عبادة الله حقيقتها وما يعين عليها.
 عبادة الله حقيقتها وما يعين عليها.
      |       4500   |   طباعة الصفحة


  • خطبة الجمعة بعنوان : عبادة الله حقيقتها وما يعين عليها.
  • القاها: الشيخ الدكتور خالد بن ضحوي الظفيري حفظه الله تعالى.
  • المكان: خطبة جمعة في يوم 18 ربيع الآخر - عام 1439هـ في مسجد السعيدي بالجهراء ونقلت عبر إذاعة موقع ميراث الأنبياء الرئيسية.

 
  • الخطبة الأولى:
إن الحمد لله نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. أما بعد.. فإن أصدق الحديث كلام الله، وخير الهدي هدي محمدٍ -صلى الله عليه وسلم-، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثةٍ بدعة، وكل بدعةٍ ضلالة، وكل ضلالةٍ في النار.
  • أما بعد..
  • عباد الله:
اتقوا الله -تعالى- فإن من اتقى الله وقاه، وأرشده إلى خير أمور دينه ودنياه.
  • عباد الله:
إن مقصود إيجاد الخليقة والغايةَ من خَلْق الثقلين معرفةُ الله -تعالى- وعبادته، ودليل المعرفة: قول الله -تبارك وتعالى-: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ [الطلاق:12]، ودليل العبادة: قول الله -عزَّ وجلّ-: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات:56]. فالله -تعالى- خَلَقَ الثقلين؛ ليعرفوه بآياته وأسمائه وصفاته، وعظمته وجلاله وكماله وجماله، وأنه الخالق المدبِّر والرَّب العظيم والموجد لهذه الكائنات، والمالك لجميع المخلوقات فيؤمن بذلك كله إقرارًا وتوحيدًا، وإيمانًا وإثباتًا. وتوحيدٌ في العبادة بأن تُخلص العبادة لله، وأن يفرده وحده -سبحانه- بالطاعة فلا يعبد إلا الله، ولا يصرف شيءٌ من العبادة لأحدٍ سواه.
  • عباد الله:
العبادة التي خلق الله الخلق لأجلها وأوجدهم لتحقيقها، هي اسمٌ جامعٌ لكل ما يحبُّه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة، والعبادة منها ما يكون بالقلب: كالرجاء والخوف والإنابة والتوكل وغير ذلك، ومنها ما يكون باللسان: كذكر الله -جلَّ وعلا- وتلاوة القرآن، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وكل قولٍ سديدٍ يحبه الله، ومنها ما يكون بالجوارح؛ من فعلٍ للطاعات، وقيام بالعبادات، وتحقيقٍ للقُربات التي أمر الله -تبارك وتعالى- عباده بها ودعاهم إلى فِعلها. وكما أن العبادة تتناول فعل المأمور، فإنها كذلك تتناول ترك المحظور من المحرَّمات، فترك المحرمات ومجانبتها، والبعد عنها من العبادة التي أمر الله -تبارك وتعالى- عباده بها؛ ولهذا قال -صلى الله عليه وسلم-: «مِنْ حُسْنِ إِسْلاَمِ الْمَرْءِ تَرْكُهُ مَا لاَ يَعْنِيهِ»، وفي الحديث قال -عليه الصلاة والسلام-: «لاَ يَزْنِي الزَّانِي حِينَ يَزْنِي وَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلاَ يَسْرِقُ السَّارِقُ حِينَ يَسْرِقُ وَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلاَ يَشْرَبُ الخَمْرَ حِينَ يَشْرَبُها وَهُوَ مُؤْمِنٌ».
