التحذير من مظاهر الغلو في النبي ﷺ
التحذير من مظاهر الغلو في النبي ﷺ
  | , 1478   |   طباعة الصفحة


  • خطبة  بعنوان: التحذير من مظاهر الغلو في النبي ﷺ.
  • ألقاها: الشيخ الدكتور خالد بن ضحوي الظفيري حفظه الله تعالى.
  • المكان: خطبة في يوم 29 صفر 1442هـ في مسجد السعدي بالجهرا.

 
  • الخطبة الأولى:
إِنَّ الحَمْدَ لِلَّهِ، نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِاللهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَن لَّا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، ) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ( . عباد الله: إن من سعادة العبد أن يرزقه الله محبة النبي صلى الله عليه وسلم، فإن محبته صلوات الله وسلامه عليه أصلٌ من أصول الدين، ولا إيمانَ لمن لم يكن النبيُّ صلى الله عليه وسلم أحبَّ إليه من ولده ووالده والناس أجمعين، فَعَلَيْنَا أَنْ يَكُونَ الرَّسُولُ ﷺ أَحَبَّ إِلَيْنَا مِنْ أَنْفُسِنَا وَآبَائِنَا وَأَبْنَائِنَا وَأَهْلِينَا وَأَمْوَالِنَا؛ فَعَنْ أَنَسٍ رَضِّيَّ اللهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ وَالِدِهِ وَوَلَدِهِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ» [مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ]. يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: (إن قيام المدحة والثناء عليه صلى الله عليه وسلم والتعظيم والتوقير له قيام الدين كله وسقوط ذلك سقوط الدين كله). فَلَا يَجُوزُ تَقْدِيمُ مَحَبَّةِ النَّفْسِ وَتَقْدِيمُ مَآثِرِهَا عَلَى مَحَبَّةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَأَوَامِرِهِ؛ فَفِي صَحِيحِ البُخَارِيِّ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ هِشَامٍ رَضِّيَّ اللهُ عَنْهُ قَالَ: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ وَهُوَ آخِذٌ بِيَدِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: يَا رَسُولَ اللهِ لَأَنْتَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إِلَّا مِنْ نَفْسِي. فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «لَا وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ! حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْكَ مِنْ نَفْسِكَ» فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: فَإِنَّهُ الْآنَ وَاللَّهِ لَأَنْتَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ نَفْسِي. فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «الآنَ يَا عُمَرُ». ولاشك -عباد الله- أن كل المسلمين يشهدون على أنفسهم بمحبتهم للنبي ﷺ؛ ولكنَّ هذه الشهادة يصدِّقُها معتقدُهم وأفعالُهم أو يكذبوها، فَحَقِيقَةُ مَحَبَّةِ الرَّسُولِ ﷺ هِيَ فِي اتِّبَاعِ أَمْرِهِ، وَالاِقْتِدَاءِ بِهَدْيِهِ، وَالأَخْذِ بِسُنَّتِهِ، وَالعَمَلِ بِمَا شَرَعَ، لَا بِالأَهْوَاءِ وَالْبِدَعِ، فَحِينَ ادَّعَى أَقْوَامٌ مَحَبَّةَ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ؛ أَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى اخْتِبَارَهُمْ وَامْتِحَانَهُمْ لِبَيَانِ صِدْقِ مَحَبَّتِهِمْ، وَابْتَلَاهُمْ بِهَذِهِ الآيَةِ فَقَالَ عَزَّ وَجَلَّ: ) قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ( [آل عمران:31]. قَالَ الحَسَنُ الْبَصْرِيُّ رَحِمَهُ اللهُ: «مَنْ أَحَبَّ قَوْمًا اتَّبَعَ آثَارَهُمْ، وَلَنْ تَلْحَقَ الأَبْرَارَ حَتَّى تَتَّبِــعَ آثَارَهُمْ، وَتَأْخُذَ بِهَدْيِهِمْ، وَتَقْتَدِيَ بِسُنَّتِهِمْ، وَتُمْسِيَ وَتُصْبِحَ وَأَنْتَ عَلَى مَنَاهِجِهِمْ، حَرِيصًا أَنْ تَكُونَ مِنْهُمْ، وَتَسْلُكَ سَبِيلَهُمْ، وَتَأْخُذَ طَرِيقَتَـهُمْ، وَإِنْ كُنْتَ مُقَصِّرًا فِي العَمَلِ». عباد الله: محبة النبي ﷺ هي في إنزاله المنزلة التي أنزله الله تعالى لا نغلو فيه ولا نفرط في حقه، وهذه هي دعوته ﷺ التي كان يدعو إليها ويأمر الناس بتحقيقها والبعد عما يخالفها، فحَرَّمَ الغُلُوَّ فِي تَعْظِيمِهِ صَلَوَاتُ اللهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ بِمَا لَيْسَ بِمَشْرُوعٍ؛ فَعَنْ عُمَرَ رَضِّيَّ اللهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَا تُطْرُونِي كَمَا أَطْرَتِ النَّصَارَى ابْنَ مَرْيَمَ، فَإِنَّمَا أَنَا عَبْدُهُ، فقُولُوا: عَبْدُ اللَّهِ ورَسُولُهُ» [رَوَاهُ البُخَارِيُّ]، وَقَالَ ﷺ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ قُولُوا بِقَوْلِكُمْ وَلَا يَسْتَهْوِيَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ، أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، وَرَسُولُ اللَّهِ، وَاللَّهِ مَا أُحِبُّ أَنْ تَرْفَعُونِي فَوْقَ مَا رَفَعَنِـي اللَّهُ» [رَوَاهُ أَحْمَدُ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ رَضِّيَّ اللهُ عَنْهُ وَصَحَّحَهُ الأَلْبَانِيُّ]. وَمَظَاهِرُ الغُلُوِّ فِي رَسُولِ اللهِ ﷺ كَثِيرَةٌ عند من لم يحقق التوحيد ويفهم دعوة رسول الله ﷺ: كَاعْتِقَادِ أَنَّهُ يَعْلَمُ الغَيْبَ بِمَا لَمْ يُطْلِعْهُ اللهُ عَلَيْهِ، أَوْ دعائه مِنْ دُونِ اللهِ لِكَشْفِ ضُرٍّ وَدَفْعِ كَرْبٍ أَوْ جَلْبِ نَفْعٍ أو طلب مدد أو طلب الشفاعة منه دون الله، فَذَلِكَ شِرْكٌ بِنَصِّ القُرْآنِ وَهَدْيِ سَيِّدِ الأَنَامِ، يَقُولُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى فِي حَقِّهِ ﷺ : ) قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ( [الأعراف:188].أو اعْتِقَادُ أَنَّ وُجُودَهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ سَابِقٌ لِهَذَا العَالَمِ، أَوْ أَنَّ الخَلْقَ وَالْكَوْنَ خُلِقَ مِنْ نُورِهِ، أَوْ أَنَّهُ لَا ظِلَّ لَهُ، وَنَحْوُ ذَلِكَ مِنَ الاِعْتِقَادَاتِ المُخَالِفَةِ لِمَا فِي الْوَحْيَيْنِ، ) قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ( [الكهف:110]. وَمِنْ مَظَاهِرِ الغُلُوِّ: الإِطْرَاءُ وَالْمُبَالَغَةُ فِي مَدْحِهِ، وَقِرَاءَةُ القَصَائِدِ الَّتِي فِيهَا وَصْفُ رَسُولِ اللهِ ﷺ بِأَوْصَافٍ لَا تَكُونُ إِلَّا لِلَّهِ تَعَالَى وَحْدَهُ، كقراءتهم لبردة البوصيري، وادِّعَاءُ أَنَّهُ ﷺ يَحْضُرُ عِنْدَ إِلْقَاءِ مِثْلِ هَذِهِ القَصَائِدِ أَوْ فِي حَلَقَاتِ الأَذْكَارِ البِدْعِيَّةِ، فَيَغْفِرُ الزَّلَّاتِ وَيُسَامِحُ العُصَاةَ. فعليكم -عباد الله- بالنَّهْجِ القَوِيمِ وسُلُوكِ الصِّراطِ المُسْتَقِيمِ، فإن من أعظمِ أسباب الوقوع في الفتن ومن أعظم أسبابِ المحن: مخالفةُ منهج الله ومنهج رسولِه عليه أفضل الصلاة والسلام ممّا يكون من المخالفاتِ العقائدية والمحاذيرِ العمليّة. أَقُولُ مَا تَسْمَعُونَ وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ العَظِيمَ لِي وَلَكُمْ مِنْ كُلِّ ذَنْبٍ فَاسْتَغْفِرُوهُ، إِنَّهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ.
  • الخطبة الثانية:
الحَمْدُ لِلَّهِ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى رَسُولِ اللهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَمَنِ اتَّبَعَ هُدَاهُ، وَأَشْهَدُ أَن لَّا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ أَرْسَلَهُ رَبُّهُ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ. أَمَّا بَعْدُ: فَأُوصِيكُمْ -عِبَادَ اللهِ- وَنَفْسِي بِتَقْوَى اللهِ، فَمَنِ اتَّقَى اللهَ وَقَاهُ، وَنَصَرَهُ وَكَفَاهُ. عباد الله: لَقَدِ ادَّعَى كَثِيرُونَ مَحَبَّةَ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَأَفْعَالُهُمْ تُكَذِّبُ دَعْوَاهُمْ، فَتَرَى قَوْمًا يَدَّعُونَ مَحَبَّةَ النَّبِيِّ ﷺ وَهُمْ يَسُبُّونَ وَيُكَفِّرُونَ أَصْحَابَهُ، وَيَطْعَنُونَ فِي عِرْضِهِ، وَيَتَّهِمُونَ أَزْوَاجَهُ، وَتَرَى أَقْوَامًا يَدَّعُونَ مَحَبَّةَ النَّبِيِّ ﷺ وَهُمْ يُخَالِفُونَ أَمْرَهُ وَسُنَّتَهُ وَهَدْيَهُ، فَيُطْرُونَهُ وَيُعْطُونَهُ صِفَاتِ اللهِ رَبِّ العَالَمِينَ. وَتَرَى أُنَاسًا يَدَّعُونَ مَحَبَّةَ النَّبِيِّ ﷺ وَهُمْ يَبْتَدِعُونَ بِدَعًا مَا أَنْزَلَ اللهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ، وَيَحْتَفِلُونَ بِأَعْيَادٍ بِدْعِيَّةٍ لَمْ يَفْعَلْهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ وَلَا أَصْحَابُهُ وَأَتْبَاعُهُ. فَكُلُّ هَذِهِ الأَفْعَالِ تَدُلُّ عَلَى كَذِبِهم فِي دَعْوَاهُمْ مَحَبَّةَ النَّبِيِّ ﷺ ؛ لِأَنَّ مَنْ أَحَبَّهُ اتَّبَعَ أَمْرَهُ، وَسَلَكَ هَدْيَهُ، وَأَحَبَّ أَصْحَابَهُ، فَهَذِهِ هِيَ المَحَبَّةُ الشَّرْعِيَّةُ الَّتِي أُمِرْنَا بِاعْتِقَادِهَا وَالعَمَلِ بِمُقْتَضَاهَا. وكثير من هذا الغلو عباد الله يجتمع في احتفالات أهل البدع في المولد النبوي، مما سيكون بعد أيام قليلة، فيجتمعون ويرقصون ويطبلون في المساجد وينادون رسول الله ويسألونه من دون الله وهذا شرك، ويعطونه صفات الله تعالى من علم الغيب الذي اختص الله بعلمه، فهذا الاحتفال البدعي لم يفعله النبي ﷺ ولا صحابته الكرام ولا القرون المفضلة بإجماع العلماء، إنما اخترعته الدولة الفاطمية العبيدية التي قتّلت أهل السنة، وعاثوا في مصر فسادا، ونشروا سبّ الصحابة على المنابر، وأجمع العلماء على كفرها وزندقتها ووجوب قتالها، هؤلاء هم قدوة المحتفلين بالمولد النبوي، فيجب الحذر من الابتداع في الدين، فالمبتدعة على خطر عظيم، فكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار.