شهر الله المحرم
شهر الله المحرم
  | 1418   |   طباعة الصفحة


  • خطبة  بعنوان: شهر الله المحرم.
  • ألقاها: الشيخ الدكتور خالد بن ضحوي الظفيري حفظه الله تعالى.
  • المكان: خطبة في يوم 2 محرم 1442هـ في مسجد السعدي بالجهرا.

   
  • الخطبة الأولى:
إِنَّ الحَمْدَ لِلَّهِ، نَحْمَدُهُ ونَسْتَعِينُهُ ونَسْتَغْفِرُهُ، ونَعُوذُ بِاللهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا ومِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، ومَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وأَشْهَدُ أَن لَّا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:102]. أَمَّا بَعْدُ: فَإِنَّ أَصْدَقَ الحَدِيثِ كَلَامُ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ، وخَيْرَ الْهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم، وشَرَّ الأُمُورِ مُحْدَثَاتُها، وكُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ، وكُلَّ ضَلَالَةٍ فِي النَّارِ. عباد الله: إنَّ من رحمةِ اللهِ تعالى بعبادِه أن جَعَل لهم من الأزمانِ ما تَتَضاعف فيه الحسنات، وأرشدَ أهل الإيمان إلى استغلاله بفعل الخيرات والأعمال الصالحات، ونهانا أن نظلم فيها أنفسنا بالخطايا والسيئات، فالسَّعيد من اغتنمها فبادر إلى الخيرِ والحسناتِ، والخاسرُ من فرّط فيها وسَعَى إلى الشرِّ والمنكرات. ومن هذه الأزمنة المباركة الشهور المحرمة الذي ذكرها الله تعالى في كتابه فقالَ: )إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِندَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْراً فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ مِنْهَآ أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلاَ تَظْلِمُواْ فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ( [التوبة:36]، وهذه الشهور ثلاثة متتالية وهي: ذو القَعدة وذو الحِجَّة ومُحرم، وواحد مستقل وهو شهر رجب، قال قتادة رحمه الله: (إنَّ الظلم في الشهر الحرام أعظم خطيئةً ووزرًا من الظلم فيما سواه). وها نحن عباد الله في بداية شهر من هذه الشهور المباركة ألا وهو شهر الله المحرم، و قد سمى النبي صلى الله عليه وسلم المحرم: (شهر الله) وأضافه إلى الله مما يدل على شرفه و فضله، وممّا يشرع الإكثار منه من الأعمال الصالحة في هذا الشهر كثرة الصيام، فقَدْ أَخْبَرَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم؛ أَنَّ صِيَامَ شَهْرِ اللهِ المُحَرَّمِ أَفْضَلُ الصِّيَامِ بَعْدَ شَهْرِ رَمَضَانَ؛ فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ t قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «أَفْضَلُ الصِّيَامِ بَعْدَ رَمَضَانَ شَهْرُ اللَّهِ الْمُحَرَّمُ، وَأَفْضَلُ الصَّلَاةِ بَعْدَ الْفَرِيضَةِ صَلَاةُ اللَّيْلِ» [رواه مسلم]، ومن الحكم في ذلك ما أشار إليه ابن رجب رحمه الله في قوله: (ولما كان هذا الشهر مختصا بإضافته إلى الله تعالى كان الصيام من بين الأعمال مضافا إلى الله تعالى فإنه له من بين الأعمال؛ ناسب أن يختص هذا الشهر المضاف إلى الله بالعمل المضاف إليه المختص به وهو الصيام) في قوله تعالى في الحديث القدسي: (الصيام لي وأنا أجزي به). وإن فاتك يا عبدالله الصيام في شهر محرم فلا يفوتك صيام يوم عَاشُورَاءَ وَهُوَ اليومُ العَاشِرُ مِنْهُ، فإنَّ فضلَه عظيمٌ وثوابَه جزيلٌ، صيام يوم واحدٍ يُكَفِّرُ سَنَةً كاملةً؛ فَعَنْ أَبِي قَتَادَةَ t أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «صِيَامُ يَوْمِ عَاشُورَاءَ أَحْتَسِبُ عَلَى اللَّهِ أَنْ يُكَفِّرَ السَّنَةَ الَّتِي قَبْلَهُ» [رَوَاهُ مُسْلِمٌ]. وَكَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يَتَحَرَّى صِيَامَهُ؛ فَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا- وَسُئِلَ عَنْ صِيَامِ يَوْمِ عَاشُورَاءَ - فَقَالَ: «مَا عَلِمْتُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم صَامَ يَوْمًا يَطْلُبُ فَضْلَهُ عَلَى الْأَيَّامِ إِلَّا هَذَا الْيَوْمَ، وَلَا شَهْرًا إِلَّا هَذَا الشَّهْرَ» يَعْنِي رَمَضَانَ [رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ]. فلا يفوتكم عباد الله الأجر والثواب وعوّدوا أهليكم وأولادكم على صيامه، علِّموهم فضله واحتساب أجره، فإن الصحابة لما أمرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بصيامه قالت الربيع بنت معوذ رضي الله عنها: (فكنا نصومه بعد ونُصَوِّمُ صبياننا، ونجعل لهم اللعبة من العهن، فإذا بكى أحدهم على الطعام أعطيناه ذاك حتى يكون عند الإفطار). أَقُولُ مَا تَسْمَعُونَ وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ العَظِيمَ لِي وَلَكُمْ مِنْ كُلِّ ذَنْبٍ فَاسْتَغْفِرُوهُ، إِنَّهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ.