  • عباد الله:
العبادة لا يقبلها الله من العابد إلا إذا أقامها على شرطين عظيمين أساسيين: إخلاصٌ للمعبود، ومتابعةٌ للرسول، كما قال الله -عزَّ وجلّ-: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف:110]، والله -جلَّ وعلا- لا يقبل العبادة من العامل إذا لم تكن خالصة له، وفي الحديث القُدسي يقول الله -جلَّ وعلا-: «أَنَا أَغْنَى الشُّرَكَاءِ عَنِ الشِّرْكِ، مَنْ عَمِلَ عَمَلًا أَشْرَكَ فِيهِ مَعِي غَيْرِي، تَرَكْتُهُ وَشِرْكَهُ». وهو -جلَّ وعلا- لا يقبل العبادة إن لم تكن موافقةً لهدي رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، والعبادة التي لا تكون موافقةً لهديه -عليه الصلاة والسلام- مردودةٌ على صاحبها غير مقبولةٍ منه، وفي الصحيحين أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «مَنْ عَمِلَ عَمَلاً ليسَ عليه أمرُنا هذا فهو رَدٌّ». والله -تعالى- يقول: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [هود:7]، قال الفضيل بن عياض في معنى هذه الآية: "أخلصه وأصوبه"، قيل يا أبا علي، وما أخلصه وأصوبه، قال: (إن العمل إذا كان خالصًا، ولم يكن صوابًا -أي على هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم- لم يُقبل، وإذا كان صوابًا ولم يكن خالصًا لم يُقبل حتى يكون خالصًا صوابًا).
  • عباد الله:
العبادة أنواعٌ كثيرة وصنوفٌ عديدة جاء بيانها في كتاب الله وسُنَّة رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وأعظم العبادة شأنًا، وأرفعها مكانًا مباني الإسلام الخمسة المبيَّنة في قول النبي -صلى الله عليه وسلم-: «بُنِيَ الإِسْلامُ عَلَى خَمْسٍ: شَهَادَةِ أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وَإِقَامِ الصَّلاةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَصَوْمِ شَهْرِ رَمَضَانَ، وَحَجِّ بَيْتِ الله الحرَام».
  • عباد الله:
إنَّ كل عبادةٍ يتقرَّب بها العبد إلى الله من صلاةٍ، وصيامٍ، وحجٍ وغير ذلك يجب أن تُقام على أركانٍ قلبيَّةٍ ثلاثةٍ عظيمة هي حبُّ الله، ورجاء الله، وخوفٌ من الله -سبحانه وتعالى- فكل عبادةٍ نأتي بها، وكل طاعةٍ نتقرَّب إلى الله بها لا بد أن تكون قائمةً على هذه الأركان الثلاثة: الحب والرجاء والخوف. فنحن نعبد الله حبًّا لله، ورجاءً لثوابه، وخوفًا من عقابه. نصلي حبًّا لله، ورجاءً لثوابه، وخوفًا من عقابه، ونصوم كذلك وهكذا في كل الطاعات، وجميع العبادات، وهذا ما ذكره الله -عزَّ وجلّ- في قوله: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا﴾ [الإسراء:57].
  • عباد الله:
العُبَّاد وعُمَّال الآخرة السائرون في رضا الله -تبارك وتعالى- هم في حقيقة الأمر في مضمار سباقٍ، وفي مَيدان منافسة؛ ولهذا قال -صلى الله عليه وسلم-: «سَبَقَ الْمُفَرِّدُونَ»، قالوا: وما المفردون يا رسول الله، قال: «وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ». فالعاملون للآخرة، والقائمون بعبادة الله هم في حقيقة الأمر أنَّهم يعيشون هذه الحياة في مَيدان سباقٍ، وفي ميدان مُسارعةٍ. قال -عزَّ وجلّ-: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾ [الأنبياء:90]، وقال -عزَّ وجلّ-: ﴿أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ﴾ [المؤمنون:61].
  • عباد الله:
من يعمل للآخرة مجتهدًا في عبادة الله، ساعيًا في التقرُّب إلى الله بما يحبُّه الله ويرضاه من صالح الأعمال وسديد الأقوال، فإنه يفوز بالأرباح العظيمة، والمكاسب الكبيرة، والنتائج المثمرة العظيمة في الدنيا والآخرة وهذا من مِنَّة الله -عزَّ وجلّ- على عباده المؤمنين وحزبه الصادقين وأوليائه المقرَّبين، وثمار العبادة والقيام بالطاعة كثيرةٌ عديدة، يقول الله -سبحانه وتعالى-: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النحل: 97]. اللهم وفِّقنا لعبادتك، وأعنَّا على طاعتك، واهدنا يا ربَّنا إلى سواء السبيل أقول ما تسمعون، وأستغفر الله العظيم لي من كل ذنبٍ فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.  
