الرجوع إلى الله أعظم أسباب رفع البلاء
الرجوع إلى الله أعظم أسباب رفع البلاء
  | 4069   |   طباعة الصفحة


  • خطبة بعنوان: الرجوع إلى الله أعظم أسباب رفع البلاء .
  • القاها: الشيخ الدكتور خالد بن ضحوي الظفيري حفظه الله تعالى.
  • المكان: خطبة في يوم 11 رجب - عام 1441هـ في مسجد السعيدي.

 
  • الخطبة الأولى:
إِنَّ الحَمْدَ لِلَّهِ، نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِاللهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَن لَّا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ. أَمَّا بَعْدُ: فَإِنَّ أَصْدَقَ الحَدِيثِ كَلَامُ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَخَيْرَ الْهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ r، وَشَرَّ الأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، وَكُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ، وَكُلَّ ضَلَالَةٍ فِي النَّارِ. عباد الله: إن من حِكَم الله تعالى في خلقه وأمره: أن يبتلي عباده بشتى أنواع البلاء من المصائب والحوادث والأمراض والأوبئة ليميز الخبيث من الطيب، والصادق من الكاذب، والصابر المحتسب من الساخط المكذب، فالبلاء يظهر الأولياء لله من الأعداء، فالأولياء المؤمنون صبروا على البلاء، ورضوا عن القضاء، بل شكروا الله على ذلك، لما يعلمون من أثره الحسن على العبد من تكفير السيئات ورفعة الدرجات في الجنات عند رب الأرض والسموات، قال تعالى عن حال المؤمنين عن البلاء والمصائب: (وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (155) الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ). فأهل الإيمان -عباد الله- صبروا لعلمهم أنه راجعون إلى الله تعالى فمثيبهم على صبرهم ولذلك قالوا: (إنا لله وإنا إليه راجعون)، فلما علموا أنهم إلى الله راجعون وأنهم مبعوثون ومجزيون ومحاسبون، رجعوا إلى الله تعالى بقلوبهم وأعمالهم بالتوبة النصوح وترك الذنوب والسيئات والإكثار من الطاعات والحسنات، فالرجوع إلى الله تعالى من أعظم ما يزيل البلاء ويرفع المصائب والوباء، قال تعالى: (وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ)، فالمعاصي والإسراف في الذنوب وظهور الفواحش من مسببات الفساد في حياة الناس ومعاشهم، قال سبحانه: (ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ)، فالله سبحانه قدر ما قدر من الحسنات والسيئات وما ظهر من الفساد، ليرجع الناس إلى الحق، ويبادروا بالتوبة مما حرم الله عليهم، ويسارعوا إلى طاعة الله ورسوله، لأن الكفر والمعاصي هما سبب كل بلاء وشر في الدنيا والآخرة، وأما توحيد الله والإيمان به وبرسله، وطاعته وطاعة رسله، والتمسك بشريعته، والدعوة إليها، والإنكار على من خالفها فذلك هو سبب كل خير في الدنيا والآخرة، وفي الثبات على ذلك والتواصي به والتعاون عليه، عز الدنيا والآخرة، والنجاة من كل مكروه، والعافية من كل فتنة. فنزول البلاء بالعباد ليذكرهم الله تعالى بأن الأمر بيديه فيجب أن يرجعوا إليه، قال سبحانه: (وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ)، وقال: (وَمَا نُرِيهِمْ مِنْ آيَةٍ إِلَّا هِيَ أَكْبَرُ مِنْ أُخْتِهَا وَأَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ) وقال: (وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا مَا حَوْلَكُمْ مِنَ الْقُرَى وَصَرَّفْنَا الْآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ). عباد الله: الناس تجاه البلاء والمصائب والوباء والأمراض على قسمين وضحهما الله في كتابه فقال: (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ(42) فَلَوْلا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ)، فمنهم