الأدلة والبراهين على إثبات العلو لله رب العالمين
الأدلة والبراهين على إثبات العلو لله رب العالمين
  | 1151   |   طباعة الصفحة


  • خطبة  بعنوان: الأدلة والبراهين على إثبات العلو لله رب العالمين.
  • ألقاها: الشيخ الدكتور خالد بن ضحوي الظفيري حفظه الله تعالى.
  • المكان: خطبة في يوم 1 صفر 1442هـ في مسجد السعدي بالجهرا.

   
  • الخطبة الأولى:
إِنَّ الحَمْدَ لِلَّهِ، نَحْمَدُهُ ونَسْتَعِينُهُ ونَسْتَغْفِرُهُ، ونَعُوذُ بِاللهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا ومِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، ومَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وأَشْهَدُ أَن لَّا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾. عباد الله: إن من أقسام التوحيد التي يجب على كل مسلم الإيمان بها والتسليم لما ورد فيها من أدلة القرآن والسنة، ألا وهو: توحيد الأسماء والصفات، فالله سبحانه وتعالى له الأسماء الحسنى والصفات العلى ليس كمثله شيء ولا نظير له ولا ند ولا ظهير، فكل ما أثبته اللهُ تعالى لنفسه أو أثبته له رسولُه ﷺ من الأسماء والصفات وجب إثباتُهُ على ظاهره من غير تأويلٍ ولا تحريف ولا تعطيل ولا تمثيل ولا تكييف، وما نفاه الله تعالى عن نفسه من صفات النقص فإنَّ على العباد نفيه وتنزيه الله تعالى عنه، فعقيدة أهل السنة المبنية على الكتاب والسنة تجمع بين إثبات صفات الكمال لله وتنزيهه عن صفات النقص ومشابهة المخلوقين، قال تعالى: (ليس كمثله شيء وهو السميع البصير). وكلما ازداد المؤمن إيمانا ومعرفة بأسماء الله تعالى وصفاته كلما ازداد قربًا من ربه وعبادةً لخالقه، قال العلامة ابن القيم رحمه الله: (لا حياةَ للقلوب، ولا نعيمَ ولا لذَّةَ، ولا سرورَ ولا أمانَ ولا طمأنينةَ، إلَّا بأنْ تَعرفَ ربَّها ومعبودَها وفاطرَها، بأسمائه وصفاته وأفعاله، ويكون أحبَّ إليْها ممَّا سواه، ويكونَ سعيُها فيما يقرِّبُها إليه ويُدْنيها مِن مَرضاتِهِ). عباد الله: إن من صفات الله تعالى التي وقع فيها الضلال والانحراف من كثير من أهل البدع: صفة العلو لله تعالى، فالله تعالى عالٍ بذاته مستوٍ على عرشه فوق سماواتِهِ قاهرٌ لعباده، وله علوُّ القَدْر فهو الخالق والعباد خلقه، هو الإله الرب المعبودُ وكلُّ من عليها عبادُه وتحت قهرِهِ وأمرِهِ وحكمِهِ وسلطانِهِ، وصفة العلوِّ لله تعالى دلَّ عليها آلاف الأدلة من كتاب الله تعالى وسنة نبيه ﷺ، وأجمع عليها الرسل جميعًا واتفق عليها أهل السنة قاطبة، بل الفطرة السليمة والعقل الصحيح شاهدان على أنَّ الله تعالى عالٍ على خلقه فوقَ السماء، وللأسف تجد -مع تكاثر الأدلة وتنوعها وقطعيتها- من يقول بعد ذلك: إنَّ الله تعالى في كلِّ مكان، أو لا في مكان، وهذا من الكفرِ بالله تعالى ووصفِهِ بالنقائصِ التي نزَّهَ جلَّ وعلا نفسَه عنها. فمن القرآن التصريح بالفوقية لله تعالى: (يَخَافُونَ رَبَّهُم مِّن فَوْقِهِمْ)، وقوله: (وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ)، وجاء التصريح بعروج الأشياء وارتفاعها وصعودها إليه سبحانه، (تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ)، وقوله: (إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه)، وقال عن عيسى u: (بَل رَّفَعَهُ اللّهُ إِلَيْهِ)، ونصّ القرآن على نزول الأشياء من عنده ومن ذلك تنزيل الكتاب منه، (تَنزِيلُ الْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِن رَّبِّ الْعَالَمِينَ)، وورد التصريح بالعلو المطلق الدال على جميع مراتب العلو ذاتاً وقَدْراً وقهراً، (سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى)، وقوله: (عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ)، ومنه التصريح بالاستواء على العرش، وقد جاء هذا في سبعة مواضع في كتاب الله جل وعلا، (إِنَّ رَبَّكُمُ اللّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ)، وقال: (الرَّحمن على العَرْشِ اسْتَوَى)، وذكر الله أنه في السماء (أَأَمِنتُم مَّن فِي السَّمَاء أَن يَخْسِفَ بِكُمُ الأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ، أَمْ أَمِنتُم مَّن فِي السَّمَاء أَن يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِباً فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِير)، وأدلة القرآن كثيرة ظاهرة في إثبات أن الله تعالى في السماء على العرش استوى، وهو بكل شيء عليم. عباد الله: أما سنة سيد الأنام وأخشاهم لله وأعظمهم علما ومعرفة بربه، فقد صرح في كثير من أقواله ﷺ أن الله تعالى في السماء، بل إن عروجَه إلى السماء في حادثة الإسراء و المعراج وارتفاعَه إلى السماء السابعة وكلامَهُ لله تعالى ليدلّ على ذلك أعظم دلالة، والعجب ممن يبتدع الاحتفال بالإسراء والمعراج وينكر علو الله تعالى على خلقه!!، وقد قال ﷺ: (ألا تأمنوني وأنا أمين من في السماء، يأتيني خبر من في السماء صباحا ومساء؟)، وقد شهد النبي ﷺ للجارية بأنها مؤمنة حين أثبتت أن الله في السماء، فقد قَالَ لَهَا ﷺ: (أَيْنَ اللَّهُ؟). قَالَتْ: في السَّمَاءِ. قَالَ: (مَنْ أَنَا؟). قَالَتْ: أَنْتَ رَسُولُ اللَّهِ. قَالَ: (أَعْتِقْهَا فَإِنَّهَا مُؤْمِنَةٌ). [رواه مسلم]. بل في حجة الوداع والمسلمون شهود، أشار النبي ﷺ إلى السماء بأصبعه السبابة، وقال: (اللهم اشهد، اللهم اشهد) ثلاثاً. وكان يقول ﷺ: (ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء). عباد الله: وعلى هذه العقيدة أجمع علماء الأمة من الصحابة والتابعين ومن بعدهم ولم يخالف في ذلك إلا أهل الأهواء والبدع، ونقل الإجماع على ذلك عدد كبير من أهل العلم، قال الإمام الأوزاعي رحمه الله: (كنا والتابعون متوافرون نقول: (إن الله عز وجل على عرشه، ونؤمن بما وردت به السنة من صفاته)، وقال الدارمي رحمه الله: (قد اتفقت الكلمة من المسلمين أن الله تعالى فوق عرشه فوق سمواته). كما أن العقل السليم يدل على أن الله تعالى في العلو لأن السفل صفة نقص والله منزه عنها، فكان من لوازم ذلك إثبات صفة العلو الذي هو الكمال الذي يستحق العزيز المتعال سبحانه وتعالى. فالزموا عباد الله الكتاب والسنة وآمنوا بما جاء فيهما من التوحيد والأسماء والصفات وسيروا على ما سار عليه سلف الأمة، ففي لزوم طريقهم السلامة والعلم والحكمة. أَقُولُ مَا تَسْمَعُونَ وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ العَظِيمَ لِي وَلَكُمْ مِنْ كُلِّ ذَنْبٍ فَاسْتَغْفِرُوهُ، إِنَّهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ.
  • الخطبة الثانية
الحَمْدُ للهِ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى رَسُولِ اللهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَمَنِ اتَّبَعَ هُدَاهُ. أَمَّا بَعْدُ: فإن مما يدل على إثبات علو الله تعالى على خلقه: ما نَجِدُه في فِطْرَتنا، بل الناس كلهم مسلمُهم وكافرُهم صغيرُهم وكبيرُهم مفطورون على أنَّ الله تعالى في العلو، ألا ترى أن أيدينا وقلوبنا تتجه للعلو حين الدعاء والالتجاء إلى الله، وقد قال الهمذاني للجويني وهو يقرر نفي العلو: دعنا مما تقول، ما هذه الضرورة التي نجدها في قلوبنا، ما قال عارف قط: يا الله إلا وجد من قلبه معنى يطلب العلو، لا يلتفت يمنةً ولا يسرةً، فكيف ندفع هذه الضرورة من قلوبنا، فصرخ الجويني، ووضع يده على رأسه وقال: حيرني الهمذاني، ونزل. بل يقول أبو الحسن الأشعري رحمه الله:(ورأينا المسلمين جميعاً يرفعون أيديهم إذا دَعَوا نحو السماء؛ لأن الله تعالى مستو على العرش الذي هو فوق السماوات، فلولا أن الله عز وجل على العرش لم يرفعوا أيديهم نحو العرش، كما لا يحطُّونها إذا دَعَوا إلى الأرض). اللهم إنا نؤمن أنك في السماء فوقنا عالٍ علينا ذاتًا وقدْرًا وقهرنا، فارحمنا برحمتك فإنا عبيدك فقراء إلى فضلك وعفوك ومغفرتك، ....