  • الخطبة الثانية:
الحَمْدُ للهِ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى رَسُولِ اللهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَمَنِ اتَّبَعَ هُدَاهُ، وَأَشْهَدُ أَن لَّا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ. أَمَّا بَعْدُ: فَأُوصِيكُمْ وَنَفْسِي بِتَقْوَى اللهِ، فَمَنِ اتَّقَى اللهَ وَقَاهُ، وَنَصَرَهُ وَكَفَاهُ. عِبادَ اللهِ: مما يجب أن يعلم أننا نصوم عاشوراء وشهر الله المحرم اتباعا لرسول الله صلى الله عليه وسلم واقتداء به، بل إنه يوم له حرمة قديمة تعظمه حتى الأمم السابقة والأنبياء قبل رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم لَمَّا هَاجَرَ إلَى المَدِينَةِ وَجَدَ اليَهُودَ يَصُومُونَ عَاشُورَاءَ، فَسَأَلَهُمْ عَنْ سَبَبِ صِيَامِهِمْ ذَلِكَ اليَومَ فَأَخْبَرُوهُ؛ فَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَدِمَ الْمَدِينَةَ فَوَجَدَ الْيَهُودَ صِيَامًا يَوْمَ عَاشُورَاءَ، فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «مَا هَذَا الْيَوْمُ الَّذِي تَصُومُونَهُ؟» فَقَالُوا: هَذَا يَوْمٌ عَظِيمٌ، أَنْجَى اللهُ فِيهِ مُوسَى وَقَوْمَهُ، وَغَرَّقَ فِرْعَوْنَ وَقَوْمَهُ، فَصَامَهُ مُوسَى شُكْرًا، فَنَحْنُ نَصُومُهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «فَنَحْنُ أَحَقُّ وَأَوْلَى بِمُوسَى مِنْكُمْ فَصَامَهُ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم، وَأَمَرَ بِصِيَامِهِ» [رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ]. وَفِي آخِرِ حَيَاةِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم عَزَمَ عَلَى صِيَامِ يَوْمٍ آخَرَ مَعَ عَاشُورَاءَ مخالفة لأهل الكتاب وبعدًا عن التشبه بهم؛ فَقَدْ رَوَى مُسْلِمٌ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا قَالَ: حِينَ صَامَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَوْمَ عَاشُورَاءَ وَأَمَرَ بِصِيَامِهِ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّهُ يَوْمٌ تُعَظِّمُهُ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى! فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «فَإِذَا كَانَ الْعَامُ الْمُقْبِلُ إِنْ شَاءَ اللهُ صُمْنَا الْيَوْمَ التَّاسِعَ» قَالَ: فَلَمْ يَأْتِ الْعَامُ الْمُقْبِلُ، حَتَّى تُوُفِّيَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم. وَفِي رِوَايَة: «لَئِنْ بَقِيتُ إِلَى قَابِلٍ لَأَصُومَنَّ التَّاسِعَ». وَعَلَى هَذَا يُسَنُّ أَنْ يُصَامَ التَّاسِعُ مَعَ العَاشِرِ. قال ابن عباس: (خالفوا اليهود صوموا التاسع والعاشر)، ومن أضاف إليهما الحادي عشر فهو أكمل كما قاله الإمام ابن القيم رحمه الله. وتنبه أخي المسلم إلى ما ينشر من الأحاديث في فضائل وأعمال عاشوراء فإنها كلها ضعيفة لا تصح إلا ما ورد في الصيام وفضله، قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: (وَكَذَلِكَ قَدْ يَرُوجُ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ يَنْتَسِبُ إِلَى السُّنَّةِ أَحَادِيثُ يَظُنُّونَهَا مِنَ السُّنَّةِ وَهِيَ كَذِبٌ، كَالْأَحَادِيثِ الْمَرْوِيَّةِ فِي فَضَائِلِ عَاشُورَاءَ - غَيْرَ الصَّوْمِ - وَفَضْلِ الْكُحْلِ فِيهِ، وَالِاغْتِسَالِ، وَالْحَدِيثِ، وَالْخِضَابِ، وَالْمُصَافَحَةِ، وَتَوْسِعَةِ النَّفَقَةِ عَلَى الْعِيَالِ فِيهِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَلَيْسَ فِي عَاشُورَاءَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ غَيْرَ الصَّوْمِ) انتهى كلامه رحمه الله.