلُ اللهِ : «مَا زَالَ جِبْرِيلُ يُوصِينِي بِالْجَارِ، حَتَّى ظَنَنْتُ أَنَّهُ سَيُوَرِّثَهُ».[متفق عليه]. بل إنّ إحسانَك إلى جارك مقياسٌ لخيريَّتِك عند ربك، فعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا قَالَ: قَالَ رَسُوْلُ اللهِ : «خَيْرُ الأَصْحَابِ عِنْدَ اللهِ خَيْرُهُمْ لِصَاحِبِهِ، وَخَيْرُ الْجِيْرَانِ عِنْدَ اللهِ خَيْرُهُمْ لِجَارِهِ». [رواه أحمد وصححه الألباني]، والإحسان إلى الجيران، من أسباب زيادة العمر وانتشار الخير في البلدان، فعَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا: أَنَّ النَّبِيَّ قَالَ لَهَا :«اَنَّهُ مَنْ أَعُطِىَ حَظَّهُ مِنَ الرِّفْقِ فَقَدْ أُعْطِىَ حَظَّهُ مِنْ خَيْرِ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ ، وَصِلَةُ الرَّحِمِ وَحُسْن الْخُلُقِ وَحُسْن الْجِوَارِ، يَعْمُرَان الدِّيَار وَيَزِيدانَ فِي الأَعْمَارِ».[رواه أحمد وصححه الألباني]. عِبَادَ اللهِ: والإحسان إلى الجيران له صورٌ كثيرةٌ، فمنها الكلمةُ الطيبةُ والأمرُ بالمعروف والنهيُ عن المنكر، وغضُّ البصر، وكفُّ الأذى، وردُّ السلام، وتبادلُ الهدايا وتفقدُ الأحوال، والسؤالُ عن المريض والدعاءُ له، والسعيُ في حوائجهم، وإعانة محتاجهم، ولا فرق في هذه الحقوق بين جيرانك من أبناء بلدك أو من هو ضيوفٌ على بلدنا من المغتربين والمقيمين، فكلٌّ له حقٌّه من الإحسان، وكلٌّ يحرمُ أذيتُهُ وبخسُهُ لحقّه، ومما يدل على جملة من هذه الحقوق ما جاء عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا قَالَ: سَمِعْتُ رَسُوْلَ اللهِ يَقُولُ: «لَيْسَ الْمُؤْمِنُ بِالَّذِي يَشْبَعُ وَجَارُه جَائِعٌ إِلَى جَنْبِهِ».[رواه الحاكم وصححه الألباني]، فكيف بمن بعلم عن جاره الحاجة ولا يعينه ويمنع عنه خيره؟!، فعَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا قَالَ: قَالَ رَسُوْلُ اللهِ :«كَمْ مِنْ جَارٍ مُتَعَلِّق بِجَارِهِ يَقُولُ: يَا رَبِّ! سَلْ هَذَا لِمَ أَغْلَقَ عَنِّي بَابَهُ، وَمَنَعَنِي فَضْلَهُ؟».[رواه ابن أبي الدنيا في مكارم الأخلاق وحسنه الألباني]. ولذلك أمر بالإحسان إلى الجار والإهداء له ولو كان شيئا يسيرًا، تقريبًا للقلوب، وجمعًا لها على الخير، فعَنْ أَبِى ذَرٍّ رضي الله عنه قَالَ: إِنَّ خَلِيلِي أَوْصَانِي: «إِذَا طَبَخْتَ مَرَقًا فَأَكْثِرْ مَاءَهُ ثُمَّ انْظُرْ أَهْلَ بَيْتٍ مِنْ جِيرَانِكَ فَأَصِبْهُمْ مِنْهَا بِمَعْرُوفٍ». [رواه مسلم]، وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه: عَنِ النَّبِيِّ قَالَ :«يَا نِسَاء الْمُسْلِمَات! لاَ تَحْقِرَنَّ جَارَةٌ لِجَارَتِهَا وَلَوْ فِرْسِنَ شَاةٍ».[متفق عليه] والفِرْسَنُ: عَظْمٌ قليلُ اللحم. وكلَّما كان الجارُ أقربَ كان حقُّه أعظمَ، فعَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا قَلَتْ: يَا رَسُوْلَ اللهِ! إِنَّ لِي جَارَيْنِ فَإِلَى أَيُّهُمَا أُهْدِي؟ قال: «إِلَى أَقْرَبِهمَا مِنْكِ بَاباً».[رواه البخاري].
  • عِبَادَ اللهِ:
احذروا أشدَّ الحذرِ من إيذاءِ الجارِ بالقولِ والفعلِ، فهو من المحرماتِ العظامِ، والآثامِ الجسامِ، فأذيةُ الجار ليست من أفعال أهل الإيمان، بل هي من أسباب دخول النيران، فعَنْ أَبِي شَرِيحٍ رضي الله عنه أَنَّ: النَّبِيَّ قَالَ :«وَاللهِ لاَ يُؤْمِنْ وَاللهِ لاَ يُؤْمِنْ وَاللهِ لاَ يُؤْمِنْ ». قِيلَ: وَمَنْ يَا رَسُوْلَ اللهِ؟ قَالَ :«الَّذِي لاَ يَأْمَنُ جَارَهُ بَوُائِقَهُ» أي: ظلمه وشره. [رواه البخاري]، وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ قَالَ :«لاَ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنْ لاَ يَأْمَنُ جَارُهُ بَوَائِقَهُ».[رواه مسلم]. وهذه امرأة كانت تؤذي جيرانها بلسانها فدخلت النار، كما في حديث أبي هريرة الذي رواه أحمد وصححه الألباني، .فكيف بمن يؤذي جاره بلسانه وأفعاله وظنونه وأكاذيبه، وينشر خبره ويفضح ستره.