  • الخطبة الثانية
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن اتبع هداه. أما بعد..
  • عباد الله:
من مقامات عباد الله العظيمة في تقرُّبهم إلى الله، ومحافظتهم على طاعة الله عنايتهم الفائقة، ورعايتهم الكبيرة لمنازل السائرين، ومقامات العابدين؛ ولهذا فإن العابد لله -عزَّ وجلّ- يحتاج إلى أمورٍ عظيمة تُعينه على القيام بالعبادة، وتيسِّر له المحافظة على الطاعة.
  • من ذلك عباد الله:
الصبر بأنواعه الثلاثة: صبرٌ على طاعة الله، وصبرٌ عن معصية الله، وصبرٌ على أقدار الله. ومما يحتاج إليه العابد حاجةً عظيمة بل حاجةً مُلحة التوكل على الله -عزَّ وجلّ، والاستعانة بالله، واعتماد القلب على الله في طلب مصالحه الدينية والدنيوية؛ ولهذا قال النبي -صلى الله عليه وسلم- لمعاذٍ -رضي الله عنه-: «يَا مُعَاذُ، وَاللَّهِ إِنِّي لَأُحِبُّكَ فلَا تَدَعَنَّ فِي دُبُرِ كُلِّ صَلَاةٍ تَقُولُ: "اللَّهُمَّ أَعِنِّي عَلَى ذِكْرِكَ وَشُكْرِكَ وَحُسْنِ عِبَادَتِكَ"». وإذا كانت العبادة ثقيلةٌ على العبد، فإن أعظم ما يُسهلها ويليِّنها على قلبه ذكر الله -تبارك وتعالى-، فعن عبدالله بن بسرٍ -رضي الله عنه-: «أن رجلًا جاء إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- فقال: "يا رسول الله، إن شرائع الدين قد كثرت علي، فأوصني، فقال -عليه الصلاة والسلام-: «لَا يَزَالُ لِسَانُكَ رَطْبًا مِنْ ذِكْرِ الله»، والحديث دليلٌ على أنَّ من فوائد الذِّكر العظيمة، وآثاره العميمة أنه يُسهل الطاعة، ويُعين على القيام بالعبادة، ويذللها للعبد تذليلاً بإذن الله -جلَّ وعلا-. ومن مقامات العابدين العظيمة: شكر الله على نعمه، وحمده على عطاياه ومِنَنه، وأعظم مِنن الله علينا -عباد الله- توفيقه لنا في الدخول في هذا الدين، وأنَّا كنَّا من أهل الصلاة والصيام فهذه نعمةٌ عظيمة ومنَّةٌ جسيمة والمؤمن شاكرٌ لنعمة الله، حامدٌ لله -جلّ وعلا- على نعمه وعطاياه والشكر مُؤذنٌ بالمزيد، والله -عزَّ وجلّ- يقول: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾ [إبراهيم: 7]، اللهم أوزعنا شكر نعمتك، ووفقنا لاستعمال نعمك في طاعتك وما يقرِّب إليك، وجنبنا إلهنا منكرات الأخلاق والأهواء والأدواء؛ إنك سميعٌ قريبٌ مجيب الدعاء. اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات، والمسلمين والمسلمات الأحياء منهم والأموات. ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار. اللهم اسقنا الغيث ولا تجعلنا من القانتين. اللهم اسقنا الغيث ولا تجعلنا من القانتين. اللهم اسقنا الغيث ولا تجعلنا من القانتين، اللهم سقيا رحمةٍ لا عذابٍ ولا هدمٍ ولا غرق، اللهم لا تؤاخذنا بما فعل السفهاء منَّا، اللهم اسقنا الغيث ولا تجعلنا من القانتين. وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد.