الصراط والمرور عليه
الصراط والمرور عليه
  | , 1177   |   طباعة الصفحة


  • خطبة  بعنوان: الصراط والمرور عليه.
  • ألقاها: الشيخ الدكتور خالد بن ضحوي الظفيري حفظه الله تعالى.
  • المكان: خطبة في يوم 29 صفر 1442هـ في مسجد السعدي بالجهرا.

   
  • الخطبة الأولى:
إِنَّ الحَمْدَ لِلَّهِ، نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِاللهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَن لَّا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ. أما بعد: فإن العبد المؤمن الذي يوقن باليوم الآخر وما فيه من الأهوال العظام والأمور الجسام يكون دائم الاستعداد ليوم المعاد، يجتهد في العمل برضوان الله والبعد عن معصية الله، يعلم أن الذي ينجيه بعد رحمة الله تعالى عملُه الصالحُ في هذه الدنيا الذي هو زادُه في الآخرة، فمن عمل خيرًا لقي خيرًا ومن عمل سوءًا فلا يلومن إلا نفسه، (وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ). في ذلك اليوم حين يُبعث الناس من قبورهم، ويحشرون، ويحاسبون، فمنهم من يأخذ كتابه بيمينه، ومنهم من يأخذه بشماله، ويذهب أهل الشرك مع من كانوا يعبدونه من الأصنام والأوثان ومن رضي بعبادته إلى جهنم وبئس المصير، ويبقى أهل الإيمان وأهل العصيان والنفاق في ظلمة ويضرب الجسر على ظهر جهنم، فعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي ﷺ قال: (يَجْمَعُ اللَّهُ النَّاسَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَيَقُولُ: مَنْ كَانَ يَعْبُدُ شَيْئًا فَلْيَتْبَعْهُ، فَيَتْبَعُ مَنْ كَانَ يَعْبُدُ الشَّمْسَ الشَّمْسَ، وَيَتْبَعُ مَنْ كَانَ يَعْبُدُ الْقَمَرَ الْقَمَرَ، وَيَتْبَعُ مَنْ كَانَ يَعْبُدُ الطَّوَاغِيتَ الطَّوَاغِيتَ، وَتَبْقَى هَذِهِ الْأُمَّةُ فِيهَا شَافِعُوهَا أَوْ مُنَافِقُوهَا، فَيَأْتِيهِمْ اللَّهُ فَيَقُولُ: أَنَا رَبُّكُمْ، فَيَقُولُونَ: هَذَا مَكَانُنَا حَتَّى يَأْتِيَنَا رَبُّنَا، فَإِذَا جَاءَنَا رَبُّنَا عَرَفْنَاهُ، فَيَأْتِيهِمْ اللَّهُ فِي صُورَتِهِ الَّتِي يَعْرِفُونَ، فَيَقُولُ: أَنَا رَبُّكُمْ. فَيَقُولُونَ: أَنْتَ رَبُّنَا فَيَتْبَعُونَهُ، وَيُضْرَبُ الصِّرَاطُ بَيْنَ ظَهْرَيْ جَهَنَّمَ، فَأَكُونُ أَنَا وَأُمَّتِي أَوَّلَ مَنْ يُجِيزُهَا، وَلَا يَتَكَلَّمُ يَوْمَئِذٍ إِلَّا الرُّسُلُ وَدَعْوَى الرُّسُلِ يَوْمَئِذٍ اللَّهُمَّ سَلِّمْ سَلِّمْ، وَفِي جَهَنَّمَ كَلَالِيبُ مِثْلُ شَوْكِ السَّعْدَانِ، هَلْ رَأَيْتُمْ السَّعْدَانَ؟ قَالُوا: نَعَمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: فَإِنَّهَا مِثْلُ شَوْكِ السَّعْدَانِ غَيْرَ أَنَّهُ لَا يَعْلَمُ مَا قَدْرُ عِظَمِهَا إِلَّا اللَّهُ، تَخْطَفُ النَّاسَ بِأَعْمَالِهِمْ، فَمِنْهُمْ الْمُوبَقُ بَقِيَ بِعَمَلِهِ، أَوْ الْمُوثَقُ بِعَمَلِهِ، وَمِنْهُمْ الْمُخَرْدَلُ أَوْ الْمُجَازَى أَوْ نَحْوُهُ)، [رواه البخاري]، وهذا الصراط الذي يمرّ عليه الناس يوم القيامة أخبر عنه الله تعالى في كتابه وأخبر أنَّنَا جميعًا مارُّون عليه وفوقه فقال: (وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا (71) ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا)، وهذا الصراط أحدُّ من السيف، مدحضة مزلة زَلِق عليه كلاليب وخطاطيف مثل الشوكة العظيمة تخطف الناس وتلقيهم في النار، وتحتهم جنهم ولهبها وحريقها، فما أشدَّ الهول وما أفظع الموقف، لكن أهل الإيمان يعطيهم الله تعالى من النور الذي يَرَون به طريقهم، ومن السرعة ما يستطيعون بها تجاوزه بحسب أعمالهم في هذه الدنيا، ويخبرنا الله تعالى عن هذا الموقف العظيم وكيف يهلك المنافقين في هذا الموقف، (يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُم بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِم بُشْرَاكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ، يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِن نُّورِكُمْ [أي انتظرونا نأخذ من نوركم] قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا فَضُرِبَ بَيْنَهُم بِسُورٍ لَّهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِن قِبَلِهِ الْعَذَابُ يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُن مَّعَكُمْ قَالُوا بَلَى وَلَكِنَّكُمْ فَتَنتُمْ أَنفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ الأَمَانِيُّ حَتَّى جَاء أَمْرُ اللَّهِ وَغَرَّكُم بِاللَّهِ الْغَرُورُ فَالْيَوْمَ لا يُؤْخَذُ مِنكُمْ فِدْيَةٌ وَلا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مَأْوَاكُمُ النَّارُ هِيَ مَوْلاكُمْ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ(، وأهل اٌمان يتفاوتون في نورهم بحسب سَبْقِهم إلى الصالحات، كما في حديث ابن مسعود الطويل الذي فيه يقول النبي ﷺ: (فيُعطَون نورهم على قدر أعمالهم وقال: فمنهم من يُعطى نوره مثل الجبل بين يديه، ومنهم من يُعطى نوره فوق ذلك، ومنهم من يُعطى نوره مثل النخلة بيمينه، ومنهم من يُعطى نوره دون ذلك بيمينه، حتى يكون آخر من يُعطى نوره على إبهام قدمه، يضيء مرة, ويطفأ مرة إذا أضاء قدم قدمه, وإذا أطفئ قام). عباد الله: وأما سرعاتهم فتختلف أيضا بحسب قربهم من الله تعالى في الدنيا، ففي حديث ابن مسعود الطويل أيضا يقول النبي ﷺ: (ويمرون على الصراط، والصراط كحد السيف، دحض مزلة, فيقال لهم: امضوا على قدر نوركم، فمنهم من يمر كانقضاض الكوكب، ومنهم من يمر كالريح, ومنهم من يمر كالطرف, ومنهم من يمر كشَدِّ الرَّجُل، يرمل رملاً, فيمرون على قدر أعمالهم، حتى يمر الذي نوره على إبهام قدمه تَخِرُّ يدٌ، وتَعْلَق يدٌ, وتخرُّ رِجْلٌ، وتعلق رجل, وتصيب جوانبه النار، فيخلُصون, فإذا خَلُصُوا قالوا: الحمد لله الذي نجانا منك بعد أن أراناك، لقد أعطانا الله ما لم يعط أحد). واسمع لآخرهم نجاة كيف ينجو، وكيف ينقسم الناس، ففي حديث أبي سعيد في الصحيحين قال ﷺ: (ثُمَّ يُؤْتَى بِالْجَسْرِ فَيُجْعَلُ بَيْنَ ظَهْرَيْ جَهَنَّمَ، قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا الْجَسْرُ؟ قَالَ: مَدْحَضَةٌ مَزِلَّةٌ عَلَيْهِ خَطَاطِيفُ وَكَلَالِيبُ وَحَسَكَةٌ مُفَلْطَحَةٌ لَهَا شَوْكَةٌ عُقَيْفَاءُ تَكُونُ بِنَجْدٍ يُقَالُ لَهَا: السَّعْدَانُ، الْمُؤْمِنُ عَلَيْهَا كَالطَّرْفِ وَكَالْبَرْقِ وَكَالرِّيحِ وَكَأَجَاوِيدِ الْخَيْلِ وَالرِّكَابِ، فَنَاجٍ مُسَلَّمٌ، وَنَاجٍ مَخْدُوشٌ، وَمَكْدُوسٌ فِي نَارِ جَهَنَّمَ، حَتَّى يَمُرَّ آخِرُهُمْ يُسْحَبُ سَحْبًا). ولشدة هذا اليوم تدعوا الأنبياء بالسلامة لأممهم، كما في حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي ﷺ قال: (ونبيكم قائم على الصراط يقول: رب سلم سلم. حتى تعجز أعمال العباد، حتى يجيء الرجل فلا يستطيع السير إلا زحفاً)، [رواه مسلم]. فاعملوا عباد الله لهذا اليوم لتكونوا من أهل النجاة، وجعلنا الله وإياكم منهم. أَقُولُ مَا تَسْمَعُونَ وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ العَظِيمَ لِي وَلَكُمْ مِنْ كُلِّ ذَنْبٍ فَاسْتَغْفِرُوهُ، إِنَّهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ.
  • الخطبة الثانية:
الحَمْدُ لِلَّهِ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى رَسُولِ اللهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَمَنِ اتَّبَعَ هُدَاهُ، وَأَشْهَدُ أَن لَّا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ أَرْسَلَهُ رَبُّهُ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ. أَمَّا بَعْدُ: فَأُوصِيكُمْ -عِبَادَ اللهِ- وَنَفْسِي بِتَقْوَى اللهِ، فَمَنِ اتَّقَى اللهَ وَقَاهُ، وَنَصَرَهُ وَكَفَاهُ. عباد الله: سببان عظيمان ورد ذكرهما في أحاديث الصراط، هما من أعظم أسباب السلامة والمرور عليه والنجاة، وهما ما وردا في حديث أبي هريرة عند مسلم وفيه أن النبي ﷺ قال: (وَتُرْسَلُ الْأَمَانَةُ وَالرَّحِمُ، فَتَقُومَانِ جَنَبَتَيْ الصِّرَاطِ يَمِينًا وَشِمَالًا). قال الحافظ ابن حجر: (والمعنى: أن الأمانة والرحم لعظم شأنهما وفخامة ما يلزم العباد من رعاية حقهما، يوقفان هناك للأمين والخائن، والمواصل والقاطع، فيُحَاجَّان عن المحق، ويشهدان على المبطل). فعلى العبد أن يكون أمينا في كل شأنه، أمينا على دينه فيقيمه على الكتاب والسنة، أمينا على أهله وأولاده فيحسن تربتهم، أمينا في عمله في تعاملاته وبيعه وشرائه، وكذلك يكون واصلا لرحمه، محسنا لوالديه بارا بهما، محسنا لأقاربه، يتفقد أحوالَهم، يعين محتاجَهم، ويقف معهم، فالرحم من وصلها وصله الله ومن قطعها قطعه الله.