من يرجع إلى الله ويتضرع إليه بالتوبة والإنابة ويتوكل على الله تعالى حق التوكل، ويلتجئ إلى ربه بالدعاء، ويعمل بطاعته ويبتعد عن معصيته، ومنهم من قلوبهم قاسية، اتبعوا الشيطان فيما زيّن لهم من الفجور والعصيان، وتركوا طاعة الرحمن، فلا تراهم في جمعة ولا جماعة، ولا يحافظون على الصلاة، ولا يدفعون الزكاة، يتساهلون في الحرام فيأكلون الأموال من الرشوة والمعاملات المحرمة والربا، فاسأل نفسك يا عبدالله من أي الصنفين أنت، هل أنت من أهل الطاعات والقربات أم أنك من أهل العصيان وأتباع الشيطان؟!. فحاسبوا –عباد الله- أنفسكم وتوبوا إلى ربكم واستغفروه، وبادروا إلى طاعته، واحذروا معصيته، وتعاونوا على البر والتقوى، وأحسنوا إن الله يحب المحسنين، وأكثروا من ذكر الله واستغفاره، وتآمروا بالمعروف وتناهوا عن المنكر لعلكم ترحمون، واعتبروا بما أصاب غيركم من المصائب بأسباب الذنوب والمعاصي، والله يتوب على التائبين، ويرحم المحسنين، ويحسن العاقبة للمتقين. أقول ما تسمعون وأستغفر الله العظيم لي ولكم من كل ذنب فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
  • الخطبة الثانية
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن ابتع هداه أما بعد: عباد الله: إن من حكم الله تعالى في مثل هذه الأمراض وانتشارها أن يُظهر للإنسان ضعفه وعجزه وأنه مهما كان عنده من قوة فالله تعالى أقوى فلا يتكبر الإنسان ولا يتجبر على غيره، فيجب عليه التوكل على الله تعالى والتواضع مع خلقه، فإن هذه الفيروسات التي أهلك الله بها بشرا كثيرا إنما هي من أصغر جنده (وما يعلم جنود ربك إلا وهو)، فالمتكبرون يرسل الله تعالى عليهم أنواعا من جنده فيهلكم، ولا يسلم إلا التائبون الراجعون إلى الله تعالى، قال سبحانه: (وَقَارُونَ وَفِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مُوسَى بِالْبَيِّنَاتِ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ وَمَا كَانُوا سَابِقِينَ (39) فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ). عباد الله: اعلموا أن المصائب والبلاء قد تنقلب في حق المؤمن نعما وحسنات إذا كانت سببا في رجعوه إلى الله وقابلها بالصبر والاحتساب، كما قال r: (عجبا لأمر المؤمن إن أمره كله له خير و ليس ذلك لأحد إلا للمؤمن إن أصابته سراء شكر و كان خيرا له و إن أصابته ضراء صبر فكان خيرا له)، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: (فَمِنْ تَمَامِ نِعْمَةِ اللَّهِ عَلَى عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ أَنْ يُنْزِلَ بِهِمْ الشِّدَّةَ وَالضُّرَّ وَمَا يُلْجِئُهُمْ إلَى تَوْحِيدِهِ فَيَدْعُونَهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَيَرْجُونَهُ لَا يَرْجُونَ أَحَدًا سِوَاهُ وَتَتَعَلَّقُ قُلُوبُهُمْ بِهِ لَا بِغَيْرِهِ فَيَحْصُلُ لَهُمْ مِنْ التَّوَكُّلِ عَلَيْهِ وَالْإِنَابَةِ إلَيْهِ وَحَلَاوَةِ الْإِيمَانِ وَذَوْقِ طَعْمِهِ وَالْبَرَاءَةِ مِنْ الشِّرْكِ مَا هُوَ أَعْظَمُ نِعْمَةً عَلَيْهِمْ مِنْ زَوَالِ الْمَرَضِ وَالْخَوْفِ أَوْ الْجَدْبِ أَوْ حُصُولِ الْيُسْرِ وَزَوَالِ الْعُسْرِ فِي الْمَعِيشَةِ فَإِنَّ ذَلِكَ لَذَّاتٌ بَدَنِيَّةٌ وَنِعَمٌ دُنْيَوِيَّةٌ قَدْ يَحْصُلُ لِلْكَافِرِ مِنْهَا أَعْظَمُ مِمَّا يَحْصُلُ لِلْمُؤْمِنِ. وَأَمَّا مَا يَحْصُلُ لِأَهْلِ التَّوْحِيدِ الْمُخْلِصِينَ لِلَّهِ الدِّينَ فَأَعْظَمُ مِنْ أَنْ يُعَبِّرَ عَنْ كُنْهِهِ مَقَالٌ أَوْ يَسْتَحْضِرَ تَفْصِيلَهُ بَالٌ وَلِكُلِّ مُؤْمِنٍ مِنْ ذَلِكَ نَصِيبٌ بِقَدْرِ إيمَانِهِ).