خطورة المجاهرة بالمعاصي
خطورة المجاهرة بالمعاصي
  | 1318   |   طباعة الصفحة


  • خطبة بعنوان: خطورة المجاهرة بالمعاصي.
  • القاها: الشيخ الدكتور خالد بن ضحوي الظفيري حفظه الله تعالى.
  • المكان: خطبة في يوم 2 ربيع الثاني- عام 1441هـ في مسجد السعيدي.

  إِنَّ الحَمْدَ لِلَّهِ، نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِاللهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَن لَّا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، )يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ( [آل عمران:102]، )يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا( [النساء:1]، )يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا( [الأحزاب:70-71]. أَمَّا بَعْدُ: فَإِنَّ خَيْـرَ الحَدِيثِ كِتَابُ اللهِ تَعَالَى، وَخَيْرَ الْهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَشَرَّ الأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، وَكُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ، وَكُلَّ ضَلَالَةٍ فِي النَّارِ. عِبَادَ اللهِ: إِنَّ اللهَ تَعَالَى أَمَرَ عِبَادَهُ بِطَاعَتِهِ، وَحَثَّهُمْ عَلَى الْتِزَامِ دِيـنِهِ وَشِرْعَتِهِ، وَجَعَلَ أَهْلَ الطَّاعَةِ هُمْ أَهْلَ النَّجَاةِ وَالْفَلَاحِ، وَالْقَائِمِينَ بِالْعُبُودِيَّةِ هُمْ أَهْلَ الْفَوْزِ وَالنَّجَاحِ ؛ فَقَالَ جَلَّ وَعَلَا: )وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا ( [الأحزاب: 71]. كَمَا نَهَاهُمْ عَنْ مَعْصِيَتِهِ، وَحَذَّرَهُمْ مِنْ تَعَدِّي حُدُودِهِ، وَأَخْبَـرَ أَنَّ الْعُصَاةَ هُمْ أَهْلُ الْخُسْرَانِ الْمُبِينِ، وَأَنَّ الْمُتَعَدِّينَ لِحُدُودِهِ لَهُمُ الْعَذَابُ الْمُهِينُ ؛ فَقَالَ وَهُوَ أَصْدَقُ الْقَائِلِينَ: )وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ ( [النساء:14]. فَالْمَعْصِيَةُ شُؤْمٌ عَلَى صَاحِبِهَا، وَلَهَا آثَارٌ سَيِّئَةٌ عَلَى فَاعِلِهَا، وَهِيَ سَبَبٌ لِهَوَانِ الْعَبْدِ عَلَى رَبِّهِ، وَسُقُوطِهِ مِنْ عَيْنِ خَالِقِهِ، وَذَلِكَ مُنْذِرٌ بِهَلَاكِهِ، إِنْ لَمْ يَتَدَارَكْهُ اللهُ بِرَحْمَتِهِ، وَيَمُنَّ عَلَيْهِ بِتَوْبَةٍ مِنْ عِنْدِهِ. أَلَا وَإِنَّ الْمَعْصِيَةَ أَخْطَرُ مَا تَكُونُ عَلَى صَاحِبِهَا إِذَا جَاهَرَ بِهَا وَأَعْلَنَهَا، وَلَمْ يَسْتَحِ مِنَ اللهِ تَعَالَى فِي إِظْهَارِهَا وَالتَّحَدُّثِ بِهَا ؛ فَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «كُلُّ أُمَّتِي مُعَافًى إِلَّا المُجَاهِرِينَ، وَإِنَّ مِنَ المُجَاهَرَةِ أَنْ يَعْمَلَ الرَّجُلُ بِاللَّيْلِ عَمَلًا، ثُمَّ يُصْبِحَ وَقَدْ سَتَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ، فَيَقُولَ: يَا فُلَانُ، عَمِلْتُ البَارِحَةَ كَذَا وَكَذَا، وَقَدْ بَاتَ يَسْتُرُهُ رَبُّهُ، وَيُصْبِحُ يَكْشِفُ سِتْرَ اللَّهِ عَنْهُ». وَالْمُجَاهِرُونَ: هُمُ الَّذِينَ جَاهَرُوا بِمَعَاصِيهِمْ وَأَظْهَرُوهَا، أَوْ كَشَفُوا مَا سَتَرَ اللهُ عَلَيْهِمْ مِنْهَا، بِتَحَدُّثِهِمْ بِهَا مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ مُلْجِئَةٍ لِلْإِخْبَارِ عَنْهَا، أَوْ بِنَشْرِهَا فِي وَسَائِلِ التَّوَاصُلِ، كَأُولَئِكَ الَّذِينَ يُجَاهِرُونَ بِفِعْلِ الرَّذِيلَةِ وَالْخَنَا، من الأغاني والزنا، أَوْ بِغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يُغْضِبُ رَبَّنَا جَلَّ وَعَلَا. عِبَادَ اللهِ: وَإِنَّمَا اسْتَثْنَى النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمُجَاهِرِينَ مِنْ عَافِيَةِ اللهِ تَعَالَى وَرَحْمَتِهِ، وَكَرِيمِ حِلْمِهِ وَعَفْوِهِ ؛ لِأَنَّ فِي الْمُجَاهَرَةِ بِالْمَعْصِيَةِ وَالْإِعْلَانِ بِالْخَطِيئَةِ: اسْتِهَانَةً مِنَ الْعَاصِي بِسِتْرِ اللهِ عَلَيْهِ، وَتَبَجُّحًا بِتَعَدِّي حُدُودِهِ، وَاسْتِخْفَافًا بِوَعِيدِهِ، وَفِيهَا ضَرْبٌ مِنَ الْعِنَادِ وَالْمُحَادَّةِ لِلَّهِ جَلَّ جَلَالُهُ، وَقَدْ قَالَ اللهُ عَزَّ شَأْنُهُ:  )إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ فِي الْأَذَلِّينَ( [المجادلة:20]. وَلِأَنَّ إِظْهَارَ الْمَعْصِيَةِ وَالتَّحَدُّثَ بِهَا، يُجَرِّئُ النَّاسَ عَلَى فِعْلِهَا، وَيُشَجِّعُهُمْ عَلَى ارْتِكَابِهَا، وَيُغْرِيهِمْ بِالْوُقُوعِ فِيهَا؛ فَيَنْتَشِرُ فِي الْمُجْتَمَعِ الْفَسَادُ، وَتَشِيعُ الْمُنْكَرَاتُ بَيْنَ الْعِبَادِ، وَقَدْ تَوَعَّدَ اللهُ بِالْعَذَابِ الْأَلِيمِ مَنْ يُحِبُّونَ ظُهُورَ الْفَاحِشَةِ وَشُيُوعَهَا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ ؛ فَقَالَ فِي كِتَابِهِ الْمُبِينِ:  )إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آَمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ([النور:19].  وَفِي الْأَثَرِ: (إِنَّ الْمَعْصِيَةَ إِذَا خَفِيَتْ لَمْ تَضُرَّ إِلَّا صَاحِبَهَا، وَ إِذَا أُعْلِنَتْ فَلَمْ تُغَيَّرْ ضَرَّتِ الْعَامَّةَ) [رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ عَنْ بِلَالِ بْنِ سَعْدٍ]. وَالْمُظْهِرُ لِلْمَعْصِيَةِ الْمُسْتَعْلِنُ بِالْخَطِيئَةِ: دَاعٍ بِفِعْلِهِ إِلَى ارْتِكَابِهَا ؛ فَيَكُونُ عَلَيْهِ آثَامُ مَنْ تَابَعَهُ عَلَيْهَا وَقَلَّدَهُ فِيهَا، زِيَادَةً عَلَى الْإِثْمِ الَّذِي يَلْحَقُهُ بِفِعْلِهَا ؛ فَقَدْ ثَبَتَ فِي( صَحِيحِ مُسْلِمٍ) عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ سَنَّ فِي الْإِسْلَامِ سُنَّةً حَسَنَةً، فَلَهُ أَجْرُهَا، وَأَجْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا بَعْدَهُ، مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْءٌ، وَمَنْ سَنَّ فِي الْإِسْلَامِ سُنَّةً سَيِّئَةً، كَانَ عَلَيْهِ وِزْرُهَا وَوِزْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا مِنْ بَعْدِهِ، مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أَوْزَارِهِمْ شَيْءٌ». وَالْمُجَاهَرَةُ بِالْمَعْصِيَةِ وَالْإِعْلَانُ بِهَا يَتَنَافَى مَعَ خُلُقِ الْحَيَاءِ؛ الَّذِي يَنْبَغِي أَنْ يَتَحَلَّى بِهِ أَهْلُ الْإِيمَانِ؛ لِأَنَّ صَاحِبَهَا لَمْ يَرْعَ حَقَّ اللهِ فِي تَوْقِيرِهِ وَتَعْظِيمِهِ، وَلَا حَقَّ خَلْقِهِ فِي الِاسْتِحْيَاءِ مِنْهُمْ وَاحْتِرَامِهِمْ؛ وَلِهَذَا قَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ مِمَّا أَدْرَكَ النَّاسُ مِنْ كَلَامِ النُّبُوَّةِ، إِذَا لَمْ تَسْتَحْيِ فَافْعَلْ مَا شِئْتَ» [رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي مَسْعُودٍ t]. عِبَادَ اللهِ: وَالْمُجَاهَرَةُ بِالْمَعَاصِي وَالسَّيِّئَاتِ وَإِظْهَارُ الْفَوَاحِشِ وَالْمُنْكَرَاتِ: سَبَبٌ لِنَـزُولِ عَذَابِ اللهِ سُبْحَانَهُ، وَنِقْمَتِهِ عَلَى عِبَادِهِ؛ فَقَدْ قَالَتْ زَيْنَبُ بِنْتُ جَحْشٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَنَهْلِكُ وَفِينَا الصَّالِحُونَ؟ قَالَ: «نَعَمْ، إِذَا كَثُرَ الْـخَبَثُ» [مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ]. وَالْمُرَادُ بالخَبَثِ: الْفُسُوقُ وَالْمَعَاصِي. وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «مَا ظَهَرَ فِي قَوْمٍ الرِّبَا وَالزِّنَا، إِلَّا أَحَلُّوا بِأَنْفُسِهِمْ عِقَابَ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ» [رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَحَسَّنَهُ ابْنُ حَجَرٍ]. وَعَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ – رَحِمَهُ اللهُ- قَالَ: (كَانَ يُقَالُ: إِنَّ اللهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى لَا يُعَذِّبُ الْعَامَّةَ بِذَنْبِ الْـخَاصَّةِ، وَلَكِنْ إِذَا عُمِلَ الْـمُنْكَرُ جِهَارًا اسْتَحَقُّوا الْعُقُوبَةَ كُلُّهُمْ). وَالْمُجَاهَرَةُ بِالْفِسْقِ وَالْفَاحِشَةِ سَبَبٌ لِوُقُوعِ الْأَمْرَاضِ الْخَطِيرَةِ الْمُسْتَعْصِيَةِ، وَالْأَوْبِئَةِ الْفَتَّاكَةِ الْمُمِيتَةِ؛ فَقَدْ قَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَمْ تَظْهَرِ الْفَاحِشَةُ فِي قَوْمٍ قَطُّ حَتَّى يُعْلِنُوا بِهَا، إِلَّا فَشَا فِيهِمُ الطَّاعُونُ وَالْأَوْجَاعُ الَّتِي لَمْ تَكُنْ مَضَتْ فِي أَسْلَافِهِمُ الَّذِينَ مَضَوْا» [رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا، وَحَسَّنَهُ الْأَلْبَانِيُّ]. أَلَا فَاحْذَرُوا- عِبَادَ اللهِ- مِنَ الْوُقُوعِ فِي الْمَعَاصِي وَإِعْلَانِهَا، وَالتَّحَدُّثِ بِهَا وَإِظْهَارِهَا؛ فَإِنَّ ذَلِكَ مَجْلَبَةٌ لِلنِّقَمِ، مَذْهَبَةٌ لِلنِّعَمِ. بَارَكَ اللهُ لِي وَلَكُمْ فِي القُرْآنِ الْكَرِيمِ، وَنَفَعَنِي وَإِيَّاكُمْ بِمَا فِيهِ مِنَ الآيَاتِ وَالذِّكْرِ الحَكِيمِ، أَقُولُ مَا تَسْمَعُونَ وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ العَظِيمَ لِي وَلَكُمْ، فَاسْتَغْفِرُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ. الخطبة الثّانية: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَعَدَ مَنْ أَطَاعَهُ أَجْرًا كَرِيمًا، وَأَعَدَّ لِمَنْ عَصَاهُ عَذَابًا أَلِيمًا، وَأَشْهَدُ أَن لَّا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، إِقْرَارًا بِهِ وَاعْتِرَافًا لَهُ وَتَعْظِيمًا، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا. أَمَّا بَعْدُ: فَأُوصِيكُمْ -عِبَادَ اللهِ- وَنَفْسِي بِتَقْوَى اللهِ؛ فَإِنَّهُ مَنِ اتَّقَى اللهَ وَقَاهُ، وَمَنْ عَصَاهُ أَذَلَّهُ وَأَخْزَاهُ، وَمَنْ أَطَاعَهُ أَكْرَمَهُ وَأَوْلَاهُ؛ )وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَنْ يَتَوَلَّ يُعَذِّبْهُ عَذَابًا أَلِيمًا ([الفتح:17]. مَعَاشِرَ الْمُسْلِمِينَ: اعْلَمُوا أَنَّ الْوَاجِبَ عَلَى الْمُسْلِمِ أَنْ يَحْذَرَ مِنَ الْوُقُوعِ فِي الْمَعَاصِي، وَارْتِكَابِ الذُّنُوبِ الَّتِي تَجْلِبُ غَضَبَ الْجَبَّارِ، وَأَنَّ عَلَيْهِ إِذَا ابْتُلِيَ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ أَنْ يُخْفِيَهُ وَلَا يُظْهِرَهُ، وَيَسْتَتِرَ بِسِتْرِ اللهِ سُبْحَانَهُ، وَلَا يَكْشِفَ سِتْرَ اللهِ عَلَيْهِ عِنْدَ الْخَلَائِقِ ؛ بَلْ عَلَيْهِ أَنْ يَتُوبَ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْخَالِقِ ؛ فَعَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا: »أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَامَ بَعْدَ أَنْ رَجَمَ الْأَسْلَمِيَّ فَقَالَ: اجْتَنِبُوا هَذِهِ الْقَاذُورَةَ الَّتِي نَهَى اللهُ عَنْهَا، فَمَنْ أَلـَمَّ فَلْيَسْتَتِرْ بِسِتْرِ اللهِ، وَلْيَتُبْ إِلَى اللهِ؛ فَإِنَّهُ مَنْ يُبْدِ لَنَا صَفْحَتَهُ؛ نُقِمْ عَلَيْهِ كِتَابَ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ» [رَوَاهُ الْحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ]. وَيَنْبَغِي عَلَى النَّاسِ إِذَا رَأَوْا مَعْصِيَةً أَنْ يَسْتُرُوا عَلَى صَاحِبِهَا، وَيَحْرُمُ عَلَيْهِمْ نَشْرُهَا وَالتَّحَدُّثُ بِهَا؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ إِشَاعَةِ الْفَاحِشَةِ فِي الْمُؤْمِنِينَ، وَقَدْ رَغَّبَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي السَّتْرِ عَلَى الْعُصَاةِ وَالْمُذْنِبِينَ؛ فَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا سَتَرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ» [رَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ t]. كَمَا يَلْزَمُ النَّاسَ عَدَمُ السُّكُوتِ عَنِ الْمُجَاهِرِينَ بِالْفِسْقِ وَالْمُجُونِ، الْمُعْلِنِينَ لِقَبَائِحِ الْمَعَاصِي وَالذُّنُوبِ، بَلْ عَلَيْهِمْ كَفُّ شَرِّهِمْ عَنِ الْمُجْتَمَعِ بالنُّصْحِ لَهُمْ وَوَعْظِهِمْ، وَالتَّحْذِيرِ مِنْ ضَرَرِهِمْ وَإفْسَادِهِمْ؛ فَإِنْ لَمْ يَرْتَدِعُوا رُفِعَ أَمْرُهُمْ إِلَى السُّلْطَانِ أَوْ مَنْ يَنُوبُ عَنْهُ لِلْأَخْذِ عَلَى أَيْدِيهِمْ ؛ فَعَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أَنَّهُ خَطَبَ النَّاسَ؛ فَقَالَ: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّكُمْ تَقْرَءُونَ هَذِهِ الْآيَةَ، وَتَضَعُونَهَا عَلَى غَيْرِ مَا وَضَعَهَا اللهُ:  )يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ ([المائدة:105]، سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: »إِنَّ النَّاسَ إِذَا رَأَوُا الْمُنْكَرَ بَيْنَهُمْ، فَلَمْ يُنْكِرُوهُ، يُوشِكُ أَنْ يَعُمَّهُمُ اللهُ بِعِقَابٍ» [رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ]. وَأَخِيرًا! فَإِنَّهُ يَنْبَغِي عَلَيْنَا -مَعَاشِرَ الْمُسْلِمِينَ-: تَذْكِيرُ الْمُجَاهِرِينَ بِأَنَّ بَابَ التَّوْبَةِ مَفْتُوحٌ؛ فَلَا يَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ أَرْحَمِ الرَّاحِمِينَ وَأَكْرَمِ الْأَكْرَمِينَ ؛ فَإِنَّ اللهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ الْكَرِيمِ: )قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ([الزمر:53]. وَفَتَحَ سُبْحَانَهُ بَابَ التَّوْبَةِ لِلْعُصَاةِ الْمُسْرِفِينَ، وَوَعَدَهُمْ بِالْمَغْفِرَةِ وَتَبْدِيلِ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ؛ فَقَالَ فِي مُحْكَمِ التَّنْزِيلِ: )إِلَّا مَنْ تَابَ وَآَمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا ( [الفرقان:70].