المحبة في الإسلام، والتحذير من عيد الحب
المحبة في الإسلام، والتحذير من عيد الحب
  | 1679   |   طباعة الصفحة


  • خطبة بعنوان: المحبة في الإسلام، والتحذير من عيد الحب .
  • القاها: الشيخ الدكتور خالد بن ضحوي الظفيري حفظه الله تعالى.
  • المكان: خطبة في يوم 20 جمادى الثاني - عام 1441هـ في مسجد السعيدي.

 
  • الخطبة الأولى:
  إِنَّ الحَمْدَ لِلَّهِ، نَحْمَدُهُ ونَسْتَعِينُهُ ونَسْتَغْفِرُهُ، ونَعُوذُ بِاللهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا ومِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، ومَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وأَشْهَدُ أَن لَّا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، )يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ( [آل عمران:102]، )يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا( [النساء:1]، )يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا) [الأحزاب:70-71]. أَمَّا بَعْدُ: فَإِنَّ أَصْدَقَ الحَدِيثِ كَلَامُ اللهِ تَعَالَى، وَخَيْرَ الْهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ، وَشَرَّ الأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، وَكُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ، وَكُلَّ ضَلَالَةٍ فِي النَّارِ. عباد الله: إن من أصول الإسلام ومبانيه العظام: الحب في الله والبغض في الله، وهما أصل الولاء والبراء اللذان هما أوثق عرى الإيمان، وإن ديننا الإسلامي الذي يجب أن نعتز به ونرفع به رؤوسنا قد دعا إلى المحبة لله وفي الله أعظم دعوة، فجعل ذلك المحبة من أعظم علامات الإيمان وأسباب دخول الجنان. فقد حث ديننا على محبة الله ورسوله وتقديم هذه المحبة على محبة كل شيء حتى من النفس، قال تعالى: (قُلْ إِنْ كانَ آباؤُكُمْ وَأَبْناؤُكُمْ وَإِخْوانُكُمْ وَأَزْواجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوالٌ اقْتَرَفْتُمُوها وَتِجارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسادَها وَمَساكِنُ تَرْضَوْنَها أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ). فلا يتم إيمان العبد حتى تكون محبته لله ورسوله فوق كل شيء، فعن أنس- رضي الله عنه- قال: قال النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «لا يؤمن أحدكم حتّى أكون أحبّ إليه من ماله وولده والنّاس أجمعين»، فعلامة الإيمان الصادق تقديم هذه المحبة على محبة النفس وما تهوى، فعن عبد الله بن هشام- رضي الله عنه- قال: كنّا مع النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم، وهو آخذ بيد عمر بن الخطّاب، فقال له عمر: يا رسول الله، لأنت أحبّ إليّ من كلّ شيء إلّا من نفسي. فقال النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «لا والّذي نفسي بيده، حتّى أكون أحبّ إليك من نفسك» . فقال له عمر: فإنّه الآن والله لأنت أحبّ إليّ من نفسي. فقال النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «الآن يا عمر». فلن يستكمل العبد الإيمان إلا بهذه المحبة على هذا الوجه، فعن أبي أمامة الباهليّ- رضي الله عنه- أنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، قال: «من أحبّ لله، وأبغض لله، وأعطى لله، ومنع لله، فقد استكمل الإيمان» ولن يجد المؤمن حلاوة الإيمان ولذته ونعيمه وبهجته إلا بهذه المحبة، عن أنس- رضي الله عنه- عن النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم، قال: «ثلاث من كنّ فيه وجد حلاوة الإيمان: من كان الله ورسوله أحبّ إليه ممّا سواهما، ومن أحبّ عبدا لا يحبّه إلّا لله، ومن يكره أن يعود في الكفر بعد إذ أنقذه الله كما يكره أن يلقى في النّار». ومن الثمرات اليانعة لهذه المحبة أن تكون مع من أحببت يوم القيامة، فعن أنس بن مالك- رضي الله عنه- أنّ رجلا سأل النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم: متى السّاعة يا رسول الله؟ قال: «ما أعددت لها؟» . قال: ما أعددت لها من كثير صلاة ولا صوم ولا صدقة، ولكنّي أحبّ الله ورسوله. قال: «أنت مع من أحببت»، فالمرء يلحق بالقوم الأخيار والصحبة الأبرار بمحبة إياهم واتباع آثارهم وإن لم يعمل بمثل أعمالهم، فعن عبد الله بن مسعود- رضي الله عنه- جاء رجل إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فقال: يا رسول الله، كيف تقول في رجل أحبّ قوما ولم يلحق بهم؟ فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «المرء مع من أحبّ». عباد الله: ولأهمية خلق المحبة حث الإسلام على تبادلها بين أهله، وجعلها من أسباب دخول الجنة، فعن أبي هريرة- رضي الله عنه- قال:  قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «لا تدخلون الجنّة حتّى تؤمنوا. ولا تؤمنوا حتّى تحابّوا. أولا أدلّكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم؟ أفشوا السّلام بينكم). والمتحابون في الله في ظل عرش الرحمن يوم القيامة حين يكون الناس تحت الشمس ولهيبها وسمومها، فعن أبي هريرة- رضي الله عنه- قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «إنّ الله يقول يوم القيامة: أين المتحابّون بجلالي اليوم أظلّهم في ظلّي. يوم لا ظلّ إلّا ظلّي» عن أبي هريرة- رضي الله عنه- عن النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم، قال: «سبعة يظلّهم الله تعالى في ظلّه يوم لا ظلّ إلّا ظلّه: ... وذكر منهم ... ورجلان تحابّا في الله اجتمعا عليه وتفرّقا عليه » بل إن الإسلام جعل من كمال الإيمان أن تحب لأخيك كل ما تحبه لنفسك من الخير والصلاح، فعن أنس- رضي الله عنه- عن النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم، قال: «لا يؤمن أحدكم حتّى يحبّ لأخيه ما يحبّ لنفسه». ونجد أن الإسلام أمر بالإحسان للوالدين ومن أعظم صور الإحسان محبتهما والإشفاق عليهما، (وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا)، وزرع الله تعالى المحبة بين الأزواج وحثهم على تبادله والإحسان لبعضهما والعشرة بالمعروف قال تعالى: (وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ)، وقال: (وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ)، وقال: (ولهن مثل الذي عليهم بالمعروف). وأوصى r الرجال بالناس خيرا، وقال: (خيركم خيركم لأهله). عباد الله: هذا هو دين الإسلام الذي يجب أن نعتز به ونسير على دربه ونثبت عليه إلى الممات، نشر للمحبة في كل حين ووقت بضوابطها الشرعية، فديننا كامل شريعة وأخلاقا، لسنا بحاجة إلى الأخذ من غيره، (اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينًا). فلا يوجد دين يحث أبناءه على المحبة والمودة والتآلف كدين الإسلام، وهذا في كل وقت وحين لا في يوم بعينه كما يفعله النصارى فيما يسمونه من عيد الحب، بل حث على إظهار العاطفة والحب في كل وقت كما قال عليه الصلاة والسلام: (إذا أحب الرجل أخاه فليخبره أنه يحبه)، بل إن المسلم تمتد عاطفته لتشمل حتى الجمادات فهذا جبل أحد يقول عنه عليه الصلاة والسلام : (هذا أحد جبل يحبنا ونحبه)، فالمحبة في الإسلام شاملة فهناك حب الله تعالى وحب رسوله عليه السلام وصحابته وحب أهل الخير والصلاح وحب الدين ونصرته، وحب الطاعات المقربة إلى الله؛ فمن الخطأ والخطر إذن قصر هذا المعنى الواسع على هذا النوع من الحب. أقول ما تسمعون وأستغفر الله العظيم لي ولكم من كل ذنب فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.  
