الاتعاظ والاعتبار بالسيول والأمطار
الاتعاظ والاعتبار بالسيول والأمطار
  | , 1414   |   طباعة الصفحة


  • العنوان: الاتعاظ والاعتبار بالسيول والأمطار
  • القاها: الشيخ الدكتور خالد بن ضحوي الظفيري حفظه الله تعالى
  • المكان: خطبة جمعة ألقاها 16 محرم عام 1437هـ في مسجد السعيدي بالجهراء، ونقلت مباشراً على إذاعة موقع ميراث الأنبياء

 
  • الخطبة الأولى:
  إن الحمد لله نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يُضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله أما بعد،،، فإن أصدق الحديث كلام الله، وخير الهدي هدي محمدٍ -صلى الله عليه وسلم-، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثةٍ بدعة، وكل بدعةٍ ضلالة، وكل ضلالةٍ في النار أما بعد،، عباد الله، فإن من آيات الله الباهرة الدالة على وحدانيته في ربوبيته، وإلوهيته، وأسماءه، وصفاته إنزاله المطر متى شاء أين شاء بالمقدار الذي يشاء كما قال تعالى في الخمس التي لا يعلمها إلا هو ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ﴾[لقمان:34]، وقال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَيَنشُرُ رَحْمَتَهُ وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ﴾[الشورى:28]، وقال –عز وجل-: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾[البقرة:163] ثم ذكر بعض أدلة إلوهيته فقال سبحانه: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾[البقرة:164]، فلا أحد يجري الرياح أو يُنشأ السحاب، ويُنزل الأمطار إلا هو، فهو المستحق لأن يُعبد وهو المستحق وحده أن يُلجأ إليه –سبحانه وتعالى- في كل حالٍ من يسرٍ ونفعٍ وضرٍ. عباد الله، إن الله -عز وجل- كما يجري الرياح نعمة فقد يجريها نقمة، وكما ينزل الغيث رحمة فقد ينزله عذابًا ونقمة، فالرياح والمياه جندٌ من جنودِ الله –سبحانه وتعالى-يرسلها الله بما يشاء يرسلها مبشرات ورحمة فتلقح السحاب، والأشجار فينشأ عنها خير ٌكثيرٌ من ماءٍ نمير وغير ذلك من حبوبٍ، وزروع به قوام حياة الناس ودوابهم.. ويرسلها سخطًا وعذابًا فتنشر عنها الأعاصير المدمرة، والسيول الجارفة، والأمطار الغزيرة فيحصل بها تدمير البيوت والمزارع، وإزهاق الأنفس ما لا يعلمه إلا هو –سبحانه وتعالى-. لذا كان على أهل الإيمان أولي العقول والألباب أن يكونوا عند مقدمات هذه الحوادث أن يكونوا بين الخوف والرجاء يسألون الله –عز وجل- خيرها، ويستعيذون بالله من شرها   ذلك هو هدي النبي -صلى الله عليه وسلم- أعلم الخلق بالله، وأتقاهم لله، وأخوفهم من الله، وأعظمهم شكرًا لله –عز وجل- تقول عائشة -رضي الله تعالى عنها-: "كان النبي -صلى الله عليه وسلم- إذا عصفت الريح، قال: «اللهم إني أسألك خيرها، وخير ما فيها، وخير ما أرسلت به، وأعوذ بك من شرها، وشر ما فيها، وشر ما أرسلت به»، قالت: وإذا تخيلت السماء، _ أي؛ صار فيها غيمٌ، وسحابٌ، ورعدٌ، وبرقٌ تغير لونه –صلى الله عليه وسلم-، وخرج ودخل، وأقبل وأدبر، فإذا مطرت، سُري عنه، فعرفت ذلك في وجهه –عليه الصلاة والسلام-، تقول عائشة: فسألته، فقال –صلى الله عليه وسلم-: «لعله، يا عائشة كما قال قوم عاد: ﴿فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا ﴾[الأحقاف:24] متفقٌ عليه. عباد الله، هذا نبيكم -صلى الله عليه وسلم- إذا رأى أمارات المطر خاف من ربه أن تكون عاقبةً نازلة فيغتم ويهتم ويتغير وجهه حتى يجليها الله –عز وجل- عن غيث رحمةٍ لم يأمن مكر الله ولا سخط الله لكمال علمه بربه -جل وعلا-. يذكر الله –عز وجل- قصة عادٍ لنعتبر بها فيقول –سبحانه وتعالى-: ﴿وَاذْكُرْ﴾ أي؛ بالثناء الجميل ﴿أَخَا عَادٍ﴾ وهو هودٍ –عليه الصلاة والسلام- حيث كان من الرسل الكرام الذين فضلهم الله –عز وجل- بالدعوة إلى دينه، وإرشاد الخلق إليه ﴿إِذْ أَنْذَرَ قَوْمَهُ﴾ وهم عادٌ ﴿بِالأَحْقَافِ﴾ أي؛ في منازلهم المعروفة بالأحقاف، وهي الرمال الكثيرة في أرض اليمن ﴿وَقَدْ خَلَتِ النُّذُرُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ﴾ فلم يكن بدعٍ منهم، ولا مخالفًا لهم قائلًا لهم: ﴿أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ فأمرهم بعبادة الله الجامعة لكل قولٍ سديدٍ، وعملٍ حميدٍ، ونهاهم عن الشرك والتنديد، وخوفهم إلم يطيعوه العذاب الشديد فلم تُفد فيهم تلك الدعوة ﴿قَالُوا أَجِئْتَنَا لِتَأْفِكَنَا عَنْ آلِهَتِنَا﴾ أي؛ ليس لك من القصد، ولا معك من الحق إلا أنك حسدتنا على آلهتنا فأردت أن تصرفنا عنها﴿فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾، وهذا غاية الجهل والعناد ﴿قَالَ إِنَّمَا الْعِلْمُ عِنْدَ﴾ فهو الذي بيده أذِمة الأمور، وله كل شيءٍ –سبحانه وتعالى-، وهو الذي يأتيكم بالعذاب إن شاء﴿وَأُبَلِّغُكُمْ مَا أُرْسِلْتُ بِهِ وَلَكِنِّي أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ﴾ أي؛ ليس علي إلا البلاغ المبين ﴿وَلَكِنِّي أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ﴾ فلذلك صدر منكم ما صدر من هذه الجرأة الشديدة، فأرسل الله عليهم العذاب العظيم، وهي الريح التي دمرتهم وأهلكتهم ، ولهذا قال: ﴿فَلَمَّا رَأَوْهُ﴾ أي؛ العذاب ﴿عَارِضًا مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ﴾ أي؛ معترضًا كالسحاب قد أقبل على أوديتهم التي تسيل فتسقي مزارعهم، ويشربون من آبارها وغدرانها ﴿قَالُوا﴾ مستبشرين: ﴿هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا﴾ أي: هذا السحاب سيمطرنا.     قال الله –عز وجل-: ﴿بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ﴾ أي: هذا الذي جنيتم به على أنفسكم حيث قلتم: ﴿فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ ﴿رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾[الأحقاف:24] ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ﴾ تمر عليه من شدتها فسلطها الله عليهم ﴿سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَى كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ﴾[الحاقة:7]. ﴿بِأَمْرِ رَبِّهَا﴾[الأحقاف:25] أي: بإذنه ومشيئته. ﴿فَأَصْبَحُوا لا يُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ﴾[الأحقاف:25]، قد تلفت مواشيهم، وأموالهم، وأنفسهم. ﴿كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ﴾[الأحقاف:25]، بسبب جرمهم وظلمهم هذا مع أن الله تعالى قد أدر عليهم النعم العظيمة فلم يشكروه ولا يذكروه ولهذا قال: ﴿وَلَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ فِيمَا إِنْ مَكَّنَّاكُمْ فِيهِ﴾[الأحقاف:26]، أي: مكناهم في الأرض يتناولون طيباتها، ويتمتعون بشهواتها، وعمرناهم، وعمرهم الله –عز وجل- عمرًا يتذكر فيه من تذكر، ويتعظ فيه المهتدي، ولقد مكنا عادا كما مكناكم يا هؤلاء المخاطبون أي: فلا تحسبوا أن ما مكناكم فيه مختصٌ بكم، وأنه سيدفع عنكم من عذاب الله شيئًا، بل غيركم أعظم منكم تمكينًا فلم تغن عنهم أموالهم ولا أولادهم ولا جنودهم من الله شيئًا. عباد الله، اتعظوا بما ذكر الله –عز وجل- لنا من هذه القصص التي فيها العبرة والعظة واليوم كثيرٌ منا لا يرى في هذه الآيات والحوادث إلا أنها حوادث طبيعية لا يربطها من قريبٍ ولا من بعيدٍ برحمة ربه، ولا سخط ربه، ولا ينظر إليها أنها تدور بين النعمة والنقمة..لذا لا تزيده شكرًا لله إذا صارت نعمة ولا تزيده خشية ولا تقوى إذا تبين فيها شيءٌ من آثار نقمة الله وجبروته. نسأل الله –عز وجل- أن يُعاملنا بلطفه، ورحمته، ورأفته، وأن يجعل الأمطار التي نزلت أمطار خيرٍ وبركة، وأن ينفع بها البلاد والعباد، ونعوذ به من سخطه وعقوبته ونقمته إنه رءوفٌ رحيم. أقول ما تسمعون، وأستغفر الله العظيم لي ولكم من كل ذنبٍ فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.  
  • الخطبة الثانية:
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن اتبع هداه أما بعد،،، عباد الله، فإن الله تعالى برحمته يسر لعباده الدين، ووضع عنهم الحرج والآصار التي كانت على من قبلهم، ومن ذلك أنه أذن لهم في الجمع بين الصلاتين عند نزول المطر بين المغرب والعشاء وبين الظهر والعصر عند بعض أهل العلم. فمتى صلى الناس وكان المطر نازلًا في طرقاتهم جمعوا إليها الصلاة التي بعدها تخفيفًا وتيسيرًا ولما كان المطر يصدق على القليل والكثير والمقصود من الجمع رفع الحرج، عُلم أن المطر الذي يجمع فيه ما كان فيه حرجٌ على المصلي وأقل ذلك أن يبل الثياب فيحصل منه حرجٌ في ذهابه إلى المسجد، وبعض الناس يحصل منهم تساهلٌ كبيرٌ في هذا الباب فيجمعون لمجرد وجود رش خفيفٍ لا يكاد يذكر ويبالغ بعضهم في التساهل فيجمع لوجود بعض الماء على الطرق التي لا تعوق المشي ولا الوصول إلى المسجد، ويبالغ بعضهم أكثر وأكثر في تساهلهم فيجمعون لوجود الغيم وأمارات المطر دون المطر أصلاً، وهذا غلطٌ كبيرٌ وتساهلٌ مبينٌ في هذه الفريضة العظيمة فالمقصود بالجمع رفع الحرج عن الأمة وإلا فالأصل المحكم هو أن للصلاة مواقيتها التي لا يجوز أن تُقدم عليها ولا تُؤخر عنها من غير حجةٍ تبرأ بها الذمة عند الله –سبحانه وتعالى-. ﴿إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾[النساء:103] فاتقوا الله –عز وجل-، فاتقوا الله عباد الله، وعظموا شعائر الله، وتوبوا إلى ربكم وأنيبوا إليه. اللهم اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة، وقِنا عذاب النار، اللهم اغفر لنا ولوالدينا، وللمؤمنين والمؤمنات الأحياء منهم والأموات وصلى الله وسلم على نبينا محمد.