حوض النبي صلى الله عليه وسلم (خطبة مكتوبة)
حوض النبي صلى الله عليه وسلم (خطبة مكتوبة)
  | 627   |   طباعة الصفحة


  • خطبة بعنوان: حوض النبي صلى الله عليه وسلم.
  • كتبها: الشيخ الدكتور خالد بن ضحوي الظفيري حفظه الله تعالى. بتاريخ 16 محرم 1442هـ

   
  • الخطبة الأولى:
إِنَّ الحَمْدَ لِلَّهِ، نَحْمَدُهُ ونَسْتَعِينُهُ ونَسْتَغْفِرُهُ، ونَعُوذُ بِاللهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا ومِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، ومَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وأَشْهَدُ أَن لَّا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:102]. أَمَّا بَعْدُ: فَإِنَّ أَصْدَقَ الحَدِيثِ كَلَامُ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ، وخَيْرَ الْهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم، وشَرَّ الأُمُورِ مُحْدَثَاتُها، وكُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ، وكُلَّ ضَلَالَةٍ فِي النَّارِ. عباد الله: إن مما يجب أن يؤمن به كل مسلم ما أكرم الله تعالى به نبينا صلى الله عليه وسلم من الكوثر والحوض المورود الذي يرده أهل الإيمان وطاعة الرحمن حين يقوم الناس ليوم الحساب، والحوض والكوثر ثابت بالنص وإجماع أهل السنة حتى عده أهل السنة في العقائد الدينية لأجل الرد على من أنكره وجحده، وقد ورد في صفته وذكره وشربه –سقانا الله وإياكم منه- الأحاديث المتواترة المتعددة من الطرق الكثيرة المتضافرة التي رواها الخلائق من الصحابة. والكوثر الذي أعطاه الله تعالى لنبينا وأكرمه به هو نهر في الجنة حافتاه قباب اللؤلؤ المجوف يصب ماؤه في الحوض، عَنْ أَنَسٍ رضي الله عنه قَالَ: بَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم ذَاتَ يَوْمٍ بَيْنَ أَظْهُرِنَا إِذْ أَغْفَى إِغْفَاءَةً، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ مُتَبَسِّمًا، فَقُلْنَا: مَا أَضْحَكَكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: « أُنْزِلَتْ عَلَىَّ آنِفًا سُورَةٌ». فَقَرَأَ «بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الأَبْتَرُ)». ثُمَّ قَالَ: «أَتَدْرُونَ مَا الْكَوْثَرُ». فَقُلْنَا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: «فَإِنَّهُ نَهْرٌ وَعَدَنِيهِ رَبِّى عَزَّ وَجَلَّ عَلَيْهِ خَيْرٌ كَثِيرٌ، هُوَ حَوْضٌ تَرِدُ عَلَيْهِ أُمَّتِى يَوْمَ الْقِيَامَةِ آنِيَتُهُ عَدَدُ النُّجُومِ، فَيُخْتَلَجُ الْعَبْدُ مِنْهُمْ فَأَقُولُ رَبِّ إِنَّهُ مِنْ أُمَّتِى. فَيَقُولُ مَا تَدْرِى مَا أَحْدَثَتْ بَعْدَكَ ». [رواه مسلم]، فما أعظمه من إكرام لرسول الهدى عليه الصلاة والسلام، ويصب في الحوض ميزابان منه أحدهما من ذهب وآخر من فضة، كما قال صلى الله عليه وسلم: (يَغُتُّ فِيهِ مِيزَابَانِ يَمُدَّانِهِ مِنَ الْجَنَّةِ، أَحَدُهُمَا مِنْ ذَهَبٍ، وَالآخَرُ مِنْ وَرِقٍ) [رواه مسلم من حديث ثوبان]. وإذا كان هذا الحوض من إكرام الله لنبيه فكيف سيكون طعمُ مائه ولونُه وريحُه وعددُ آنيته وما طولُه، فماؤه أحلى من العسل، وأشد بياضا من الثلج واللبن، وأطيب من ريح المسك، وآنيته كعدد نجوم السماء، وأما طوله فمسيرة شهر وطوله كعرضه، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «إِنَّ حَوْضِي أَبْعَدُ مِنْ أَيْلَةَ مِنْ عَدَنٍ، لَهُوَ أَشَدُّ بَيَاضًا مِنَ الثَّلْجِ، وَأَحْلَى مِنَ الْعَسَلِ بِاللَّبَنِ، وَلَآنِيَتُهُ أَكْثَرُ مِنْ عَدَدِ النُّجُومِ، وَإِنِّي لَأَصُدُّ النَّاسَ عَنْهُ كَمَا يَصُدُّ الرَّجُلُ إِبِلَ النَّاسِ عَنْ حَوْضِهِ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، أَتَعْرِفُنَا يَوْمَئِذٍ؟ قَالَ: نَعَمْ، لَكُمْ سِيمَا لَيْسَتْ لِأَحَدٍ مِنَ الْأُمَمِ، تَرِدُونَ عَلَيَّ غُرًّا مُحَجَّلِينَ مِنْ أَثَرِ الْوُضُوءِ». [رواه مسلم]. وهذا من حرص رسول الله صلى الله عليه وسلم على أمته ليشربوا من حوضه حين يحتاج الناس للشراب في حر يوم القيامة حين تدنو الشمس من رؤوس الخلائق، ويشتد العرق ويعظم الهول والخطب فيشرب أهل الإيمان والاتباع منه شربة لا يظمأوا بعدها أبدا، عن عَبْدُ اللهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ رضي الله عنهما: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «حَوْضِي مَسِيرَةُ شَهْرٍ، وَزَوَايَاهُ سَوَاءٌ، وَمَاؤُهُ أَبْيَضُ مِنَ الْوَرِقِ، وَرِيحُهُ أَطْيَبُ مِنَ الْمِسْكِ، وَكِيزَانُهُ كَنُجُومِ السَّمَاءِ، فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَا يَظْمَأُ بَعْدَهُ أَبَدًا». [رواه البخاري ومسلم]. عباد الله: اعلموا أن لكل نبي حوضًا يوم القيامة ترد عليه أممهم، وهم يتفاوتون فيما بينهم أيّهم أكثر واردة لحوضه، وأكثرهم هو نبينا صلى الله عليه وسلم، عن سمرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن لكل نبي حوضا، وإنهم يتباهون أيهم أكثر واردة، وإني أرجو أن أكون أكثرهم واردة). [رواه الترمذي وحسنه الألباني]. فاجتهدوا عباد الله أن تكونوا ممن يرد حوض النبي صلى الله عليه وسلم فيشرب منه الشربة التي لا يظمأ بعدها أبدا، وأكثروا من سؤال ربكم ذلك وادعوا لأنفسكم وأهليكم بذلك، عن ابن عمر رضي الله عنهما: أنه يكبر على الجنازة ويصلي على النبي صلى الله عليه وسلم ثم يقول: (اللهم بارك فيه، وصل عليه، واغفر له، وأورده حوض نبيك صلى الله عليه وسلم). أَقُولُ مَا تَسْمَعُونَ وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ العَظِيمَ لِي وَلَكُمْ مِنْ كُلِّ ذَنْبٍ فَاسْتَغْفِرُوهُ، إِنَّهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ.
  • الخطبة الثانية
الحَمْدُ لِلَّهِ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى رَسُولِ اللهِ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَمَنِ اتَّبَعَ هُدَاهُ، وَأَشْهَدُ أَن لَّا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ الَّذِي أَرْسَلَهُ رَبُّهُ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ. أَمَّا بَعْدُ: فلقد أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالصبر على السنة والجماعة حين أخبرنا أنه سيكون فساد وظلم واستئثار بالحقوق فأكد على الصبر وعدم الخروج على الجماعة وعدم التقاتل على الدنيا والتنافس عليها، وأن ذلك من أعظم أسباب ورود حوضه حين يتقدمنا عليه صلى الله عليه وسلم، فعن أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ رضي الله عنه: قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم لِلْأَنْصَارِ: (إِنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ بَعْدِي أَثَرَةً، فَاصْبِرُوا حَتَّى تَلْقَوْنِي، وَمَوْعِدُكُمْ الْحَوْضُ). [رواه البخاري ومسلم]. فالصبر على جور الولاة من أعظم أسباب ورود الحوض، ولا يعني ذلك الرضى بظلمهم واستئثارهم، فلا نرضى بالظلم ولكن لا نجعل ظلمهم سببا لشق عصا المسلمين وتفريقهم والخروج على ولاتهم، فعن جابر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لكعب بن عجرة: (أعاذك الله من إمارة السفهاء) قال: وما إمارة السفهاء؟ قال: (أمراء يكونون بعدي لا يهتدون بهديي ولا يستنون بسنتي، فمن صدقهم بكذبهم وأعانهم على ظلمهم، فأولئك ليسوا مني ولست منهم، ولا يردون على حوضي، ومن لم يصدقهم بكذبهم، ولم يعنهم على ظلمهم فأولئك مني وأنا منهم، وسيردون على حوضي) [رواه أحمد وصححه الألباني]. والإحداث في الدين من أعظم أسباب الحرمان من الشرب من الحوض، فعَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِى بَكْرٍ - رضى الله عنهما - قَالَتْ قَالَ النَّبِىُّ صلى الله عليه وسلم: «إِنِّى عَلَى الْحَوْضِ حَتَّى أَنْظُرُ مَنْ يَرِدُ عَلَىَّ مِنْكُمْ ، وَسَيُؤْخَذُ نَاسٌ دُونِى فَأَقُولُ: يَا رَبِّ مِنِّى وَمِنْ أُمَّتِى . فَيُقَالُ: هَلْ شَعَرْتَ مَا عَمِلُوا بَعْدَكَ وَاللَّهِ مَا بَرِحُوا يَرْجِعُونَ عَلَى أَعْقَابِهِمْ». فَكَانَ ابْنُ أَبِى مُلَيْكَةَ يَقُولُ: اللَّهُمَّ إِنَّا نَعُوذُ بِكَ أَنْ نَرْجِعَ عَلَى أَعْقَابِنَا أَوْ نُفْتَنَ عَنْ دِينِنَا. [رواه البخاري]. قال القرطبي رحمه الله: (قال علماؤنا رحمة الله عليهم أجمعين: فكل من ارتدَّ عن دين الله، أو أحدث فيه ما لا يرضاه الله، ولم يأذن به الله، فهو من المطرودين عن الحوض، المبعدين عنه، وأشدهم طردًا من خالف جماعة المسلمين، وفارق سبيلهم... وكذلك الظلمة المسرفون في الجور والظلم، وتطميس الحق وقتل أهله وإذلالهم، والمعلنون بالكبائر المستخفون بالمعاصي، وجماعة أهل الزيغ والأهواء والبدع (.اللهم اسقنا من حوض نبيك ولا تحرمنا عفوك وفضلك ....