  • الخطبة الثانية
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن ابتع هداه أما بعد: عباد الله: ها هي جيوش الكفر وجنود الإلحاد تروّج لعيد ما أمكَرَه من عيد، عيدٍ سموه بغير اسمه تدليسًا وتلبيسًا، سمّوه باسم شريف، ليروج على التقي النقي العفيف، سموه عيد الحب وهو في الحقيقة عيد الخنا والرذيلة والعهر، ينشرون الرذائل في أثواب الفضائل، هذا العيد النصراني انتشر بين بعض أبناء جلدتنا وتتبناه بعض المحلات التجارية ويخدعون به المسلمين وينشرون فيه الهدايا والبطاقات والورود، لذلك وجب التحذير منه وتبيين حقيقته. فلهذا العيد حقيقة ينبغي أن تعلم وتاريخ ينبغي أن يفهم حتى لا يلتبس الأمر على المسلمين ويعرفون هذا العيد بصورته الحقيقية. فقد زعموا أن الرومان الوثنية كانت تحتفل في يوم 15 فبراير من كل عام، وكان هذا اليوم عندهم يوافق عطلة الربيع، وفي تلك الآونة والنصرانية في بداية دعوتها أصدر الإمبراطور كلايديس الثاني قرارا بمنع الزواج على الجنود، وكان رجل نصراني راهب يدعى فالنتاين تصدى لهذا القرار، فكان يبرم عقود الزواج خُفيةَ، فلما افتضح أمرُه حُكم عليه بالإعدام، وفي السجن وقع في حب ابنة السجّان، وكان هذا سرًّا لأنَّ شريعة النصارى تحرّم على القساوسة والرهبان الزواج وإقامة علاقات عاطفية، ولكن شفع له لديهم ثباتُه على النصرانية، حيث عرض عليه الإمبراطور أن يعفوَ عنه على أن يترك النصرانية ويعبُد آلهة الرومان، ويكون لديه من المقربين ويجعله صهراً له، إلا أنه رفض هذا العرض وآثر النصرانية، فأُعدم يوم 14 فبراير عام 270ميلادي، ومن ذلك الحين أطلق عليه لقب القديس فلنتاين. وبعدما انتشرت النصرانية في أوربا أصبح العيد يوم 14 فبراير، وسمي بعيد القديس فالنتاين، إحياءً لذكراه، لأنه فدى النصرانية بروحه، وقام برعاية المحبين زعموا. فينبغي التأكيد على عقيدة الولاء والبراء، ولوازمها، والتحذير من مشابهة أهل الكتاب في مظاهرهم وأعيادهم وأيامهم؛ ومن هذا الاحتفال بهذا العيد، أو مشاركة المحتفلين به في احتفالهم، أو الحضور معهم، ولا يجوز للتجار المسلمين أن يتاجروا بهدايا عيد الحب أو أي عيد من أعياد الكفار من لباس معين أو ورود حمراء أو غير ذلك، لأن المتاجرة بها إعانة على المنكر الذي لا يرضاه الله تعالى ولا رسوله صلى الله عليه وسلم. ومما قرره أهل العلم: انه لا يجوز للمسلم أن يقبل أي إهداء أو طعام صنع لمناسبة عيد من أعياد الكفار، ولهذا فإن من المتعين على الآباء والأمهات أن يلاحظوا هذا الأمر على أولادهم، وقد سئل اللجنة الدائمة للإفتاء في المملكة العربية السعودية عن هذا العيد: فأجابت بقولها: (وبعد دراسة اللجنة للاستفتاء أجابت بأنه دلت الأدلة الصريحة من الكتاب والسنة – وعلى ذلك أجمع سلف الأمة – أن الأعياد في الإسلام اثنان فقط هما : عيد الفطر وعيد الأضحى وما عداهما من الأعياد سواء كانت متعلقة بشخصٍ أو جماعة أو حَدَثٍ أو أي معنى من المعاني فهي أعياد مبتدعة لا يجوز لأهل الإسلام فعلها ولا إقرارها ولا إظهار الفرح بها ولا الإعانة عليها بشيء لأن ذلك من تعدي حدود الله ومن يتعدى حدود الله فقد ظلم نفسه ، وإذا انضاف إلى العيد المخترع كونه من أعياد الكفار فهذا إثم إلى إثم لأن في ذلك تشبهاً بهم ونوع موالاة لهم وقد نهى الله سبحانه المؤمنين عن التشبه بهم وعن موالاتهم في كتابه العزيز وثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : (( من تشبه بقوم فهو منهم )) . وعيد الحب هو من جنس ما ذكر لأنه من الأعياد الوثنية النصرانية فلا يحل لمسلم يؤمن بالله واليوم الآخر أن يفعله أو أن يقره أو أن يهنئ بل الواجب تركه واجتنابه استجابة لله ورسوله وبعداً عن أسباب سخط الله وعقوبته ، كما يحرم على المسلم الإعانة على هذا العيد أو غيره من الأعياد المحرمة بأي شيء من أكلٍ أو شرب أو بيع أو شراء أو صناعة أو هدية أو مراسلة أو إعلان أو غير ذلك لأن ذلك كله من التعاون على الإثم والعدوان ومعصية الله والرسول والله جل وعلا يقول : (( وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان واتقوا الله إن الله شديد العقاب )) .