  • عِبَادَ اللهِ:
إن من الجيران من يكون محنةً وبلاءً، وهمًا وشقاءً، لذلك جاء الشرع بالأمر بالاستعاذة من جار السوء، فعَنْ أَبَي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُوْلُ اللهِ :«تَعَوَّذُوا بِاللهِ مِنْ جَارِ السُّوْءِ فِي دَارِ الْمُقَامِ فَإِنَّ جَارَ البَادِيَةِ يَتَحَوَّلُ عَنْكَ». [رواه النسائي وصححه الألباني]، وليعلم من يؤذي جاره ولا يتوب أنه في غضب من الله وسخط من الناس، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال جاء رجلٌ إلى النبيِّ يشكو جارَه، فقال: اذهب فاصبرْ، فأتاه مرتين أو ثلاثًا فقال: اذهب فاطرحْ متاعَك في الطريق. فطرح متاعَه في الطريق، فجعل الناسُ يسألونه فيُخبرَهُم خَبَرَه، فجعل الناسُ يلعنونَه: فعل اللهُ به، وفعل، وفعل، فجاء إليه جارُه فقال له: ارجعْ، لا ترى مني شيئًا تكرهه. [رواه أبو داود وصححه الألباني]، فأذية الجار من أسباب الهلاك، قال ثوبان رضي الله عنه: (ما من رجلين يتصارمان فوق ثلاثة أيام، فيهلك أحدهما، فماتا وهما على ذلك من المصارمة، إلا هلكا جميعاً، وما من جارٍ يظلم جاره ويقهره، حتى يحمله ذلك على أن يخرج من منزله، إلا هلك". [رواه البخاري في الأدب المفرد وصححه الألباني]، وعلى المبتلى أن يقابل الإساءة بالإحسان، ويصبر على أذى الجيران، ففي ذلك رضى الرحمن، وفي حديث أبي ذر رضي الله عنه: أن رسول الله قال: «ثَلاَثَةٌ يُحِبُّهُمْ اللَّهُ وَثَلاَثَةٌ يَشْنَؤُهُمْ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ» وذكر منهم: «وَالرَّجُلُ يَكُونُ لَهُ الْجَارُ يُؤْذِيهِ جِوَارُهُ فَيَصْبِرُ عَلَى أَذَاهُ حَتَّى يُفَرِّقَ بَيْنَهُمَا مَوْتٌ أَوْ ظَعْنٌ». [رواه أحمد وصححه الألباني]، أَقُولُ مَا تَسْمَعُونَ وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ الْعَظِيمَ لِي وَلَكُمْ مَنْ كُلِّ ذَنْبٍ فَاسْتَغْفِرُوهُ؛ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ.
  • الخطبة الثانية
الْحَمْدُ لِلَّهِ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى رَسُولِ اللهِ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَمَنِ اتَّبَعَ هُدَاهُ، وَأَشْهَدُ أَن لَّا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ.
  • أَمَّا بَعْدُ:
فكما أنَّ من الشقاء جارَ السُّوء فكذلك من السعادة الجارُ الصالحُ، فعَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُوْلُ اللهِ : «أَرْبَعٌ مِنْ السَّعَادَةِ: الْمَرأَةُ الصَّالِحَةُ، وَالَمَسْكَنُ الْوَاسِعُ، وَالْجَارُ الصَّالِحُ، وَالْمَرْكَبُ الْهَنِيءُ، وَأَرْبَعٌ مِنَ الشَّقَاوَةِ: الْجَارُ السُّوءُ، وَالْمَرأَةُ السُّوءُ، وَالْمَسْكَنُ الضَّيْقُ، وَالْمَرْكَبُ السُّوءُ».[رواه ابن حبان]، فكن يا عبد الله جارًا صالحًا، تُحسنُ ولا تُسيء، وتَفعلُ الخيرُ وتَكُفُّ الشرَّ، فمَنْ أَثْنَى عَلَيهِ جِيرَانُه، فهو من أهل الإحسان، فعَنْ ابن مسعود رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَجُلٌ يَا رَسُولَ اللهِ! مَتَى أَكُونُ مُحْسِناً ؟ قَالَ: «إِذَا قَالَ جِيرَانُكَ: أَنْتَ مُحْسِنٌ، فَأَنْتَ مُحْسِنٌ، وَإِذَا قَالوُا: إِنَّكَ مُسِيءٌ، فَأَنْتَ مُسِيءٌ». [رواه ابن حبان وصححه الألباني]، ومن شَهِدَ له جيرانه بالخير، غفرَ الله له ذنبَه وسَتَر عيبَه، فعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُوْلُ اللهِ :«مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَمُوتُ، فَيَشْهَدُ لَهُ أَرْبَعَةُ أَهْلِ أَبْيَاتٍ مِنْ جِيرَتِهِ الأَدْنَيْنَ أَنَّهُمْ لا يَعْلَمُونَ إِلاَّ خَيْراً، إِلاَّ قَالَ اللهُ -جَلَّ وَعَلاَ-: قَدْ قَبِلْتُ عِلْمَكُمْ فِيهِ، وَغَفَرْتُ لَهُ مَا لا تَعْلَمُونَ».[رواه ابن حبان وصححه الألباني].